الخليلي: العقيدة الصحيحة التي جاء بها القرآن وجاءت بها السنة الثابتة عن النبي غرسها في القلوب مطلب لا بد منه

تعصم من التردي في المهالك وهي التي تنهض بالهمم –
تعلق الناس بالأماني أدى إلى الضلالة والسقوط في دركات الفساد –
كتب : سيف بن سالم الفضيلي –

دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة الى غرس العقيدة الصحيحة التي جاء بها القرآن وجاءت بها السنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وأكد سماحته ان هذه العقيدة هي التي تعصم من التردي في المهالك وهي التي تنهض بالهمم وتجعل الإنسان يضحي لأجل الحق ويضحي لأجل إحياء دين الله تعالى، وبدونها كل شيء يذهب هملا ويضيع.
وبيّن سماحته ان تقوى الله سبحانه هي وسيلة الى نيل العلم النافع وهذا من خلال الاقتران ما بين الأمر بالتقوى والامتنان بتعليم الله تعالى عباده فهذا الاقتران دليل على ان التقوى سبب لنيل العلم
وأوضح سماحته ان من لم يكن من المتقين فلا يرجو النجاة؛ إنما النجاة لمن اتقى الله سبحانه وتعالى وتقوى الله كما هو في كتاب الله إنما هي باجتماع الأمرين (الخوف من الله سبحانه وتعالى وعقابه، والرجاء لفضله وثوابه)، (والخوف والرجاء) هما الجناحان اللذان يطير بهما المرء الموفّق الى المقامات العلى من الفضل فبقدر ما يكون الإنسان خائفا من ربه سبحانه وتعالى وراجيا لفضل الله عز وجل يكون الترقي في مراتب الخير، وبقدر ما ينحسر الخوف والرجاء؛ لا بد من الخوف والرجاء معا لا يمكن ان يكون الرجاء وحده يكفي إلا مع الخوف من الله سبحانه وتعالى .. وإلى الجزء الأخير من المحاضرة التي أقيمت بجامع سالم بمحلاح بولاية دماء والطائيين والتي كانت حول (أهمية التفقه في الدين مع التزكية والتقوى).
يقول سماحته: الله سبحانه وتعالى يبين في كتابه الكريم أن تقوى الله سبحانه هي وسيلة إلى نيل العلم النافع وهذا من خلال الاقتران ما بين الأمر بالتقوى والامتنان بتعليم الله تعالى عباده (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ) فهذا الاقتران دليل على أن التقوى سبب لنيل العلم.
والتقوى سبب للخير كله، خير الدنيا والآخرة، عندما ذكر الله سبحانه وتعالى (عاد وثمود) وما أصابهم، ذكر بأنه «وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون» وكذلك إلى عذاب الآخرة (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون) النجاة إنما هي للمتقين، فمن لم يكن من المتقين فلا يرجو النجاة إنما النجاة لمن اتقى الله سبحانه وتعالى وتقوى الله كما رأينا في هذه الآيات التي ذكرناها إنما هي باجتماع الأمرين (الخوف من الله سبحانه وتعالى وعقابه، والرجاء لفضله وثوابه)، الخوف الرجاء هما الجناحان اللذان يطير بهما المرء الموفّق إلى المقامات العلى من الفضل فبقدر ما يكون الإنسان خائفا من ربه سبحانه وتعالى وراجيا لفضل الله عز وجل يكون الترقي في مراتب الخير، وبقدر ما ينحسر الخوف والرجاء؛ لا بد من الخوف والرجاء معا لا يمكن ان يكون الرجاء وحده يكفي إلا مع الخوف من الله سبحانه وتعالى.
ومن الذي يخاف الله تعالى ويرجوه إنما هو من آمن حقا باليوم الآخر، ولذلك نحن نرى في الآيات القرآنية في كتاب الله تعالى ان الله تعالى في كل شيء ينوط الخير بالإيمان بالله وباليوم الآخر حتى في معرض الأمر والنهي إنما يريد الله تعالى ان يشدد في الأمر أو النهي إنما يذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، والله تعالى يقول: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) وقول (وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) ويقول (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ويقول (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) ويقول (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ)، كل الأوامر التي يشدد الله تعالى فيها والنواهي التي يشدد فيها يقرنها بذكر الإيمان واليوم الآخر لأجل التأكيد على ذلك.
