تحولات في عقيدة المسؤولية العالمية لأمريكا

عاطف الغمري –

في عام 1992 تسربت تفصيلات استراتيجية أمريكية حملت اسم «دليل التخطيط الدفاعي للبنتاجون»، وهي عبارة عن وثيقة رسمية تتضمن استراتيجية هدفها المحافظة على وضع القوة العظمى الوحيدة للولايات المتحدة، ومنع أي دولة أخرى من تحدي الوضع المهيمن والمتميز للولايات المتحدة.
هذه الوثيقة وضعت عقب زوال الاتحاد السوفييتي، وتركز على منع ظهور أي قوة منافسة للولايات المتحدة مستقبلا، وتضمن للولايات المتحدة إنشاء نظام جديد يجعل المنافسين المحتملين يقتنعون بأنه لا يجب عليهم أن يطمحوا في دور عالمي أكبر من الدور الأمريكي، وأن تحتفظ الولايات المتحدة بمسؤولية التصدي للمشكلات التي تهدد مصالح حلفائها وأصدقائها، وليس مصالحها فقط أو تلك المشكلات التي يمكن أن تؤدي إلى زعزعة استقرار العلاقات الدولية بشكل خطير.
وعندما تولى جورج بوش الابن الرئاسة عام 2001، وقاد المحافظون الجدد الفريق المختص بالسياسات الخارجية والعسكرية، ثم وضعوا في ديسمبر 2002 ما سمي باستراتيجية الأمن القومي الجديدة، فإنهم ضمنوها النص على عدم السماح بظهور أي قوى دولية أو إقليمية منافسة للولايات المتحدة.
وبعد ست سنوات من إعلان استراتيجيتهم، ثبت عدم قدرتها على البقاء، وأن العالم يشهد تحولات جذرية، تؤكد قدرة دول أخرى على امتلاك القدرة على المنافسة إقليمية ودوليا.
ثم جاء أوباما إلى الرئاسة ليعلن في الأيام الأولى لحكمه أن الولايات المتحدة ليست قادرة على أن تحل وحدها الأزمات الإقليمية، أو أن تتصدى منفردة للتحديات لأمنها القومي، وأنها تحتاج لمشاركة آخرين.
من ثم تهدم ركن أساسي من أركان استراتيجية التخطيط الدفاعي لعام 1992، الذي ينص على احتفاظ الولايات المتحدة وحدها بمسؤولية التصدي للمشكلات التي تهدد مصالح حلفائها وأصدقائها، وليس مصالحها فقط، أو التي تؤدي إلى زعزعة استقرار العلاقات الدولية بشكل خطير.
ثم واصل ترامب من بعده سياسة تقليص دوره في تحمل المسؤولية تجاه المشكلات التي تهدد حلفاءه وأصدقاءه، بمطالبتهم سواء في حلف الأطلنطي، أو الدول الإقليمية الأخرى الصديقة، بأن تتحمل العبء الأساسي في مواجهة التحديات لأمنها.
عدد لا بأس به من المختصين في الولايات المتحدة خاضوا في تحليل هذه التوجهات للسياسة الأمريكية، منهم البروفيسور مايكل ماستاندونو أستاذ علم الحكومات بجامعة داثموث ومؤلف كتب مثل «الواقعية والعلاقات الدولية بعد الحرب الباردة»، ومثل «لماذا ستظهر قوى عظمى جديدة»، وكريستوفر لين مؤلف كتاب«وهم القوة العظمى الوحيدة»، وغيرهما، وكلهم اتفقوا على أن سعي دولة واحدة لتجميع كل القوى في يدها وحدها، لابد أن يحرض دولا أخرى لاستعادة ميزان القوى في مواجهة هذه الدولة، وإن السؤال ليس ما إذا كانت قوة جديدة ستظهر تملك مقومات التنافس، لكن السؤال هو: متى يحدث ذلك؟.
وهذا لم يمنع بعض الخبراء من أن يكونوا أقل تفاؤلا تجاه احتمالات السلام والتعاون بين القوى الكبرى البازغة.
وهذا التوقع التشاؤمي، بدأت تلوح له ملامح من اتخاذ الرئيس ترامب سياسات متشددة تجاه أكثر دولتين تعبران عن قدرات القوى الدولية المنافسة وهما الصين وروسيا. لكن تظل هناك آراء واقعية في الولايات المتحدة، ترى أن النظام الدولي دخل بالفعل في عملية تحول كبرى، لابد وأن تنهي عصر هيمنة قوة بمفردها على النظام الدولي، وتفتح الطريق أمام تعددية على قمة هذا النظام، تفرض التعاون قبل المواجهة، خاصة وأن نوعية التحديات المتنوعة في العالم، تطال الجميع وتفرض عليهم التعاون لمواجهتها، حيث لا يمكن لقوة واحدة بمفردها التعامل معها.