عن الابتكار مرة أخرى

من فينة لأخرى يطل الحديث عن موضوع الابتكار ودوره في تشكيل خرائط المستقبل الأفضل، وهو موضوع يرتبط لحد كبير بتحديات العولمة والعالم المعاصر الذي تغيرت فيه فعليا العديد من الأنماط التقليدية سواء للمعرفة وطرق اكتساب العلم وقبل ذلك كيفية رؤية أنساق الحياة بشكل عام.
لعل الطريق إلى المستقبل في هذه اللحظة الراهنة والمعاصرة من التاريخ العالمي، ترتبط بموضوعات من هذا النوع، الابتكار والذكاء الاصطناعي والأتمتة واستخدام الروبوتات وغيرها من المعاني في هذا الإطار الحيوي والمستقبلي.
من هنا فإن أي تفكير في مستقبل الاقتصاد الوطني في السلطنة لا يمكن أن يأتي بمعزل عن هذه التصورات وكيفية إدماجها في صلب العقل الجمعي العماني كذلك في مواجهة تحديات وفرص الغد المثمر، لأن صناعة الممكنات قائمة على اقتناص الفرص المتاحة وبوعي تام.
لم يعد العالم اليوم يقوم على مجرد التفكير والأهداف بعيدة المدى أو الخطط الاستراتيجية الإنمائية ذات البناء الكلاسيكي، إنما يتعدى ذلك إلى القدرة الكبيرة على التكيف مع سرعة المتغيرات في الخريطة العالمية في قضايا الإنتاج والتجارة والصناعات إلى موضوعات ذات صلة كالمناخ، فهي جميعها تعمل في حزام متكامل يستدعي النظر إليه بشكل كلي.
تعمل سياسة السلطنة على وضع الابتكار ضمن الأفق الجديد والمرتجى في مرحلة الاتجاه نحو الاقتصاد التنويعي والمعرفة الحديثة وتوسيع فرص الاستثمارات في كافة القطاعات، كل ذلك يساعد على تشكيل مشهد مطلوب، ينبغي دعمه والإصرار عليه لاسيما من خلال تدريب وتأهيل الشباب بوجه خاص والأجيال الجديدة ذات القدرة على التماهي مع مفردات العصر والتحديث.
وإذا كان ثمة صراع دائم في أي مجتمع أو شعب أو دولة ما بين القيم التقليدية والحديثة، فإن المعنى المستقبلي يكمن في إحداث الوفاق الذكي بين الجانبين، وهو ما نجحت فيه سياسة السلطنة منذ بواكير النهضة في السبعينيات وهذا يدعم بدرجة كبيرة خطط التفكير الاستراتيجي المستقبلي في إطار عالم معولم وسريع التحول، بحيث يمكن الاستفادة من معطيات الخارج دون الخصم من رصيد الأصالة الداخلي الموروث والمتراكم سواء عبر القرون أو في فترة الدولة الحديثة.
أخيرا فإن فرص الابتكار لا تعني التركيز على الأطر النظرية فقط، بل تذهب إلى أبعد من ذلك في التطبيقات الفعلية والفاعلة، لأن الفائدة الأساسية تقوم على تحويل الرؤى والأفكار إلى قيم عملية في أرض الواقع، وما لم يحدث ذلك فإن أفق التنظير سوف يظل قاصراً وليس من ثمرة حقيقية يمكن الاستناد عليها لتحقيق المستقبل الأفضل.
تبقى الإشارة إلى أن هناك جهودا عديدة من مختلف الجهات ذات الاهتمام في إطار تعزيز فكر الابتكار ودفعه إلى الأفق البعيد، وفي الوقت نفسه هناك إقبال ملحوظ من الجيل الناشئ على توسيع رؤيته لوعي مرحلة جديدة من التاريخ الإنساني الذي يقوم على رد الاعتبار للوعي النسقي متعدد القراءات الذي يذهب بالملامح العامة لأي فكرة أو مشروع إلى ما وراء ذلك من جني الثمار، وليس هذا بمستحيل في ظل توفر الإرادة ووجود الأمل المستمر.