النـادي الثقـافي يسـبر أغـوار الأدب السـاخـر

باعتباره لسان المجتمع –
باحثـون: الأدب السـاخر يعـري القـبح ويعكـس الأوجـاع ويـواجـه الواقـع –

كتبت – بشاير السليمية وشذى البلوشية –

قالت الدكتورة سعيدة خاطر إن الباحثين أجمعوا على أن ليس هناك تأريخ لظهور الكتابة الساخرة، وأرجعت ذلك للتداخل في المفاهيم المنطوية حول النكتة والطرفة والهجاء الساخر مشيرة إلى أن الأدب الساخر هو أدب راق هدفه تعرية القبح وليس امتداح الجمال، قالت ذلك ضمن الندوة التي احتضنها النادي الثقافي صباح أمس وحملت عنوان «الأدب الساخر»، وطرح فيها تسعة من الباحثين أوراق أعمالهم في جلستين تضمنت كل جلسة محورين اثنين، كان الأول حول الأدب الساخر وتطوره وأهم كتابه وأدارته الدكتورة منى السليمية، فيما كان المحور الثاني عن تمثل الأدب الساخر في السينما والمسرح وأدارته الدكتورة آمنة الربيع.

وإضافة إلى ما قالته الدكتورة سعيدة آنفا بالمحور الأول ضمن ورقتها المعنونة بـ (تمثلات الأدب الساخر في الشعر والنثر)، عرجت إلى أسباب ظهور الأدب الساخر وتطوره عبر العصور الأدبية العربية، وأشارت إلى أن هذا النوع من الأدب بدأ في الأدب العربي مبكرا من خلال شعر الهجاء الساخر، والذي كان من أبرز كتابه الحطيئة .
كما أشارت إلى أنه ازداد تطورا مع بداية الخلافة الأموية مع الثلاثي جرير والفرزدق والأخطل، وفي بداية العصر العباسي مع أبي دلامة وابن الرومي، وفي القرن الـ7 الهجري مع أبي الحسن بن يحيى والملقب بالجزار، أما في الأدب المعاصر فكان مع أحمد شوقي، والذي ظهر في كثير من أبياته إلا أنه غير معروف، وحسب خاطر فإن شاعر الساخرين العرب في العصر الحالي هو أحمد مطر.
وحول أسباب تقلص الأدب الساخر في الثقافة العربية المعاصرة، تقول خاطر إن الأدب الغربي ينظر لكتاب السخرية باحترام ويصفهم بالرقي ويعتبرونه نوعا من الترويح عن النفس، لكنهم ليسوا كذلك في الثقافة العربية المعاصرة حيث ينظر لهم على أنهم سطحيو التفكير وصعاليك لذلك حسب خاطر اختفى الأدب الساخر، ولم يتبق إلا الأدب السياسي الساخر، وأشارت إلى أن الأدب الساخر قديما كان يكتب في كل المجالات ومن كبار الكتاب، منهم ابن الجوزي الذي ألف (أخبار الحمقى والمغفلين)، مخصصا فيه 9 فصول في نقد شرائح المتدينين.
وتناول الدكتور محمد صافي في ورقته «الجذور التاريخية لنشأة وتطور الأدب الساخر ضمن السياقين العربي والغربي من الفترة القديمة إلى الحديثة»، مفهوم الأدب الساخر الذي لا يعني الضحك من أجل الضحك حسب الصافي بل هو في الغالب كوميديا سوداء تعكس أوجاع الأشخاص، مشيرا إلى أن الكاتب الساخر هو من يحول الحزن إلى بسمة ويجعل القارئ يضحك، وحول التطور التاريخي للأدب الساخر عرج الصافي على أن ظهور الإسلام له يد في تراجع السخرية ولكنها عاودت الظهور مع هجاء الكفار للمسلمين، وهذا ما مهد ظهور السخرية السياسية أيضا فوصل الذم والهجاء أوج مراحله كما يشير الصافي، أما في العصر العباسي قال الصافي إن الأدب الساخر اصبح نوعا قائما بذاته وذلك لما شهده العصر العباسي من تطور وانفتاح واختلاط للمعارف.