بسبب الأماني..

وأكد سماحته ان تعلق الناس بالأماني أدى بهم إلى ضلوا وسقطوا في دركات الفساد والعياذ بالله وهذا قد وقع لمن قبلنا بسبب الأماني التي غرتهم بحيث يكونوا يحذرون الآخرة، كأنما الأمر مضمون لهم، هكذا يعتقدون.
فقد ذكر الله سبحانه وتعالى التغيير الذي حصل في بني إسرائيل فقال (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) وقال في اهمالهم الكتاب وعدم موافقتهم لتحكيم الكتاب الذي أنزل إليهم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُون ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُون) فعقيدة تدور بين سيغفر لنا وبين لن تمسنا النار إلا أياما معدودات بنص القرآن الكريم إلى الوقوع في المخاطر والعياذ بالله، فلذلك يجب على المسلمين جميعا ان يتكاتفوا من اجل ان يقضوا على هذه العقيدة.
والأمة الإسلامية كانت مصيبتها من هذه العقيدة نفسها ليست بأقل من مصيبة الأمم السابقة الذين سبقوا وضيعوا الكتاب وفرطوا في أوامر الله تعالى لم يكن نصيب هؤلاء أقل من نصيب أولئك لأي سبب؟ بسبب كما قال أولئك (سَيُغْفَرُ لَنَا) هؤلاء قالوا (إن الله إن وعد وفى وإن توعّد عفا) علقوا الوعيد وقالوا بأنه لا ينفذ وعد الله، وأهملوا جانب الوعيد وتعلقوا بالأماني وقد حذر الله تعالى هذه الأمة من التعلق بالأماني كما حذر الأمم السابقة قال: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا) وقال: (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) لا يجزى الإنسان بالسيئة إحسانا وإنما يجزى بالسيئة مثلها.
وقال: (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون ، وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون) وقال (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون).
فإذا لا بد من ان تكيف الحياة وفق هذا المعتقد، المنهج إنما هو أثرٌ للمعتقد، المنهج هو اثر للفكر، وسريان هذه الأفكار في هذه الأمة أوقعها في أشياء كثيرة.
نحن نستحي ان نذكر الأشياء التي وقعت فيها الأمة ولكن مع الأسف أصبحت الآن تبث عبر هذه الوسائل الجديدة، المكتبات الآلية التي عبر عنها بالمكتبات الإلكترونية فيها كثير من هذه الترهات يكفي للإنسان ان يضغط على زر رجلا كان أو امرأة طفلا كان أو شيخا هو ما يرى هذه الأمور التي يشيب منها الولدان، علماء كبار غيروا أحكام الله وبدلوها وسوغوا الباطل وأباحوا المنكرات أباحوا أخطر المنكرات بماذا؟ بسبب هذا الاعتقاد.
الاعتقاد الذي سوّغ لهم أنهم لن ينالهم العذاب وأن لهم في فترة قصيرة ثم بعد ذلك ينتهي العذاب إلى رحمة أبدية ومشاركة للمتقين في المقامات العلى في الجنة أدى بهم هذا الاعتقاد إلى الوقوع في هذه المهالك مع ان الله تعالى يقول: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار) ويقول الله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُون) ويقول الله سبحانه وتعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون) كل ذلك مما يدل على أن هذا الأمر الله سبحانه وتعالى يبعده عن أذهان العباد ولكن الناس تمسكوا به ووقعوا في أمور خطيرة كشأن أولئك الأربعين الذين حلفوا ليزيد بن عبد الملك بأن الله تعالى لا يؤاخذ خليفة، إذا استخلفه من كان في منصب الخلاقة فإنه لا يؤاخذ بسيئات يعفو الله عن سيئات ويتقبل منه حسنات ولا حساب عليه ولا عقاب، أربعون شيخا جاؤوا إلى يزيد بن عبدالملك وقد روجت هذه العقيدة في أهل بين أمية حتى ان اكثر الناس تعصبا لبني أمية كابن تيمية في منهاج السنة يؤكد أن هذه العقيدة راجت وانتشرت بين الناس وأدى هذا إلى انتهاك حرمات البشر وعدم المبالاة بدماء الناس، حتى أنهم سوغوا بدعوى الإصلاح أن يقتل الحاكم يقتل الثلث من رعيته من أجل أن يستصلح الثلثين ولا حرج في ذلك وهذه الفتوى شاعت والعياذ بالله ووجدت أشياء كثيرة كثيرة كثيرة شاعت من قبل الفقهاء ورُوج بها بين الناس في أيام العثمانيين، زين لهم الفقهاء ما كانوا يرونه حسنا وهو أن يقتل من يسمى بالخليفة أو من يتولى السلطة جميع إخوته الذكور حتى لا ينافسوه في الحكم وكان أحدهم في يوم توفي والده عنده تسعة أخوة فقتلهم جميعا قبل دفن أبيه ودفنوا مع أبيهم جميعا.
