جـولــة صــغيـرة فـي الـعـالـم الجـديــد

إميل أمين/ كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

من بين أفضل الأقلام السياسية التي نظرت للشأن الدولي في السنوات الأخيرة، يأتي اسم (برتران بادي)، أستاذ العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس، والرجل الذي صدرت له عدة مؤلفات تعتبر مرجعا في العلاقات الدولية، وقد ترجم معظمها إلى اللغة العربية.
من بين أهم إصدارات بادي في الأعوام الأخيرة: (الدبلوماسي والدخيل)، «دبلوماسية التواطؤ»، (عجز القوة)، وهناك واحد من اهم كتبه والمسمى (لم نعد وحدنا في العالم) عن النظام الدولي من منظور مغاير، والذي صدر عن مؤسس الفكر العربي، ومن ترجمة الدكتور جان ماجد جبور.
لماذا نعمد إلى تقليب صفحات هذا العمل الكبير والمثير في هذا التوقيت الحرج والحساس على المستوى العالمي؟
يمكن القطع أن حالة الاضطراب والسيولة الجيواستراتيجية التي يشهدها عالمنا المعاصر هي السبب، والناظر اليوم إلى خارطة الشطرنج الإدراكية الدولية يدرك تمام الإدراك أن هناك اختلالا هيكليا وبنيويا يعتري العالم من شرقه إلى غربه، ومن يمينه إلى يساره.
قيل لنا مرارا وتكرارا أن العالم يزداد تعقيدا ويصعب فك رموزه، وان النظام الذي ساد إبان الحرب الباردة اعقبه اضطراب جيوسياسي يهدد بالانزلاق نحو الفوضى، فضعف الولايات المتحدة، وظهور عمالقة اقتصاد جدد، والبروز المفاجئ لما يسمى بـ « الدول المارقة «، ولمنظمات إرهابية خارجة على السيطرة، كلها مسائل تثير القلق وتغذي الحنين أحيانا لنظام قديم لم يعرف في أي وقت من الأوقات الاستقرار الذي ينسب إليه. غير انه يمكننا أن نحاجج بادي بأن نوعا من التوازنات كانت ثنائية القطبة تضمنها بنسبة أو بأخرى، ولعل حروب الشرق الأوسط على سبيل المثال إنما كانت تظهر وتخبو وتنتهي وتعود مرة جديدة من خلال مواجهات ومواءمات بين موسكو وواشنطن، ولهذا كانت هناك عصا مايسترو يتم تبادلها بين قطبين دوليين وليس اكثر، الأمر الذي لم يعد متاحا في عالمنا المعاصر.
ما الذي يقدمه بادي لنا في هذا العمل الشيق والشاق في نفس الوقت؟
في واقع الأمر يتخلى بادي نهائيا عن التفسيرات السهلة أو المتوافق عليها، وهو يذكرنا باننا لم نعد وحدنا في العالم، وان الوقت حان لكي نتخلص من التصنيفات الذهنية للحرب الباردة، والتوقف عن التعامل مع كل الذين يعارضون نظرتنا الى النظام الدولي وكأنهم منحرفون أو برابرة. انه يخاطب بقوة دبلوماسية الدول الغربية التي ترغب بالاستمرار في حكم العالم بعكس مسار التاريخ، وعلى وجه الخصوص دبلوماسية فرنسا التي غالبا ما تتأرجح بين الغطرسة والتردد والغموض.
يصف بادي لعبة القوة بانها تعاني من التأزم، وانه لم يعد بإمكان النظام الدولي الخضوع لتحكم ناد صغير من الاوليغارشيين (حكم مجموعة صغيرة تدير العالم)، الذين يستعبدون الضعفاء، ويتنكرون لمتطلبات المجتمعات، ويتجاهلون المطالبات بالعدالة التي تنبثق عن عالم جديد تتزايد فيه الجهات الفاعلة وتتنوع، وتكون اكثر تحسسا إزاء أي نهج تعسفي. لهذا السبب يقدم هذا الكتاب منطلقات للتفكير بنظام دولي عادل أو اقل ظلما.
