انتشار «الكذب» في الثقافة السياسية المعاصرة!

د. عبد العاطي محمد  –

خلال أسابيع قليلة توالت عدة وقائع امتد أبطالها من الغرب إلى الشرق، ترددت فيها كلمة الكذب في سياق تبرير موقف ما، أو مواجهة الخصوم السياسيين سواء من باب الدفاع أو التنديد. ومع أن الكذب ليس جديدا في عالم السياسة، إلا أنه ظل سلوكا استثنائيا ومذموما بكل تأكيد، ومدعاة للإساءة لمن يلجأ إليه، ولكن انتشاره وبلا أي مظهر على الخجل، بما يثير القلق من أن الثقافة السياسية المعاصرة باتت تتعامل معه على أنه أمر عادي، بل وربما على أنه أمر ممدوح!.
في الذاكرة السياسية القديمة نسبيا هناك واقعة ما جرت في غزو العراق 2003 عندما روجت بعض مصادر صنع القرار في الولايات المتحدة معلومات عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وأنه لهذا السبب قرر الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن شن الحرب على العراق، ومن بين مبرراته أنه وصلته تقارير من وكالة المخابرات الأمريكية تؤكد ذلك، كما تابع العالم على الهواء مداخلة وزير الخارجية آنذاك كولن باول أمام مجلس الأمن وفيها عرض صورا تؤكد هذا الاتهام. وبعد كل ما جرى عرف العالم أن شيئا من هذا لم يكن حقيقيا!. وفي الذاكرة أيضا أن رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير استطاع أن يقنع الرأي العام البريطاني ومؤسساته السياسية بأن العراق وقتها كان يمتلك أسلحة للدمار الشامل، ثم اتضح فيما بعد أنه لم يكن دقيقا في عرض حقيقة الموقف، ولم تتوان وسائل الإعلام البريطانية عن توجيه الاتهام للرجل بأنه كذب على البريطانيين ودفعهم إلى المشاركة في الحرب على غير الحقيقة.
حتى ذلك الوقت تعامل العالم مع الواقعتين بما فيهما من كذب على أنهما أمر استثنائي أو غير معتاد في المواقف الدولية، وإن لم ينف ذلك وجود حالة من الاستنكار بل والإدانة للجوء إلى الكذب لتدمير دولة كانت بريئة من الاتهام الذي تم توجيهه لنظامها آنذاك بقيادة صدام حسين. ولكن بمرور السنين وفي ظل التحولات الكبرى التي مر بها العالم مع انتشار العولمة وظهور شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت بشكل مذهل وانفجار ثورة القوميات (انهيار الاتحاد السوفييتي) ثم ظهور ما يسمى بحروب الجيل الرابع، انقلبت الأوضاع رأسا على عقب وبات ما لم يكن معتادا في السياسة الدولية يصبح أمر عاديا، بل وربما مبررا ومشروعا من جانب من يلجأ إليه، ومن ذلك أن يلجأ طرف ما إلى الكذب جهارا نهارا، أو أن يلجأ طرف آخر إلى توجيه الاتهام لخصمه بالكذب، ويجري ذلك دون مراعاة لأبسط قواعد الدبلوماسية أو الأخلاق السياسية التي ارتضتها البشرية الحديثة. ولم يكن ذلك علامة على تغير كبير في طبيعة العلاقات بين الأمم والحكومات، وإنما أيضا تأسيسا لثقافة سياسية جديدة تعكس حالة الشعور بالخوف والجزع وعدم اليقين من المستقبل عند إنسان الألفية الثالثة أيا كان موقعه في الجهات الأربع من العالم.
الولايات المتحدة وهي تتأهب للانتخابات الاتحادية والرئاسية المقرر إجراؤها في نوفمبر 2020 تعيش أجواء المواجهة مع هذه القضية، أي الكذب على الرأي العام أو خداعه حتى لا يتكرر ما حدث في انتخابات 2016 التي جاءت برونالد ترامب إلى البيت الأبيض. ودون الرجوع إلى تفاصيل تداعيات هذه الانتخابات لأنها معلومة للكافة، فإن الانطباع السائد هو أن تلك الانتخابات شهدت تدخلا غير مشروع في تشكيل اختيارات الناخبين سواء كان الاتهام الموجه للروس صحيحا أم لا، وسواء كانت التحقيقات التي جرت بهذا الصدد صحيحة أم خاطئة. وكانت وكالات المخابرات الأمريكية قد ذكرت أن هناك عملية تأثير إلكترونية روسية واسعة النطاق قد تمت لمساعدة ترامب على الفوز في الانتخابات. وفي هذا الإطار أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي المتهم الأول في العمل على توجيه الناخبين لاتخاذ قرارات باختيار هذه الشخصية أو تلك على غير الحقيقة. ولذلك عقدت وكالات المخابرات الأمريكية اجتماعات مع مسؤولين في فيس بوك وجوجل ومايكروسفت وتويتر لبحث الاستراتيجيات الأخيرة لتأمين انتخابات 2020 من أية تدخلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأصبح معلوما أنه منذ 2016 بات التعاون وثيقا بين الجانبين لتحسين سبل تبادل بيانات من هم على هذه الشبكات للتأكد مما إذا كانوا يمثلون تهديدا لأمن الولايات المتحدة ويؤثرون على مسار العمليات الانتخابية (يتم تطبيق ذلك على من يطلب فيزا الدخول إلى الولايات المتحدة). وما يستنتج من ذلك كله هو إدراك أن ليس كل ما يتم التعبير عنه عبر وسائل التواصل الاجتماعي حقيقيا، وإنما أغلبه مفتعل مخادع أو كاذب، حيث لا فرق بين الكذب والخداع مما يجري عبر هذه الوسائل، ففي النهاية هو غير حقيقي. ولنا أن نتذكر أن ترامب نفسه لجأ أكثر من مرة لاستخدام كلمة الكذب في وصفه لتقارير وسائل الإعلام الأمريكية، وكذلك تجاه بعض جوانب التحقيقات في قضية الانتخابات.
