التراث الفني والأجيال الجديدة

يعكس التراث والموروث العماني في الفنون والموسيقى ثراءً كبيراً، ويحكي عن قصة قرون من التراكم والتجربة التاريخية الممتدة، تدل على عمق هذا البعد في الثقافة العمانية، وهو ما تؤكده الدراسات والأبحاث وتشير إليه بشكل جلي.
في هذا الإطار فإن تعريف الأجيال الشابة بهذا التراث الغني، وإعادة رسمه في الأذهان وفق روح العصر ومتطلباته، يعتبر ضرورة بل أولوية من أولويات العمل الثقافي والبعد الإنساني في ترسيخ قيم التراث ودوره في بناء الحضارة والمدنية والدولة الحديثة.
معروف أن المشروع العماني للتنمية المستدامة الشاملة، يأخذ في أبعاده الاستراتيجية البعيدة المحور الإنساني الذي يتلاقى مع الأبعاد المتعددة لمفهوم التنمية في أعمق الصور، وهو ما عملت مسيرة النهضة العمانية على إنزاله على أرض الواقع عبر ما يقارب خمسة عقود من عمر الزمان.
إذا كان الحديث عن الموسيقى العمانية فثمة سرديات عديدة يمكن الكلام عنها، ما يحمل ظلالا وارفة لمغزى الثقافة ودورها في المجتمعات الإنسانية في القدم وفي الراهن البشري.
معلوم أن التراث الفني والموسيقى وكافة أشكال وتجليات الفعل الثقافي لها دور في بناء الراهن والغد، وأن عملية الحفاظ على التراث الفني عامة والموسيقي بشكل خاص، تصب في الحفاظ على أصالة الروح الإنسانية، فمن خلال الموروث الفني نروي العديد من قصص الإنسان العماني عبر الزمان.
فالموسيقى مثلا هي جدلية عميقة لعلاقة الإنسان بالبيئة والمكان، حيث يتجلى فيها انعكاس الأشياء والكائنات حول الإنسان، وتعبر عن تقدير الإنسان للمكان وتحتفي به، وحيث تذهب بنا الإيقاعات والأدوات نفسها المتعلقة بفعل الموسيقى إلى ما وراء الصورة البسيطة، لتخبرنا عن مرويات تاريخية عميقة الدلالة، وهذا لا يمكن أن يفهم إلا من خلال إعادة تعريف واكتشاف الموسيقى في علاقتها بالإنسان والمكان، كذلك الطقوس والتقاليد المرتبطة بها في المجتمع. في هذا الإطار يمكن التأكيد على العمل المستمر الذي تضطلع به العديد من جهات الاختصاص، في إطار حفظ الموسيقى وتطويرها والعمل على تعريف الأجيال الجديدة بها، في ظل المناظير التي تؤمن بأن الثقافة والفنون الإنسانية تنهض بالشعوب وتضعها دائما في عتبة المستقبل المرتجى.
هذا يقودنا إلى الإشادة بكافة ما يتم من جهود مستمرة في حفظ التراث الموسيقي وصونه والفنون الإنسانية العمانية بشكل عام، كذلك التعريف بالخصائص الثقافية والفنية وغيرها من الأبعاد المنشودة لبناء المستقبل الأفضل عبر التعريف بالفنون والثقافة ونشرها في المجتمع، وقبل ذلك ربطها بالأهداف السامية للرقي والنهضة والتطور.
أخيرا فإن أي طريق إلى الغد المشرق لاشك يقوم على الانتباه لمكامن القوة في البعد التاريخي للأمة أو الشعب أو الدولة، ولابد أن العمانيين لديهم من التراث والموروث في العديد من الأبعاد التي تتطلب العمل عليها وإعادة الاكتشاف، وهذا جهد لا يقوم به شخص أو اثنان بل هو عمل مؤسسي مبذول في الراهن ويسير بتضافر الجهود الوطنية وجهات الاختصاص والمهتمين إلى الأفق المستقبلي بما يحقق الآمال والتطلعات.