العلم أساس العمل

ميمونة بنت حميد الجامعية –

«إن الاستمرار في طلب العلم، كون الإنسان محتاجا إليه في عباداته وعاداته، وجميع شؤون حياته، ذلك ليفهم دينه الفهم الصحيح فيعبد الله على بصيرة، ويعالج قضايا مجتمعه وفق رؤية صحيحة قائمة على منهج واضح، لذا كان التوجيه بطلب العلم من المهد إلى اللحد، فإن أدركه الإنسان كان له كفلان من الأجر، وإن لم يدركه كتب الله له كفلا من الأجر، وهذا يعطي إشارة بأن طلب العلم لا يخلو من الصعاب وما على الإنسان المجتهد إلا أن يصبر لينال ما وعده الله به».

للعلم مكانة عظيمة في الإسلام، ولا يقسم الله تعالى إلا بعظيم، حيث قال: «ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ»، وهو قسم يدل على مكانة العلم وقيمته، إذ يحمل بين طياته ما فيه صلاح للبشر جميعا، وبالعلم فضّل الله البشر على سائر المخلوقات، وبه استحق الإنسان خلافة الله في أرضه، ويعد العلم شرفا لأهله، ورفعة لنائليه، ونعمة من الله لخلقه، يقول سبحانه: «الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الإِنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ»، ومن المفسرين من ذكر أن تقديم خلق الإنسان «تقديم رتبي، لا تقديم زمني؛ أي: أن وجود الإنسان لا معنى له ولا قيمة دون منهج يسير عليه، وأول ما ينبغي للإنسان تعلمه هو كتاب الله، وأن القرآن الكريم من لوازم رحمة الله تعالى بعباده».
«الرَّحْمنُ» بدأ – سبحانه وتعالى – بما نشأ عن صفة الرحمة، وهو تعليم القرآن الذي يعد شفاء للقلوب، «وهو مقدم على خلق الإنسان ووجوده، ومقدم على الماديات في حياته، إذ أنه بالعلم يصل إلى معرفة ربه، وإلى طريق الهدى، الذي يعد من أعظم النعم»، فما يقرب إليه سبحانه وما يهتدي به المهتدي إليه أعظم من كونه خلق الإنسان، فكم من مخلوق ليس بمهتد إلى الله تعالى ولا يعرف الطريق إلى ربه فعدمه خير من وجوده، يقول سبحانه: «أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا» هذا هو المؤمن الذي أحياه الله، وأنار قلبه بالإيمان والهدى، ومن بدأ حياته، وشق طريق المعرفة فيها من خلال آيات الله التي تحوّل حياة الإنسان من الظلام إلى النور يكون سيره بعد ذلك في مراحل حياته بخطوات الواثق من نفسه في تحقيق ما يصبو إليه.
إن الانطلاقة في تعلم باقي العلوم يكون من كتاب الله تعالى، وهذا يدفع لأن يكون الإنسان في حياته وحياة أفراد مجتمعه وأمته شيئا جوهريا وفاعلا، وعليه فإنّ ما أنعم الله به عليه من البيان يكون مسخرا في الوصول إلى معالي الأمور، مستفيدا مما وصل إلى عصره من تقنية تعزز سبل وصول المعرفة إليه، وسبل نقلها إلى غيره وفق إمكاناته.
إن العلم أساس العمل وأساس الهداية، يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله -: «ولذلك كانت الهداية منوطة بالعلم والله تعالى عندما أرسل رسوله – صلى الله عليه وسلم – خاطبه أول ما خاطبه بكلمة اقرأ «اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»؛ لأن الله بعثه برسالة العلم، فالله تعالى عندما امتن به على عباده المؤمنين إنما امتن به لأنه جاء معلماً لهم ومزكياً لهم»، فقد قال سبحانه: «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين». وقد طالب القرآن الكريم المسلمين بأن يطلبوا العلم؛ لأنه هو الذي يهديهم إلى القول الفصل في كل ما يرجون معرفته من حقائق في هذا الكون الواسع الأرجاء، حيث يقول سبحانه: « وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا».