ولعل الفصل الرابع من هذا العمل الكبير يكاد يكون اهم الفصول، سيما وانه يأخذنا في جولة حول العالم وان كانت جولة صغيرة كما يسميها، وعنده أن الساحة الدولية هي جزء لا يتجزأ عن الفاعلين الاجتماعيين، وسلوكهم وثقافاتهم وانتظاراتهم، إذ أن مسافة كبيرة باتت تفصلنا عن الكونسرت الأوروبي الذي ضم أمراء وحكاما تجمعهم ذهنية واحدة وثقافة واحدة… أما في أيامنا هذه فقد أصبحت اللعبة الدبلوماسية الرهينة الدائمة لكثافة عمليات العولمة، ولتعقد القصص التي تتشابك فيها، لا بل تتصادم.
كيف ينظر البروفيسور بادي إلى إشكالية الأقطاب الدولية، تلك التي لا يزال الحديث عنها منطلقا من دون محددات أو معايير تضع رؤى استشرافية للغد المعولم على حد تعبيره؟
يرى المفكر الفرنسي أن نهاية الثنائية القطبية قد غذت الوهم بأن الولايات المتحدة ستكون متربعة على الهيمنة، وهو موقف تبين انه من اندر المواقف في التاريخ، بينما طموحها حتى عام 1989 لم يتحقق إلا على قاعدة الحكم الثنائي في مواجهة الاتحاد السوفييتي وفي شراكة معه، وقد رأينا انه غداة سقوط جدار برلين، لم يدم وهم الأحادية القطبية اكثر من ثلاث أو أربع سنوات.
احد الأسئلة العميقة التي يطرحها بادي: هل آن أوان نهاية الامبراطورية الأمريكية مرة والى الأبد؟
يرى مفكرنا انه من السخف الاعتقاد بذلك، سيما وان الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تراكم 43% من الإنفاق العسكري العالمي، ولديها افضل جيش في العالم، وتمتلك الموارد التكنولوجية الأكثر تطورا، غير أن الذي يتراجع هو فعالية القوة ولسوف تكون النتيجة ذاتها لو امتلكت بوتسوانا أو جواتيمالا هذه القوة فإزاء الصراعات الجديدة التي يواجهها ويجابهها عالمنا المعاصر، لم تعد الأدوات التقليدية للقوة، ولا سيما العسكرية منها، تفعل فعلها.
يتوقف بنا بادي عن قضية القوة الناعمة، ويبدو انه استعار الاسم من البروفيسور الأمريكي الشهير جيمس ناي صاحب هذا المصطلح والذي ضمنه كتابه الشهير الذي يحمل نفس الاسم، ويتساءل ماذا عن القوة الناعمة للولايات المتحدة، هذه القدرة على الإشعاع لنمط أمريكي من الحياة والتخيل ينتقل عبر الاستهلاك والصناعات الثقافية؟
الجواب من الكتاب، ففي أمريكا اللاتينية لم تتمكن موجة من الحكومات اليسارية التي تسلحت بخطاب معاد للإمبريالية على شيء من الحدة، من أن تخفف من جاذبية هذا النموذج المتخيل لدى السكان المحليين، واذا كان لابد من أن نتحدث عن علاقات الناس المعقدة بين الصين والولايات المتحدة، فان بعضهم يلحظ أن ابنة «شيئ جين بينغ « تدرس في هارفارد، فيما ليس في نية أي زعيم أمريكي أن يرسل أبناءه للدراسة في جامعة تيسنغهوا في بكين.
يعني ذلك ان القوة الأمريكية الناعمة حقيقة لا يمكن إنكارها، فالولايات المتحدة تنتج اقل من 10% من الأفلام في العالم، لكن هذه الأفلام تحتكر اكثر من 50% من وقت المشاهد العالمي. ومع ذلك لم تنجح القوة الناعمة الأمريكية في أن تكون بديلا من (القوة الصلبة)، ولهذا يبقى العداء لأمريكا متزايدا وقد بلغ مؤخرا مستويات قياسية، إنها أمثولة الحلم الأمريكي الذي لا يزال بعيدا عن التحقق أو إحداث التأثير المتوقع على السلوكيات السياسية، وهو لا يخدم بأي حال من الأخوال مخططات الهيمنة السياسية.
ماذا عن روسيا في العالم الجديد؟ يصفها بادي بانها الامبراطورية المحبطة، ولعله هنا يتفق مع المنظر الأيديولوجي الأمريكي (فريد زكريا) الذي أشار إلى أن احد أسباب فقدان أمريكا للحظة قطبيتها المنفردة، هو أنها لم تحسن التعاطي مع منظومة دول الاتحاد السوفييتي بعدما تفككت.
