استحضر أبا مسلم البهلاني وشعر الإلهيات – النادي الثقافـي يناقش «المدائــح النبويــة» ويحتفي بالشاعر جمال المــلا

كتبت: خلود الفزارية –

نظم النادي الثقافي مساء أمس ندوة في المدائح النبوية واستضاف فيها عدد من النقاد بحضور الشاعر جمال الملا الفائز بجائزة كتارا في مدح النبي صلى الله عليه وسلم.
أدارت الأمسية الشاعرة شميسة النعمانية، وقد استهلت الندوة بورقة للدكتور محمد المحروقي الذي تطرق إلى لمحة من تجربة شعر المديح في السلطنة وتقديم تجربة الشاعر العماني أبو مسلم البهلاني وهو من الشعراء العمانيين الكلاسيكيين وقد عرف عنه أنه أعلم الشعراء وأشهر العلماء وعرف بحسان عمان، وفي مستهل ورقته أشار المحروقي إلى أن الحديث حول البهلاني يستلزم المرور بمعلقته العمانية:
تلك البوارق حاديهن مرنان فما لطرفك يا ذا الشجو وسنان
التي كتبها متشوقا إلى عمان وكان في زنجبار، وقد ولد أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني في عمان وقضى الشطر الأول من حياته فيها ثم غادر إلى شرق إفريقيا وظل هناك إلى وفاته عام 1921.
وفي عمان يعد أبو مسلم البهلاني من رواد الإصلاح وشخصية دينية وعالم ديني ولكنه لم ينفصل عن العصر الذي عاشه وعن معطيات العصر الحديث في زنجبار،
وأسهم في إصدار أول صحيفة عمانية وهي صحيفة النجاح عام 1905، وكانت قصائده معروفة في أماكن متفرقة في الدول العربية والإسلامية، وكان من رواد الإصلاح في العصر الحديث الذي تبنى الفكر الإسلامي.
وقد ترك البهلاني تراثا شعريا كبيرا جدا إلى جانب تراثه الفقهي، حيث كان له ديوان ضخم يسيطر عليه الشعر الديني فيما يقارب 60 بالمائة من شعر الديوان.
وكان شعره كغيره من الفقهاء، فهو صاحب شعر ديني، ويتخلل جميع موضوعاته سواء الوطنية أوالقومية وغيرها، والجانب الديني يقصد به أبياته التي عنونها بالإلهيات والمديح النبوي والتي تصل إلى 56 بالمائة من ديوانه المطبوع.
ولدى أبي مسلم البهلاني قضية أساسية تشغل فكره وأحاسيسه، حيث أنه عاش في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكان العالم الإسلامي في تلك المرحلة متأثرا بالثقافة الغربية المباشرة وغير المباشرة، وكان البهلاني يرفض ذلك ويعبر في شعره ما يمثل خطابا دينيا يدعو إلى الاستنهاض، وإلى القيام ضد هذه الهيمنة، وله شعر كبير في هذا الجانب، يتمثل ذلك في قصيدته إلى متى؟!
موضحا أن شعره سواء أكان شعر الإلهيات أو المديح النبوي يتمثل تجربة الشعراء الشراة، الذين قدموا تجربة في المجال السياسي وهم معروفون بالتزامهم بالمبدأ وحرصهم على الموت وتعبيرهم الشعري الذي قد يجنح عن قواعد اللغة إلى عالم التعبير، وكانوا ينظمون قصائد شعرهم في ساحات المعارك.
وتأثر أبو مسلم بشعر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وقد خمّس له عددا من القصائد،
في شعره الديني الذي يتمحور حول عدة موضوعات، وله مطولات مواجهة الأعداء وموضوعات أخرى مساندة، وقصائد الأذكار أو الإلهيات التي تبدأ بتنزيه الله عز وجل ثم الشكوى عن النفس الأمارة بالسوء، قبل أن يدخل في الغرض، ثم الاعتراف بالذنب والتوبة، ثم طلب الغنى يطلب القوة والعدة لمواجهة الأعداء ثم يذكر الأعداء والدعاء عليهم.
أما شعر المديح النبوي فقد كان مديحه يتخلل المدائح النبوية، كما توجد له قصائد تميزت بالحديث عن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونجد أن الشاعر قد يدخل إلى غرضه دخولا مباشرا ويخالف ما اعتادت عليه شعراء المدائح بكونه يدخل مباشرة إلى مضمون القصيدة، إلا أنه قد يلتزم بما قاله شعراء المديح النبوي بأن يبدأ بالغزل ثم المديح النبوي فطلب المغفرة لكنه يزيد عليهم أحيانا.