كما بين الله تعالى فضل العلم وأهله، فقال: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ»، لاعتبار أن العلم وسيلة النفوس الشريفة إلى المطالب المنيفة محاط بسياج الخشية من الله؛ السبيل الوحيد إلى السعادة في الدنيا والآخرة، والعلم الحق هو المعرفة الموصلة إلى إدراك الحق، والعلم إن اقترن بالعمل، يكون أشرف جوهراً حيث يكون بمنزلة الشجرة، والعمل به بمنزلة الثمرة التي يجنبها الإنسان إن اعتنى بما تعلّمه ورواه بماء الإخلاص.
لقد حث الرسول « صلى الله عليه وسلم » على طلب العلم في مواضع عدة، كما جاء ذلك في مسند الإمام الربيع، ومن ذلك قوله: «من تعلم العلم لله – عز وجل – وعمل به حشره الله يوم القيامة آمنا، ويرزق الورود على الحوض»، و«علموا العلم؛ فإن تعلمه قربة إلى الله – عز وجل -، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وإن العلم لينزل بصاحبه في موضع الشرف والرفعة، والعلم زينة لأهله في الدنيا والآخرة»، و«تعلموا العلم قبل أن يرفع ورفعه ذهاب أهله»، و«من أراد الله به خيرا فقهه في الدين»، وتزيد السنة النبوية – على صاحبها أفضل الصلاة والسلام – تفصيلا وبيانا، فروي عنه « صلى الله عليه وسلم » أنّ «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، ويؤكد « عليه الصلاة والسلام » على منزلة العالم «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، فكان الأجر والثواب على قدر السعي :«من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل الله له طريق الجنة»، ذاك العلم بمفهومه الشامل الذي ينظم كل ما يتصل بالحياة الدنيا والآخرة، وهل هناك حافز أكبر من الحافز الذي بيّنه رسول الله لأمته، كما جاء في السنن الكبرى«إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب»، كما أن منزلة طالب العالم تعادل منزلة المجاهد في سبيل الله، وفي سنن الترمذي «من خرج في طلب العلم فكان في سبيل الله حتى يرجع».
ولأجل تلك النصوص القرآنية والنبوية، جاء الاهتمام السامي في عماننا الحبيبة بالحث على التعليم والتعلم، وبيان أهمية العلم والأثر الإيجابي الذي يتركه على الفرد والمجتمع بارز في كثير من خطابات صاحب الجلالة« حفظه الله» -، داعيا إلى إعمال الفكر، واستثمار المعرفة بكل صورها، ومما قاله في خطابه الذي كان بتاريخ 2 /‏‏‏5/‏‏‏2000م: (عندما نصل بالتعليم إلى الدرجات العليا فنحن مطالبون بأن نضيفَ إلى تلك المعارف معارفَ جديدة، أن نبحث، نستنبط، أن نفكر، أن نتدبر، وعلينا أيضًا أن نصحِّح معارفَ من سبقنا؛ لأنَّه في كثيرٍ منها نظريات، والنظريات تكون متجددة، فلا نقول إنَّ ما وصلوا إليه في الماضي هي المعرفة، لا، المعرفة ليست مطلقة، المعرفة متجددة، …).

إن التطور الذي يشهده العالم في شتى المجالات المعرفية، يحتاج إلى فكر صُقل بالعلم الذي يجمع بين أمري الدين والدنيا، قادر على التعاطي مع قضايا المجتمع بروح العصر، متسلح بالإرادة القوية في العلم والعمل تمكنه من القدرة على الموازنة في كل ما يتعلق بمناحي الحياة المختلفة، وفي تاريخ 9/‏‏‏ 1/‏‏‏1986، بين جلالته « حفظه الله » في حديثه: «إننا نعيش عصر العلم ونشهد تقدمه المتلاحق في جميع المجالات، وإن ذلك ليزيدنا يقينًا بأنَّ العلم والعمل الجادَّ هما معا وسيلتنا لمواجهة تحديات هذا العصر وبناء نهضةٍ قويةٍ ومزدهرةٍ على أساس من قيمنا الإسلامية والحضارية…».

