دبلوماسية «تويتر» ليست بديلا للسياسة الواضحة

ديفيد إجنيشس – واشنطن بوست –
ترجمة قاسم مكي –

ونحن ندخل في فصل الخريف هنالك أولوية طاغية على ما عداها من الأولويات الأخرى في السياسة الخارجية الأمريكية. إنها إيجاد استراتيجية للتعامل مع الصين الصاعدة تحمي مصالح الولايات المتحدة لكنها لا تقوض الاقتصاد الدولي.
الصين هي «تحدي» زماننا الحاضر ومخاطر عدم فهم هذه الحقيقة جمة. فشركة الاتصالات الكبيرة هواوي التي تتخذ مقرها في شينجينج تحاجج في شريط فيديو جديد على اليوتيوب بأن منتقديها يريدون تشييد «حائط برلين» جديد. ذلك ليس صحيحا. فقد ظلت هواوي والشركات التكنولوجية الصينية الأخرى، حسبما يزعم، تسطو على الملكية الفكرية لسنوات وأخيرا تمت محاسبتها على ذلك. لكن هنالك خطر حقيقي وهو أن تقنع الولايات المتحدة نفسها بالدخول في حرب باردة «رقمية» تستمر لعقود.
نحن عند مفترق طرق.. ففي مؤتمر عن العلاقات الأمريكية الصينية انعقد الشهر الماضي بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو تحدث مشارك صيني دون لف أو دوران عما يتوقع حدوثه في المستقبل بقوله « نحن نعتقد أننا نتجه نحو فصم جزئي لعلاقتنا». ويرى مسؤولو إدارة ترامب أن الصين تفكك روابطها (بالغرب). فهي تحرم الشركات الغربية من سوقها في حين تقدم الولايات المتحدة وحليفاتها التكنولوجيا والتدريب وتفتح لها أسواقها.
لكن ما هو القادم التالي؟ يأمل مسؤولو إدارة ترامب في التقدم باتجاه التوصل إلى صفقة تجارية في آخر الأمر حيث من المقرر عقد اجتماع مع مسؤول صيني رفيع في أكتوبر. لكن مايرون بريليانت الذي يدير البرامج الدولية لغرفة التجارة الأمريكية يحذر من «شح في الثقة» بين واشنطن وبيجينج. ويرى وجوب استعادتها «قبل إحراز أي تقدم.»
لقد أكد الرئيس ترامب مجددا يوم الأربعاء ( 4 سبتمبر) أن إدارته تخطط لحرمان شركة هواوي من الحصول على التقنية الأمريكية. وأبلغ الصحفيين في البيت الأبيض أن هواوي من بين مشاغل الأمن القومي وقال «هواوي هم كبير لجيشنا ولوكالات استخباراتنا. نحن لا نتعامل تجاريا مع هواوي». هذا الوضع يترك مجالا ضئيلا للمناورة .
يقول لي مسؤولو البيت الأبيض أن الصينيين يخطئون إذا اعتقدوا أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى إعاقة الصين تكنولوجيا. ويضيفون أن هدفهم ليس تكرار استراتيجية الاحتواء المعادية للاتحاد السوفييتي ( في حقبة الحرب الباردة) ولكنه شيئا أكثر مرونة.
مشكلة إدارة ترامب أنها قضت على العملية الإجرائية الخاصة (بوضع سياسات) الأمن القومي والتي كان في مقدورها ابتداع نظام منهجي للتعامل مع الصين. بدلا عن ذلك صارت السياسة (تجاه الصين) مشخصنة جدا ومشكلة بواسطة أسلوب ترامب غير المنتظم في اتخاذ القرار . يقول مايكل بيلسبري وهو مستشار غير رسمي للبيت الأبيض في السياسة الآسيوية أن ترامب هو « مسؤولنا عن مكتب آسيا.» من الممكن جدا أن يكون هذا الوصف دقيقا رغم ما يبدو عليه من غرابة.
لقد تفاقم الجدل الحاد حول سياسة الإدارة الحالية تجاه الصين بسبب غياب عملية اتخاذ القرار التي يمكن أن تضع له حدا . فمن جهة هناك الصقور ( دعاة التشدد مع الصين) من أمثال المستشار التجاري للبيت الأبيض بيتر نافارو. ومن الجهة الأخرى يوجد من يعقدون الصفقات مثل وزير الخزانة ستيفن منوشين. وفي الوسط يتموضع وزير الخارجية مايك بومبيو الذي يبدو أنه يملك إحساسا غريزيا (يدرك به) الموقف الذي سيتخذه ترامب في النهاية.
يقول كورت كامبل الذي أشرف على السياسة الآسيوية في أثناء فترة إدارة أوباما أن الافتقار إلى عملية صياغة السياسة اللازمة أكثر وضوحا وإثارة في مسألة الصين منها بأية قضية أخرى. ويقارن كامبل بين الكيفية التي أنفق بها رئيسا القوتين العظميين في العالم الأسابيع الأخيرة من موسم الصيف. فالرئيس الصيني شي جينبينج اجتمع مع كبار مسؤولي الحزب الشيوعي الصيني في منتجع ساحلي وخرج بلقب تشريفي جديد هو « زعيم الشعب». أما ترامب فقد قضى تلك الأسابيع وهو يطلق وابلا من رسائل تويتر علنا وبطريقة مؤذية له أحيانا داخل الولايات المتحدة وخارجها. يقول أحد مسؤولي الإدارة الأمريكية أن ترامب يلخص منطلقه تجاه الصين في كلمتين بسيطتين هما « شي صديقي.» نعم للدبلوماسية الشخصية استخداماتها .لكنها ليست بديلا عن السياسة الواضحة.
يجب أن يكون وضع الإطار لسياسة حقيقية إزاء الصين المهمة رقم واحد لترامب (ولخليفته أيضا عام 2021 إذا هزم في الانتخابات الرئاسية المقبلة).
لقد وصف بيلسبري نطاق التحدي الماثل في عنوان كتابه «ماراثون المائة عام» الذي صدر عام 2016. و قال لي هذا الأسبوع « نحن بحاجة إلى تغيير المسار الذي نمضي فيه الآن. ذلك يعني أن نسرع أكثر في ركضنا ونجعلهم أبطأ منا.» هذه صياغة جيدة للمسألة. لكن كلا الهدفين (إسراعنا وإبطاؤهم) يتطلبان سياسة أمريكية منضبطة وهذا شيء لا يتوافر بالقدر المطلوب. إن اتخاذ قرارات جيدة حول الصين (وضمنا حول مستقبل التكنولوجيا العالمية) يستلزم وجود هيكل سليم ومتين لرسم السياسة الأمريكية. وأفضل فكرة سمعت بها هي مقترح تشريعي من الحزبين الجمهوري والديموقراطي تقدم به هذا العام عضوا مجلس الشيوخ ماركو روبيو ومارك وارنر. ينشئ المقترح في حال إجازته»مكتبا جديدا للتقنيات الحساسة والأمن» للإشراف على القرارات المتخذة تجاه الصين والبلدان المفتاحية الأخرى.
لقد كان ترامب على صواب في التعامل مع مشكلة تجارة وتكنولوجيا الصين بجدية أكثر مما فعل أسلافه من الرؤساء. لكن وقت دبلوماسية تويتر والصفقات مع «صديقي» شي جينبينج إنتهي. وتحركات الولايات المتحدة على رقعة الشطرنج هذه يجب أن يقودها التخطيط وليس المزاج .