وقد قدم الورقة الثانية خالد عبدالرحيم السيد تناول فيها تجربة كتارا في شعر المدائح النبوية، وكيف استطاعت جائزة كتارا أن تكون لها مكانتها بن الجوائز في الوطن العربي، وتم الإعلان عنها كونها تهتم بالثقافة والفنون، ويتم احتضانها في منطقة ثقافية تضم عددا كبيرا من المسارح، بواقع 1140 فعالية بمعدل أكثر من 10 فعاليات يوميا، كما يتم عقد معارض فنية منوعة بالإضافة إلى إصدار الكتب، وهناك دار كتارا الثقافية التي تشرف على إصدار جميع إنتاجات كتارا.
مؤكدا على الجودة والارتكاز على الناحية الثقافية ومواضيع الأدب والكتب وإصدارات الجوائز، كما توجد ما يقارب 100 إصدار ثقافي يتنوع ما بين الرواية والفن والموسيقى والشعر، مبينا أنه خلال أقل من 10 سنوات من التأسيس تمكنت من أن تكون أيقونة ثقافية في الوطن العربية من خلال الأنشطة المختلفة والمهرجانات والفنون والتراث وارتبطت باسم كتارا، ويتجلى ذلك عبر المتابعين في مواقع التواصل الاجتماعي على مستوى قطر.
ويشير خالد عبدالرحيم الى أنه في 2015 تولدت الفكرة لإطلاق جائزة في الشعر وكان هدفها أن تخرج خارج الحدود الجغرافية لتكون أكثر شمولية، فكانت الجائزة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وأن تكون باللغة العربية، كما توجد فعاليات للنهوض باللغة العربية، وتحتفل قطر في 18 ديسمبر باللغة العربية بالفعاليات وتصميم الألعاب الإلكترونية لتعليم اللغة العربية، وبمجلة الضاد لليافعين وهي أول مجلة في الرسوم لتعليم الأطفال، وكانت الفكرة بالتركيز على اللغة العربية، مشيرا إلى أن الفريق الإداري يعتمد على لجان من جميع الدول العربية لأن الجائزة لكل العرب، وهي مفتوحة للجميع وللتواصل مع مختلف الأكاديميين والنقاد والمثقفين العرب، وهناك أسماء كثيرة تتقدم للتحكيم وتتغير كل سنتين، ومن أهم الجوانب آلية التحكيم والشفافية بوضع النص دون معرفة كاتبه، إضافة إلى إرسال القصائد وتقييمها.
وناقشت الورقة الثالثة لسعيد الصقلاوي تجربة السلطنة حول قصائد المدائح النبوية، حيث ذكر بأن أول احتفائية في التاريخ الإسلامي للمدائح النبوية قدمتها المدينة المنورة لاستقبال الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي الاحتفائية الأولى في التاريخ لأن كل ما يذكر في دراسات النقاد قصيدة كعب بن زهير وقبلها حسان بن ثابت.
وفي السلطنة فإن المقطوعة الشعرية التي دونتها مصادر التراث عن مازن بن غضوبة:
إليك رسول الله حبت مطيتي تجوب الفيافي من عمان إلى العرج
وكانت هذه المقطوعة من أول المقطوعات في الشعر العماني وكانت متزامنة مع وجود الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي تسلط الضوء على جانب تاريخي ينبغي أن نلتفت إليه. وقد استمر الشعر الديني ولكن في قفزات زمنية فبعد مازن بن غضوبة تأتي قصائد ابن النظر، ثم قصائد اللواح الذي له إسهامات في هذا الميدان، ثم قصائد المعولي وله بعض قصائد مدح النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الشيخ أبو مسلم البهلاني، وزامنه الشيخ نور الدين السالمي والشيخ ابن شيخان، وعبدالله بن علي الخليلي الذي نظم معارضة لقصيدة البوصيري، وكثير من شعر ميح الرسول عليه الصلاة والسلام، فابنه محمد بن عبدالله الذي معارضة لميمية البوصيري وقد عارضها شوقي، وجاء التركيز على قصيدة البوصيري وذلك أنها موجودة في الموالد والقراءات الدينية باستمرار.
