السلطنة وجهة لوجستية

على مدى العصور تطور مصطلح «لوجستي» من إطاره المتعلق بالجيش والعسكرية إلى علم كبير يشمل قطاعات واسعة تعني بالأطر الاقتصادية، وفنون وعلوم إدارة تدفق البضائع والسلع والمعلومات وغيرها من هذا الأمور، في شبكة شاملة تعنى بتسهيل عملية الحركة التجارية أو إنجاز العمليات المتعلقة بهذا الإطار.

فالدعم اللوجستي هو إطار كلي وشامل أصبحت له أجنحة متعددة ويضم معارف عديدة في عالم اليوم، وهو ما يدخلنا في موضوعنا المتعلق بمكانة السلطنة اللوجستية ودعم هذا الاتجاه بشكل معرفي نحو تعزيز مستقبل الاقتصاد المستدام القائم على توظيف كافة الإمكانيات والمعارف العصرية الحديثة والاستفادة من مجمل التجارب الإنسانية في هذا الباب.
تشير العديد من التقارير الخارجية إلى أن للسلطنة واقعا جيدا يمكنها من احتلال مكانة مرموقة على المستوى الإقليمي والدولي في المجال اللوجستي، وهو ما يجب الاستفادة منه بشكل كبير في الانتقال المنشود إلى مرحلة جديدة من الاقتصاد الوطني القائم على الفرص الجديدة، وبناء التنويع الاقتصادي، والدخول في عصر المعرفة والابتكار والذكاء الاصطناعي وغيرها من هذا النقاط، التي يمكن إدماجها بشكل أو بآخر في المسار اللوجستي في معناه البسيط والتقليدي لتطويره وتحفيزه بالمسار العصري والحديث.
فالنظرة الأكثر حداثة تتطلب أن يعاد النظر في المفهوم اللوجستي نفسه وفق المناظير المذكورة سابقاً، حيث بات يعني أكثر من مجرد النقل وتحريك البضائع أو المفاهيم الإدارية المتعلقة بهذا الجانب، فهو اليوم يتعلق بالذكاء التقني والابتكار المتواصل في هذا المسار الحيوي والشبكي المعقد.
هناك العديد من نقاط القوة التي تدعم موقف السلطنة اللوجستي وأبرزها موضوع الإطار الجيوسياسي، فالموقع الاستراتيجي للسلطنة يجعلها منطقة وصل مهمة بين الشرق والغرب، ومدخل إلى أسواق الشرق الأوسط للبضائع والسلع القادمة من آسيا، كذلك فهي تقع في منطقة ذات بعد مهم في التجارة الدولية، ولعل إنشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم يصب في هذه الرؤية بعيدة المدى، التي يتم فيها تعريف الأطر الجغرافية وفق إعادة تشكيل التاريخ من جديد.
معروف أن السلطنة عبر تاريخها العتيق والقرون الطويلة، كانت مركزاً تجارياً مثلت حلقة وصل بين البلدان في الشرق والغرب، وكانت الموانئ العمانية مثل مسقط وصحار تشكل مراكز مهمة للتجارة عبر التاريخ، يضاف لذلك علاقة العمانيين بالبحار ورحلاتهم التي ذهبت إلى أقصى الشرق والغرب من الصين إلى نيويورك وفي فترات مبكرة من التاريخ القديم والحديث. كل ذلك يمكن الانطلاق منه لبناء مرتكزات للواقع اللوجستي الحديث بناء على الإرث التاريخي والثقافي.
أخيراً يجب النظر إلى جملة هذا الإطار النظري بحيث يقود إلى النتائج المنشودة في بناء الاقتصاد الجديد الذي يهدف إلى استقطاب الاستثمارات المتنوعة من دول العالم في مجالات متعددة، ذات طابع لوجستي وذكي، وكل ذلك يتكامل مع الرؤى الاقتصادية والاستراتيجية بعيدة المدى للتنمية المستدامة والرؤية المستقبلية «عمان 2040» لأجل بناء عمان المستقبل.