الصلاة من الله سبحانه على نبيه الكريم.. إنعام وتكريم وتعظيم تقر به عينه ويتسع به جاهه

معنى الصلاة على النبي وصفتها وفضلها وحكمها للشيخ نور الدين السالمي (1-2)

جاء في كتاب معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال لمؤلفه الشيخ المحقق نور الدين عبدالله بن حميد السالمي في موضوع إنشاء الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- امتثالا لقوله تعالى: (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) تسع مسائل:

المسألة الأولى:

في معنى الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم الواصلة إليه من ربه ومن الملائكة ومن الخلق فقيل: الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار ومن المؤمنين دعاء، وهو: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، وقال مجاهد: الصلاة من التوفيق والعصمة، ومن الملائكة العون والنصرة، ومن الأمة الاتباع.
وقال ابن حجر: الصلاة من الله للنبي زيادة الرحمة ولغيره الرحمة. وقال أبو البقاء: وهذا يشلك بقوله تعالى: (صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) حيث غاير بينهما، ولأن سؤال الرحمة يشرع لكل مسلم والصلاة تخص النبي عليه الصلاة والسلام قال: وكذا يشكل القول. ومن العباد بمعنى الدعاء؛ لأن الدعاء يكون بالخير والشر.
أقول: لا إشكال في هذا الأخير؛ لأن المراد بمعنى الدعاء بالخير وليس المراد أن الصلاة من العبادة مرادفة للفظ الدعاء.
وقال بعضهم: صلاة الرب على النبي صلى الله عليه وسلم تعظيم الحرمة، وصلاة الملائكة إظهار الكرامة، وصلاة الأمة طلب الشفاعة.
قال: ولما لم يكن أن يحمل على الدعاء في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) حُمل على العناية بشأن النبي إظهارا لشرفه مجازا، إطلاقا للملزوم على اللازم، إذ الاستغفار والرحمة يستلزم الاعتناء.
قال: والحاصل أنّ معنى الصلاة من الله على نبيه هو أن ينعم عليه بنعم يصحبها تكريم وتعظيم على ما يليق بمنزلة النبي عنده بأن يُسمعه من كلامه الذي لا مثل له ما تقر به عينه، وتبتهج به نفسه، ويتسع به جاهه.
قال: ومعنى السلام عليه هو أن يسلمه من كل آفة منافية لغاية الكمال، والمخلوق لا يستغني عن زيادة الدرجة وإن كان رفيع المنزلة على القول بعدم تناهي كمال الإنسان الكامل.

المسألة الثانية: في صفة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

قال القطب: من قال «اللهم ارحم محمدا» فقد صلى عليه، ومن قال: «آت محمدا الوسيلة» فقد صلى عليه، وكل من دعا لهه بخير فقد صلى عليه، وإذا قلت: «اللهم صل عليه» فقد دعوت الله أن يرحمه، ودعاؤك بذلك صلاة.
وقال في صفة السلام عليه (صلى الله عليه وسلم): هو أن تقولوا: «السلام عليك يا رسول الله» أو «.. يا أيها النبي» أو «السلام على رسول الله» أو نحو ذلك.
قال: وأما قولك: «اللهم سلم عليه» فهو صلاة؛ لأنه دعاء بالخير، لكن لا يجزئ عن الصلاة، وقيل: هو ونحوه سلام ولو أفاد دعاء.
قال: وأما الصلوات الواردة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبار عن نوع فائق من أنواع الصلاة لا حصر. فمن حلف أن يصلي عليه أفضل الصلاة وقال ذلك بر. وقيل: يبر إن زاد «كلما ذكره الذاكرون وغفل عنه الغافلون» أو «سها» بدل «غفل». وقيل: يبر وان قال: «اللهم صل على محمد كما هو أهله ويستحق» وقيل: يبر أن أخذ من كل رواية صحيحة ذكرا فيجمعهن. وجعل الكمال بن الهمام الحنفي كل ما صح من الكيفيات الواردة في الصلاة عليه (صلى الله عليه وسلم) موجودا في كيفية واحدة وهي: «اللهم صل أبدا عليه تسليما، وزده شرفا وتكريما، وأنزله المنزل المقرب عندك يوم القيادة».