وذكرت هذا لأحد الأتراك الأستاذ محمد زاهد جول فقال: «كان هذا يجري بمباركة من الفقهاء» واطلعت على هذا من بعد في كتاب «قلائد الأقيان في فضائل آل عثمان»، الكتاب مؤلفه كان مرجعا من مراجع العلم في بلاد الشام، وله 96 مؤلفا وعندما ذكر هذا قال إن هذه من مناقب آل عثمان التي لم يسبقوا إليها وفيها فضل كبير وفيها حفاظ على سلامة الناس واستقرار أمنهم وعدم النزاع وعدم الشقاق ليستمر الحكم من غير أي شقاق ومن غير أي نزاع ولم يكن قتل الإخوة الذكور فقط عندهم بل كانوا أحيانا يقتلون أولادهم عندما يتعصب أحد لأحد أولاده و يريد ألا ينازعه أحد في السلطة من بعده يقتله، وقد يكون ذلك بتأثير أم الولد عندما تكون أمه محظيّة أكثر من غيرها عند الحاكم يقتل غيره حتى كما حدث ذلك من السلطان سليمان القانوني عندما قتل ولده مصطفى مع انه كان هو الذي يجر الجيوش لفتوح الفتوحات له ولكن مع ذلك ضحى به إرضاء لمحظيّـه أم سليم حتى تكون الخلافة من بعده لسليم وترك مصطفى طفلا فأرسلوا إليه من يخنقه وهو كان لا يزال رضيعا كل ذلك كان يتم كما قالوا بمباركة الفقهاء، وهذه نتيجة عقيدة سيغفر لنا وعقيدة لن تمسنا النار إلا أياما معدودات.
وكما وقع هذا التردي في الجانب السياسي كذلك الجانب الأخلاقي كان فيه من التردي ما يتحير فيه الإنسان وكان فيه أمر عجب – عياذا بالله- نتيجة هذه العقيدة.
هذا المؤلف الذي ألف كتاب (قلائد الاقيان) وهو من كبار الفقهاء من المفسرين من اهل الحديث ومن المكثرين في التأليف في علوم الحديث وفي علوم القرآن والتفسير وفي الفقه وفي أصول الفقه هذا المؤلف نفسه له كتاب عجيب أيضا نشر أخيرا أحد الحريصين على نشر العلم وتأسفت أن قام بنشر هذا الكتاب وعنوانه (منية المحبين وبغية العاشقين) وفيه من العجائب أيضا ما تقشعر منه الجلود، حتى انه قال فيه (وقد شاع الغزل في المرد عند الأفاضل والأئمة الأماثل وذكر من العلماء الكبار المحققين الجامعين بين علوم المعقول والمنقول) نسب إليهم والله أعلم بصدقه او عدم صدقه لكن كلا الأمرين مصيبة، إن كان صادقا فتلك مصيبة وان كان كاذبا فتلك مصيبة.
وختم سماحته بقوله: العقيدة الصحيحة التي جاء بها القرآن وجاءت بها السنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام لا بد من غرسها هذه العقيدة هي التي تعصم من التردي في المهالك وهي التي تنهض بالهمم وتجعل الإنسان يضحي لأجل الحق ويضحي لأجل إحياء دين الله تعالى، وبدونها كل شيء يذهب هملا ويضيع.