يرى بادي أن التعامل مع روسيا وكأنها المهزومة في الحرب الباردة لم يكن يتلاءم البتة مع انتظارات الشعب الروسي الذي اعتبر نفسه قد تحرر من نظام سوفييتي لفظ أنفاسه الأخيرة، وليس من سبب تالي لكي « يعاقب» من قبل قوى (منتصرة).
كانت ردات فعل روسيا نوعا من الانتقام المبطن لما جرى للاتحاد السوفييتي، وقد اعتبر فلاديمير بوتين ولا يزال، إن اكبر خطأ حدث في مسيرة القرن العشرين هو تفكيك الاتحاد السوفييتي على النحو الذي رأيناه ورآه العالم… هل لهذا عاود الدب القطبي الانتقام وها هو يوسع من مدارات حضوره ويكتسب نفوذا جديدا يوما تلو الآخر؟
يرى بادي أن النجاح الذي لا يمكن إنكاره لروسيا يكمن في نجاحها في نسج شبكة تحالفات، على الرغم من جهود الغرب لعزلها، وعنده انه ربما تكون موسكو اليوم القوة الوحيدة من بلدان الشمال التي لديها حلفاء حقيقيون في الشرق الأوسط، فهي تتحمل لوحدها مآلات ما يجري في سوريا على سبيل المثال، هذا في الوقت الذي اغلق فيه الغرب نوافذ التواصل مع السوريين، كما تمكنت موسكو من إقامة علاقات ممتازة مع إيران. لو ذهبنا أبعد لجهة الشرق للحظنا بروز ثابتة في تاريخ الامبراطورية الروسية، تتمثل بمقدرتها على الالتفاف نحو الشرق، ما أن تشعر بان أمورها تتعثر لجهة خاصرتها الغربية.
كان ذلك في السابق خيار ايفان الرهيب، وخلفائه الذين ردوا على إقفال أبواب أوروبا الغربية في أعقاب الفشل الذي أصابهم في أثناء الحرب الليفونية بان تطلعوا نحو سيبيريا وجرى استكشاف نهر لينا وتأسيس مدينة ياكوتسك عام 1637.
في عالمنا الجديد يمكن للتحالف الصيني الروسي أن يشكل خطوة مغايرة في طريق سيطرة الغرب تاريخيا على العالم وبسط النفوذ والهيمنة على كافة بقاع وأصقاع الكرة الأرضية.
يجسد اليوم التحالف الروسي مع الصين هذه الاستراتيجية، هو تحالف يمكن لبكين أن تقبل به لأنها لم تعد في وضعية دونية كما كان حال ماوتسي تونغ مع ستالين وخلفائه. هذا هو معنى تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون وتفعليها، والتي أنشئت في يونيو 2001، وتضم تحت رعاية روسيا والصين جمهوريات آسيا الوسطى، وقريبا الهند وباكستان، من دون أن ننسى الأعضاء المراقبين ومن بينهم إيزان وأفغانستان وبيلاروسيا ومنغوليا.
ماذا عن الاتحاد الأوربي وفرنسا في قلبه من العالم الجديد؟
يحدثنا بادي تحت عنوان فرص الاتحاد الأوروبي الضائعة بالقول: كان بإمكان الاتحاد الأوروبي الإفادة من نهاية الحرب الباردة والثنائية القطبية التي كانت تحصره في الخانة الأطلسية وتحد من هامش تحركه.
للمرة الأولى في التاريخ منذ فجر العصر الحديث لم تعد أوروبا ساحة معركة العالم. وهي لم تعد تشهد توترات عسكرة داخلية، كما كانت الحال فترة طويلة من الزمن، امتدت من حرب المائة عام إلى الحرب العالمية الثانية، ولم تعد في مواجهة مع الكتلة السوفييتية، ومع ذلك لم تعرف كيف تتلقف هذه النفحة من الهواء المنعش فحسب، وإنما كشفت للعالم كل مكامن ضعفها مباشرة بعد سقوط جدار برلين.
هل من خلاصة عند بادي عن العالم الجديد؟ اغلب الظن انه عالم لا قطبي، وان ظلت ملامحه ومعالمه غائبة حتى الساعة.