إن إهمال طلب العلم مع توفر السبل لتحصيله له جوانب سلبية ليس على الفرد فحسب، بل على المجتمع بأسره، إذ يرفد المجتمع بأفراد لا بصمة له فيهم، ففاقد الشيء لا يعطيه، وكيف يؤدي حق الله فيما استرعاه، أو كيف يعبد الله على بصيرة، والله القائل « جل شأنه » « قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، فما بين العالم والجاهل كالأعمى والبصير. يقول الشيخ الفقيه أبو سرور « رحمه الله » في مقدمة بغية الطلاب:
كم من فقير لازم العلم وصل
لذروة الجوزاء واستعلى زحل

على أن من أهم الأسباب أن يكون العلم المتحصل علما نافعا خالصا طلبه لله تعالى، والمأثور عنه – صلى الله عليه وسلم – ما يشير إلى تقسيم العلم إلى نافع وغير نافع، كما روي عنه الاستعاذة من العلم الذي لا ينفع «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع»، وكذلك «اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وارزقني علماً تنفعني به»، «اللهم إنّا نسألك إيماناً دائماً فرب إيمان غير دائم، وأسألك علماً نافعاً فرب علم غير نافع». وكذلك من الأسباب المعينة على طلب العلم ورقيّ الفكر؛ حبّ القراءة إذ لها دور رئيس في صنع القادة والمفكرين والدعاة والمصلحين، ومن هؤلاء من ذكر أنّ سبب نهوض الإسلام في عصوره الأولى كان بفعل القراءة، وسبب انحسار حضارتهم في العصور المتأخرة هو ترك القراءة، ويرى أن الولع بالمزيد من الاطلاع، واصطحاب الكتاب؛ هو أحد الحلول المهمة للأزمة الحضارية التي تعاني منها أمة الإسلام، وذكر بأنّ «الشعوب التي توصف بأنها متخلفة، تشترك جميعها في أنها لا تمتلك بنية معرفية صحيحة، كما أن بين معظم أفرادها وبين الكتاب نوعا من الجفاء..».

أيضا الشعور بتحمل المسؤولية في نشر العلم والمعرفة والترغيب في ذلك وفق الوسائل المتاحة خاصة ونحن في عصر التقنية التي قرّبت البعيد وسهلت العسير بتيسير من الله سبحانه، وأن السعي إلى العلم والتعلم يقلل نسبة عدم المعرفة أو الأمية إن صحّ التعبير، وهو ما يسعى إليه القائمون على التعليم في عمان، ومما جاء في الصحف العمانية تزامنا مع الاحتفال باليوم العالمي لمحو الأمية لعام 2018 بأن السلطنة «حققت تحسنًا ملحوظًا في ارتفاع معدلات القرائية وانخفاض معدلات الأمية بين العُمانيين، … مما يدعو إلى مواصلة الجهود نحو محو الأمية وإيجاد مجتمع معرفي متعلم يعي أفراده مسؤولياتهم وأدوارهم في النهوض بمنظومة التنمية الشاملة للبلاد».

يقول الشيخ الأديب « رحمه الله » في قصيدة له بعنوان «لا أمية»

أمية الناس عنا باعدي أبدا
لم تلفي ما بيننا شيخا ولا ولدا
أمية الناس لا يرضاك ذو شمم
شاء المحامد للعليا له سندا
أمية الناس إن الله يأمرنا
أن نقتليك ولم نقرب إليك يدا
والمصطفى فبذا كانت وصيته
من ضيع النصح ما ألفيته سعدا