وتحدث الصافي عن بواعث اللجوء إلى الأدب الساخر في الفترة الحديثة والتي كانت تدور حول ويلات الاستعمار فكانت ملجأ للتخفيف من وطأة الحال. كما تحدث الصافي عن أدب السخرية لدى الغرب وأشار إلى أنه تطور على يد عمالقة كبار منهم موليير «شيخ الفرنسية» بلا منازع كما يقول الصافي، وتطرق الصافي كذلك إلى تمظهرات السخرية وعنها في فرنسا وألمانيا وإنجلترا والتي كان القرن الـ18 عصرها الذهبي، وفي العصر الأندلسي. مؤكدا على أن الأدب الساخر لسان المجتمع في مواجهة الواقع وتناقضاته.
وفي المحور الثاني «تمثل الأدب الساخر في الشعر والنثر»، تناولت الدكتورة سعاد مسكين في ورقتها «أنماط السخرية في الحكاية المرحة: نماذج نصية من ألف ليلة وليلة»، إشكالات متعددة حول السخرية كونها مفهوما معقدا وغني الدلالات في آن لصعوبة التفرقة بينه وبين مفاهيم قريبة منه، وحول المرجعيات التاريخية والفكرية التي اهتمت تنظيريا وتجليا بالأدب الساخر، وطبيعة السخرية باعتبارها نمطا احتفاليا (من يحقق مقصد السخرية؟)، وطرحت تمظهرات السخرية في الحكاية المرحة، والمقاصد الدلالية والجمالية التي ترمي تحقيقها من خلال حكاية علي العجمي وحكاية خليفة الصياد.
وقدم الباحث يونس البوسعيدي ورقة حملت عنوان: «أدب السُّخرية في عمان: شِعر الحبسي نموذجًا» حيث عرج إلى تعريف السخرية والفرق بينها وبين الهزء والضحك والتنكيت، وساردا لمحة عن الشاعر راشد الحبسي الذي دارت حوله الورقة، شارحا الكاريكاتيرية، والأساليب البلاغية ومضامين السخرية عند الحبسي، والأسباب التي جعلت منه يكتب قصائد ساخرة وقد أرجع البوسعيدي سبب ذلك لكون الحبسي فقد نور عينيه ، وكانت السخرية هي الأسلوب الذي يدفع به شعوره بالنقص، ورأى البوسعيدي أن الحبسي هو الشاعر الساخر الأول في السلطنة.
أما الورقة الأخيرة والتي غاب مقدمها عن الجلسة كانت عن «السخرية في قصص عبد العزيز الفارسي: مجموعته «الصندوق الرمادي» نموذجًا» للدكتور إحسان صادق فقد كانت تناقش أهم آليات السخرية المعتمدة في هذا الصدد، وأهم الأغراض الدلالية التي تنهض بتحقيقها في النصوص.

الجلسة الثانية

وانطلقت الجلسة الثانية من ندوة «الأدب الساخر» والتي تناولت في أوراقها محور «تمثل الأدب الساخر في المسرح والسينما»، أدارت الجلسة الدكتورة آمنة الربيع، وقدمت خلالها 5 أوراق عمل.
بدأت الجلسة بورقة عمل ألقتها الدكتورة الجزائرية جميلة مصطفى الزقاي، حملت عنوان «مستويات السخرية في السينما والمسرح بين الضحك والنقد»، عرجت في مقدمة ورقتها إلى تعريف السخرية والتي وصفتها بأنها «نقد وضحك وتجريح هازئ تنشد النقد أولا والضحك ثانيا، وهي فن يتبنى استراتيجية كتابة عسيرة ترتبط بعملية التلاعب بمقاييس الأشياء والأشخاص والحالات والظواهر وغيرها… تتم وفق تلاعب يتجسد ضمن معيارية فنية تعمل على تقديم نقد لاذع في جو من الفكاهة والنشوة والإمتاع»، وفي مجمل حديثها حول السخرية في الأدب ذكرت أن السخرية تعد أعظم صور البلاغة في اللغة لما فيها من معان مبطنة، وتمتاز بقدرتها على التخويف والفتك والعنف.