وفي هذا الإطار حظي عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان على شهرة واسعة بسبب كتابه «الحداثة السائلة» التي تعني أنه لم يعد هناك مكان للمفاهيم الصلبة والثابتة حيث كل ما حولنا مؤقت وعابر ومتغير (مقال له في مجلة حكمة)، ويرى أن مؤسس فيس بوك تجلت عبقريته في التوصل إلى فكرة أن البشرية الحديثة تعاني من الشعور بالوحدة، واستغل ذلك في دفع الناس إلى الفيس بوك أو إلى العالم الافتراضي حيث سيكون هناك دائما من يهتم بأن يسمع أو يقرأ ما يكتبه شخص ما لا يعرفه ولا يرغب أصلا في معرفته، وهذا الشخص بمشاركته (الإعجاب) يمنح الآخر الإحساس بالأمان أو أنه ليس وحيدا في هذا العالم. ويؤكد العالم البولندي أن ما يجري على فيس بوك هو علاقات خفيفة العبء والكلفة وحوار يأخذ شكل تفاعل مكتوب، بخلاف العلاقات الحقيقية التي تتطلب قدرا من المواجهة والتفاعل المباشر. ما يجري لا يعدو أن يكون وهما للتواصل الإنساني، إنه ليس إلا أصداء صوت وصورة خيال.
ولبعض الوقت كان متصورا أن التراشق بالكذب ظاهرة أمريكية، ولكن العدوى انتقلت إلى دول أخرى ومنها بريطانيا وفرنسا وكلاهما من أعرق بلدان الديمقراطية الغربية التي من المفترض ألا تعرف هذا السلوك!. فقد واجه بوريس جونسون زعيم حزب المحافظين ورئيس الوزراء (يوليو 2019) أزمة كبيرة مع البرلمان بل وداخل حزبه بسبب موقفه المشدد على حتمية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حتى لو تم ذلك دون اتفاق، بينما أصر البرلمان على ضرورة الخروج باتفاق. وما يرتبط بموضوعنا في هذا المثال أن الشائع عند خصومه هو أن جونسون كان من أبرز من وجهوا الرأي العام البريطاني للاستفتاء على الخروج، على غير الحقيقة أي أنه مارس قدرا من الخداع لإقناع البريطانيين بأن مصلحتهم هي في الخروج حتى بدون اتفاق. هنا يوجه له الاتهام من خصومه بأنه ضلل الرأي العام، أو كذب!. وأما بالنسبة للحالة الفرنسية فقد كانت حقا خروجا عن المألوف في لباقة السياسة الفرنسية ودقتها. والمسألة باختصار أن الرئيس الفرنسي ماكرون غضب من موقف الرئيس البرازيلي بولسونارو بخصوص حرائق الأمازون حيث كان ماكرون يتوقع منه أن يتخذ قرارات سريعة وقوية لوقف هذه الحرائق لأنها من وجهة نظر ماكرون تهدد بقوة سلامة المناخ، ومعلوم أنه من أشد رؤساء العالم تحمسا للدفاع عن هذه القضية. ووسط الشعور بالغضب اتهم ماكرون نظيره البرازيلي بالكذب في إشارة إلى أنه غير صادق فيما قاله أنه فعل الكثير لوقف هذه الحرائق.
ليس الغرب وحده الذي يمكن اتخاذه مثالا على تفشي كلمة الكذب في خطاب الثقافة السياسية المعاصرة، بل هناك الشرق البعيد ممثلا في الصين وهونج كونج. فعلى مدى عدة أسابيع شهدت الأخيرة احتجاجات واسعة النطاق شلت الحياة الاقتصادية انطلاقا من اعتراض النشطاء السياسيين على بعض القوانين الانتخابية التي وصفوها بأنها غير ديمقراطية. ومع أن هونج كونج تتمتع بحكم ذاتي، إلا أنها بعد عودتها إلى السيادة الصينية لم يعد مقبولا من وجهة نظر بكين أن تحدث هذه الاحتجاجات ضد حكومة الإقليم المدعومة منها. وهنا ردت بكين بنفس الكلمة، حيث اتهمت قيادات المعارضة بأنهم يكذبون، مشيرة إلى أنهم يحتجون ليس بسبب هذه القوانين وإنما لأنهم مدفوعون من جانب الولايات المتحدة لإحراج بكين والضغط عليها في الصراع الاقتصادي القائم بين الطرفين. وألمحت بكين إلى رصدها للقاءات تمت بين قيادات المعارضة ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قبيل اندلاع الاحتجاجات.
لقد أصبحت الثقافة السياسية المعاصرة إطارا يضفي المشروعية للجوء إلى الكذب في الجدال حول التحولات السياسية في الداخل والخارج. والنتيجة هي أن يعيش عالم اليوم في حاضر لا تحكمه قيم وقواعد أخلاقية، وأن يواجه مستقبلا يخلو من اليقين.