التعليم العالي وأسس اقتصاد المعرفة

عوض بن سعيد باقوير  –
صحفي ومحلل سياسي –

في ظل الثورة المعلوماتية واقتصاد المعرفة والاتجاه العام نحو الثورة الصناعية الرابعة والابتكار الصناعي تظهر أهمية التعليم العالي وضرورة أن تتماشى أسس هذا النوع من التعليم وتلك التوجهات العالمية في ضرورة ربط المعرفة بالاقتصاد الرقمي. لاشك أن السلطنة ،ومن خلال الجهات المختصة كوزارة التعليم العالي ومجلس البحث العلمي وجامعة السلطان قابوس وواحة المعرفة وهيئة تقنية التعليم، تواصل جهودها في اتجاه ربط التعليم العالي بالابتكار الصناعي والثورة الرقمية والتسريع في موضوع الحكومة الالكترونية لأن تلك الأدوات المبتكرة لها علاقة مباشرة بالتنويع الاقتصادي المعتمد اساسا على المعرفة والمؤشرات والأرقام.

هناك أمثله جديرة بالاهتمام وهي دول جنوب شرق آسيا من خلال التركيز على جودة التعليم بشكل عام لأن هناك ربطا واضحا بين مسيرة التعليم العام والتعليم العالي حتى تكون النتائج مثمرة وعلى ضوء مسارات محددة وآليات واضحة يتم الربط بين التعليم عموما وتطوره وبين تقدم الدول على الصعيد التكنولوجي والمعرفي.

التعليم هو الاساس
كل الحضارات القديمة والحالية كان أساسها التعليم وبالتالي المعرفة ومن هنا فإن الجهود التي تتواصل من الجهات المختصة المشار لها تهدف الي ربط التعليم بالمقدرة المعرفية والتي هي أساس التطور الاقتصادي والاجتماعي وايجاد افكار مبدعة وطرق مبتكرة للوصول إلى الأهداف الوطنية التي ترسمها الخطط وخاصة الرؤية العمانية 2040 والتي تحتاج الى تضافر الجهود الوطنية لتحقيق الطموحات التي رسمتها تلك الرؤية ومن اهمها التعليم وهو اساس التقدم والتنويع الاقتصادي الذي تهدف السلطنة الى تحقيقه بعيدا عن الاعتماد على النفط المتقلب في مجال الاسعار وتداخل السلعة مع المسار السياسي المتقلب بين الدول الصناعية وخاصة الولايات المتحدة.
وعلى ضوء تلك المحددات تظل اهمية التعليم بشكل عام عاملا فارقا بالارتقاء بالمنظومة الاقتصادية من خلال المعرفة ودور التقنية الحديثة في ترسيخ اسس اهداف التنمية الكلية سواء على صعيد الخطط الخمسية او الرؤية الاقتصادية او من خلال حشد الطاقات للدفع بتطوير البنية البحثية والعلمية وتشجيع الشباب على الابتكار خاصة من خلال الجامعات والمعاهد العلمية والحاضنات التقنية حتى يمكن تحقيق تلك الاهداف الوطنية.
ان التعليم هو اساس التطور والاندفاع نحو تحقيق التطور الاقتصادي حتى يكون الاقتصاد يسير وفق اسس مستدامة بعيدا عن تقلبات اسعار النفط والتي اصبحت لا يمكن الاعتماد على اسعارها المتأرجحة والمتأثرة بالتطورات والتقلبات السياسية خاصة خلال الازمات والصراعات والحروب.
ولتحديث التعليم وتجويده فان المسألة تحتاج الى مراجعة شاملة من خلال استراتيجية واضحة يكون في اولوياتها المستجدات المعرفية والمناهج العلمية واسس البحث العلمي والتركيز على التخصصات التي تتماشى وسوق العمل في ظل مرتكزات العمل الوطني التي تركز على قطاعات محددة كاللوجستيات وقطاع الخدمات والثروة السمكية والطاقة المتجددة والسياحة والتي تعد من القطاعات الواعدة لو استثمرت بالشكل الصحيح، حيث يمكنها ان تشكل رقما مهما في الناتج المحلي الاجمالي وتوفير الآلاف من فرص العمل للمواطنين، كما ان قطاع الثروة المعدنية يعول عليه الكثير من خلال التخطيط الاستراتيجي للتنمية المستدامة والتي تمثلها الخطة الخمسية التاسعة والتي تنطلق بداية العام القادم ورؤية عمان التي تنطلق عام 2021 وهي الرؤية التي تستهدف تنويع الاقتصاد الوطني وفق مؤشرات محددة تعتمد على بعض تلك القطاعات الانتاجية التي تمت الاشاره الى بعضها.