المسألة الثالثة: في حكم الصلاة عليه (صلى الله عليه وسلم)

فقيل: تجب في الجملة من غير حصر، وأقل ما يحصل به الإجزاء مرة. وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد. وقيل: يجب كلما ذكر لحديث جبريل: «من ذكرت عنده يا محمد فلم يصل عليك أبعده الله»، وحديث: «رغم أنف من ذكر عنده فلم يصل عليّ»، وحديث: «شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل عليّ»، وقيل: تجب في كل مجلس مرة، ولو تكرر ذكره مرارًا. وقيل: في كل دعاء، وقيل: مستحبة والأمر فيها للندب. وقيل: تجب في العمر مرة في الصلاة وغيرها ككلمة التوحيد.
وقال أبو جعفر الباقر: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل. وقال الشعبي: تجب في التشهد. وقال الشافعي: تجب بين قول التشهد وسلام التحلل، ونسب لابن مسعود وجابر بن عبدالله وعمر بن الخطاب وابنه عبدالله ونسبه بعض للشعبي وأبي جعفر الباقر ومقاتل، والمشهور عن احمد بطلان الصلاة بدونها عمدا أو سهوا، وقيل: هي ندب فيها.
وأشار السالمي في هذا الكتاب: إن هذه الأقوال السابقة كلها ذكرها القطب في هيمانه ولم يتعقبها بشيء، وكان يرى الأقوال كلها سائغة في الرأي لأنه المقام مقام اجتهاد ولا دليل يدل على القطع بواحد منها. وظاهر قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) يدل على وجوب الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم في الجملة من غير تعيين لوقت دون وقت ولا لموضع دون آخر، فالصلاة والسلام في الجملة واجبان، والتوقف عما فوق ذلك أولى وأحق إلا من رجح معه شيء من الأدلة، وقويت معه بعض الإمارات الدالة على وجوبها في وقت مخصوص أو مكان معين فانه يجب عليه الأخذ بذلك الدليل الراجح عنده. والله أعلم.
وأورد السالمي أن مما قاله القطب: إن الصلاة تستحب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند العطاس فيما قال بعض، وقال بعض: هذا موضع يفرد فيه ذكر الله عزل وجل كالأكل والشرب والجماع وعند زيارة قبره صلى الله عليه وسلم لقوله: صلى الله عليه وسلم: «من صلى عليّ عند قبري سمعته». قال: تستحب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفاء والمروة، وفي صلاة الجنازة وبعد الفراغ من التلبية، ذكره محمد بن أبي بكر رضي الله عنه، وعند دخول المسجد وعند الخروج منه لما روت فاطمة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إنه كان يصلي على نفسه إذا دخله وإذا خرج». وعن جابر بن عبدالله عند صلى الله عليه وسلم انه قال: «صلوا عليّ أول الدعاء ووسطه وآخره».
قال: وتأكد الصلاة عليه بعد الوتر وبعد الأذان لما رواه عمرو بن العاص ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فانه من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرا، ثم اسألوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة».
قال: ويكره إفراد الصلاة عن السلام والسلام عن الصلاة، لان الله سبحانه قرنهما بواو في الكتاب مع الجمع بينهما نطقا، وأجاز بعضهم احدهما في وقت والآخر قبل ذلك. وقيل: سلا إلا على حي وهو ضعيف. ويدل على ضعف القول بانه لا سلام إلا على حي قوله تعالى: (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) فان المرسلين عليهم السلام قد ماتوا حين نزول هذه الآية ولم يبق منهم إلا خاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

المسألة الرابعة: في فضل الصلاة عليه (صلى الله عليه وسلم)

روي انه قيل: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) فقال صلى الله عليه وسلم: «هذا من العلم المكنون، ولولا أنتم سألتموني عنه ما أخبرتكم، إن الله وكّل بي ملكين فلا اذكر عند عبد مؤمن فيصلي عليّ الا قال ذلك الملكان: غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين: آمين».. رواه الطبراني. وعن انس بن مالك عن أبي طلحة عنه (صلى الله عليه وسلم): «من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه عشرا». وعند عبدالله بن مسعود: «إن ملكا موكل بالعبد، فإذا قال العبد: صلى الله عليه على محمد، قال الملك: وأنت فصلى الله عليك». وعن ابن مسعود النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أولى الناس بي يوم القيامة أكثركم عليّ صلاة»، وعن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من صلاة عليّ مرة واحدة صلى الله عليه عشرا، وحط عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات». وروي: «إن من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشرا، ومن صلى عليّ عشرا صلى الله عليه مائة، ومن صلى عليّ مائة صلى الله عليه ألفا» والأحاديث في ذلك كثيرة.