وسلطت الدكتورة في ورقتها على أسلوب التهكم الذي هو إحدى أوجه السخرية المتسم بالمرارة والأسى، حاملا كما وصفت الدكتورة «ألوانا من السخرية الضاحكة الناقدة التي تهدف إلى الإصلاح، وتلجأ أحيانا إلى أسلوب التصوير المبالغ فيه أي الكاريكاتوري البورليسكي الذي يهتم بإنزال الشخص أو الحالة …في صورة مضحكة».
وتحدثت الزقاي في ورقتها عن السخرية في فني السينما والمسرح التي قالت إنها «تربعت في خلد وفكر المشاهد منذ بزوغ نجمهما»، ضاربة المثل بأبرز نجوم السينما الصامتة في العالم «شارلي شابلين»، و«لوريل وهاري» نتيجة الأداء الساخر الذي وظفته حركاتهم الصامتة، والتعبير الجسدي عن هذا الفن الراقي.
ومن منطلق تقديم أمثلة حول التجارب الساخرة في السينما والمسرح العالمي، أشارت الزقاي حول تجربة عربية «الجزائر» في تقديم السخرية المخضبة بالفكاهة الهادفة على الذاكرة البصرية الجزائرية ممثلة في فنانين نالوا محبة المشاهد الجزائري الذي أضحى يستخدم بعض حواراتهم وجملهم بيومياته لأنه وجد فيها الضالة المنشودة وبصمته إيجابا.
وقدمت الدكتورة هبة بركات ورقتها حول «التراث العربي الساخر والمسرح العربي الحديث» في تقديم جملة من النماذج الحية في حقبة زمنية تأسس فيها الأدب الساخر في المسرح العربي، وركزت على الجدل بين الخطابات المختلفة نتيجة تعرض المنطقة لمجموعة من الصراعات مثال: الدولة الحديثة في مصر (عهد محمد علي)، وتابعت التسلسل الزمني للكوميديا الساخرة في المسرح العربي.
وتطرقت الباحثة في ورقتها أمام عمليات إعادة التشكيل والآليات التي اعتمدت من قبل الكاتب المسرحي العربي لإعادة صياغة الحكاية التراثية الساخرة وإعادة صياغتها وذلك عبر عدة محاور: أبرزها إعادة بناء الحكاية التراثية وعمليات تفكيك وإعادة التشكيل، وتقنيات الإضحاك بين الحكاية التراثية الساخرة وبين النص المسرحي المعاصر، وعمليات إعادة تشكيل الخطاب الخاص بالحكاية التراثية الساخرة وإعادة توطينها في الواقع.
بعدها انتقل الحديث إلى المسرحي الدكتور مرشد راقي الذي حملت ورقته عنوان «تمثل الأدب الساخر في المسرح»، بدأها بتقديم مفهوم مصطلح السخرية ودورها في الحياة، وتطرق إلى التسلسل التاريخي للسخرية في المسرح العالمي، متحدثا حول مسرح العصور الوسطى حيث قال إن «الكوميديا كانت تقدم في الميادين، وكانت عبارة عن حماقات وسخافات تختلف عن واقع المجتمع».
وانتقل الدكتور مرشد في حديثه حول المؤسس الحقيقي للكوميديا الساخرة في فرنسا «موليير»، الذي قام بتمثيل 95 مسرحية 31 منها من تأليفه، وكان له تأثير كبير ومباشر في تطوير المسرح الأوروبي، بالإضافة إلى تأثيره العالمي، وتطرق «راقي» أيضا إلى مسرحيات شكسبير التي اعتمد فيها على الكوميديا الساخرة من خلال ما قدمه من سخرية باللغة الرومنسية للعشاق.