وعن المدائح في السلطنة من خلال الجانب الشعري هناك جانب المولد النبوي، والمولد في السلطنة له هيئات مختلفة وتختلف بمختلف المناطق، وحتى المصطلح فإنه يتنوع كالمالد ■ والمولد أو القرايه وله طقوس مختلفة، ولا يقام فقط من أجل الاحتفال، ولكن حبا في الرسول صلى الله عليه وسلم واستخدامه كشفيع للذين أقاموه وبعضهم يقوم به استشفاء أو إيفاء للنذور، وهو المدخل الديني في اعتقادهم لإرضاء الله ورسوله، وليس مقتصرا على الرجال بل النساء أيضا.
وفي مقارنة بين السلطنة والوطن العربي، فهو يشكل ظاهرة دينية تتحول إلى اجتماعية ثم اقتصادية وهذا في الوطن العربي كمصر والشام وتركيا وغيرها من الدول، أما في السلطنة فإنه يقام بشكل مقتصر على الاحتفال بطقوس عادية على وجود البخور واللبان والقراءة ثم القهوة.
وأصبحت الآن ثقافة رسمية بعد أن كانت شعبية، وأصبحت وزارة الأوقاف تحتفي بالمولد النبوي بالإضافة إلى جانب الإنشاد الديني حيث اعتمد جزء منه على المولد، وفرق الإنشاد الديني وكان لحضور هذا المولد أثر كبير.
أما الورقة الرابعة للدكتورة مريم النعيمية فقد احتوت على قراءة في نص النبي الذي فاز به الشاعر جمال الملا، وقد أشارت النعيمية إلى أن دراسات النقد الأدبي انشغلت بتحليل المدائح النبوية قد قامت بالدوران في فلك البطل الفرد وهو مفهوم يتعلق بالوعي مبينة أن قصيدة جمال الملا احتوت على العديد من القيم الجمالية، وقد أرادت في ورقتها التوقف عند مطلع قصيدته، حيث إن الآليات والأنساق الأسلوبية المستخدمة في المطلع من معجم لغوي ذي إيحاءات ثرية وبنية تركيبية تحتوي على الجدة والطرافة والتناص من مصادر نصية عدة.
وجاء البيت:
أنسل من عتمة المعنى أغيب سدى خلعت نعلي لا ظلا ولا جسدا
فقد اختار الشاعر جمال الملا فاتحة قصيدته الشعرية في كلمة «أنسل» وهي بادئة شعرية جديدة ذات دلالات عديدة منها الانتزاع في رفق والتخلص من زحام أو ضيق، والانطلاق في الخفاء.
وهذا الانسلال هو عملية بحث عن طوق نجاة أو خلاص من أزمة، للتخلص من عالم المادة والتجرد من درن الطبيعة رغبة في السمو والظفر بالمبتغى، وقد تحرر الشاعر على مستوى الفاتحة مما درج عليه شعراء المديح النبوي، إلا أنه استعاض عن هذه المقدمات بكلمة تنتمي إلى معجم عقدي إسلامي، كما أن العلاقة بين جملة أنسل من عتمة المعنى، وجملة أغيب سدى ليست قائمة على مجرد الاتحاد في الصيغة المضارعة بل على مستوى الترابط بين نمطين من الغياب أحدهما غير مذكور والآخر لفظ قائم، فالغياب ذو طبيعة خاصة تتمثل في تجليه على مستوى التصريح بلفظه وربطه بكلمة «سدى». =أما الشطر الثاني «خلعت نعلي لا ظلا ولا جسدا»، فهو يشهد تحولات على مستوى الأسلوب كالانتقال بين فعلين لازمين مدارهما على الفاعل إلى فعل ممتد إلى مفعوله، والتحول من غياب الشاعر كموجود كامن أو مستتر إلى التجلي على مستوى الضمير «خلعت». ويتبين أن الشاعر قد استشهد بالآية الكريمة «فاخلع نعليك» بالاستجابة المباشرة للأمر الوارد في الآية وامتثال الشاعر بوضعه نفسه في بقعة مباركة، كما ان كلمتي «ظلا وجسدا»، تحويان ارتباطا وثيقا إذ يعتبر الظل تجسيدا للجسد.
= وفي ختام الأمسية قام الشاعر جمال الملا بإلقاء قصيدته الفائزة بجائزة كتارا في مدح النبي صلى الله عليه وسلم.