وقدم في ختام ورقته نموذجا حول السخرية في المسرح من خلال مسرحية «من قتل شهريار» لكاتبها محمد سيف الرحبي والتي عدها أفضل مثال حي للكتابة المسرحية الساخرة في العصر الحالي، فهي متقنة من جميع جوانبها اللغوية والفنية، وفكرتها التي وظفت القضية بقالب ساخر، عارضا أجزاء من حوارات المسرحية، مؤكدا في ختام ورقته أن الكتابة الساخرة في المسرح تحتاج إلى اضطلاع وثقافة واسعة.
وجاءت الورقة الرابعة التي قدمتها الدكتورة نجاح إبراهيم حول «تمثيل الأدب السّاخر في الشّعر والنّثر محمد الماغوط أنموذجاً»، تحدثت الدكتورة في مقدمة ورقتها حول السخرية بأوجهها المختلفة في مجالات الأدب كالشعر والقصة والخاطرة والمقالة الصحفية والمسرحية، وقالت: «يتناول الكاتب من خلال أساليب الكتابة الساخرة التّناقضات في مجتمعه والممارسات السلبيّة والأحداث السّياسيّة، والمشاكل الاجتماعيّة وحتى النّفسيّة والمادّيّة وغيرها من المواضيع الكثيرة، وهناك عدد كبير من الكتّاب في الوطن العربي ومنهم: أحمد رجب من مصر، زكريا تامر وشريف الراس ومحمد الماغوط من سوريا، إيميل حبيبي ومحمود شقير من فلسطين، ومن السعودية أحمد قنديل،ويعتبر الكاتب محمد الماغوط وهو من أفضل الكتّاب السّاخرين في سورية».
وركزت الدكتورة في ورقتها عن أهم الأفكار التي بنى الماغوط عليها كتاباته المختلفة، مؤكدة أن كل كتاباته تنحدر من فكرة واحدة وهي «الحرية» التي كان يبحث عنها، واستشهدت بقول للماغوط في ورقتها قوله: «حتى تكون منتجا لابد ان تكون مستقرا.. ولا يمكن أن تكون مستقرا في بلد غير مستقر».
وأضافت الدكتورة نجاح: «كانت للماغوط شعرية إبداعية حداثية مغايرة ولكنه لم يشذ عن القاعدة»، وأكدت على أن الماغوط كتب حول معاناة الإنسان العربي التي حوّلها إلى درس فلسفي من أجل البناء وإعادة تعبيد طريق الحرية. واستشهدت الدكتورة بمجموعة من أقواله الساخرة التي ذكرت منها:
« الإنسان العربي ليس مسحوقاُ فحسب، بل أصبح بودرة.»
« سأمحي ركبتي بالممحاة، سآكلها حتى لا أجثو لعصرٍ أو لتيّارٍ أو مرحلة..»
واختتمت الجلسة الثانية من الندوة بورقة الدكتورة مريم الغافرية التي حملت عنوان «السخرية في السينما والمسرح.. أدب أحمد مطر أنموذجا»، التي بدأتها بتقديم السيرة المختصرة للأديب أحمد مطر، مركزة على جانب الذات المهمومة التي انطلق منها أدبه الساخر، حيث تعرض لعدد من الاعتقالات في العراق، ليتركها بعد خروجه من السجن ويكمل حياته في الكويت ليعمل فيها كاتبا ورسام كاريكاتير في جريدة القبس مرافقا ناجي العلي، واستمر هناك حتى غادرها إلى منفاه الأخير في اسكتلندا حاليا.
وأوضحت الغافرية أن من يعرف أحمد مطر يعرف أنه مثل أيضا مقاطع في مسلسل «أم عليوي» ومسلسل «الفريج» في الكويت، وتطرقت الدكتورة مريم في ورقتها لأبرز مقالات أحمد مطر الساخرة والتي ركز فيها حول الحديث عن العراق.
وتطرقت الدكتورة إلى مقدرة «أحمد مطر» الكبيرة في مجالات الأدب الساخر بعد متابعته الأعمال الساخرة الأوروبية واحتكاكه بها أكثر في منفاه الحالي، فيما أشارت إلى أبرز الروايات العالمية التي استقى منها «أحمد مطر» أدبه الساخر، أبرزها: «الجوع»، «ثلاث بجعات برية»، «عداء الطائرة الورقية»، رواية «الثلج».