الثورة الصناعية
هناك سباق كبير في مجال الثورة الرقمية والتي بدأت تغير المفاهيم التقليدية في مجال الصناعة التقليدية والفكر الاقتصادي والابتكار القائم على المعرفة والتقنية، حيث اصبحت شركات عالمية تتعدى موازناتها وأصولها دول ولاشك ان الابتكار والتقنية والأفكار الحديثة لعبت دورا في الاختراعات والثورة المعلوماتية.
وتعد الثورة الصناعية التي تقوم اساسا على الابتكار والتجديد حدثا فريدا يشهد العالم اول ملامحها فسوق الطاقة في المستقبل القريب مهدد بشكل واضح من خلال ابتكار السيارات الكهربائية التي توفر الوقود وتقلل من تلوث البيئة، كما ان الغاز سوف يكون البديل الاساسي للنفط من خلال كونه طاقه نظيفة وحتى على صعيد استخدام الكهرباء فهناك بدائل كطاقة الرياح والشمس.
والسلطنة بدأت في السنوات الاخيرة عمل مشاريع الطاقة المتجددة في عدد من المحافظات، كما ان الصين القوة الاقتصادية الثانية في العالم اصبحت تكرس جهوها على الابتكار الصناعي وايضا اختراع التطبيقات الخاصة بعملاق الاتصالات الصيني وهي شركة هواوي والتي واجهت اختبارا كبيرا من خلال الحرب التجارية التي اطلقها الرئيس الامريكي ترامب ضد الشركات والمنتجات الصينية وهي المواجهة التي سببت إرباكا للاقتصاد العالمي.
وعلى ضوء مسارات الثورة الصناعية والابتكار فان مسار التعليم العالي لا بد ان يواكب تلك التطورات المتسارعة من خلال التسريع بأدوات تلك الثورة الصناعية ومن خلال تطوير التعليم العالي الحكومي والخاص حتى يمكن ان يكون هناك ربط وثيق بين تطور التعليم العالي وآفاق الثورة الصناعية حتى نكون جزءا اصيلا من التقدم ومواكبة الحضارة الانسانية الحديثة والتي تهدف الى الارتقاء بالانسان وصولا الي تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها الدول خاصة الدول النامية التي ترزح تحت الثلوث القاسي، وهو المرض والجهل والفقر خاصة بعض الدول الافريقية والآسيوية وفي امريكا اللاتينية وفي عدد من الدول العربية التي ترزح تحت وطأة الحروب كما يحدث الآن في اليمن وسوريا وليبيا وفي جنوب السودان ومن هنا فان التطور العلمي الحالي يمكن حل تلك المشكلات في اطار من الرؤية الواسعة ودور الأمم المتحدة في ايجاد الحل السلمي لتلك الحروب.

اقتصاد المعرفة
في ظل التطورات المتلاحقة في المجال المعرفي والثورة الرقمية والابتكار الصناعي بدأ التحول الفعلي نحو الاقتصاد المعتمد على المعرفة ومن خلال القفزات الكبيرة التي تحققها الثورة الصناعية الرابعة ودور التكنولوجيا في الدفع بالاقتصاد نحو الاعتماد على آليات مختلفة تحقق المزيد من الإنتاجية والجودة والتميز.
الشركات تتدافع بشكل كبير نحو تقديم الافضل من المنتجات في مجالات الاتصالات والتصوير ثلاثي الابعاد وتحسين جودة الحياه وتقديم الخدمات المعلوماتية بشكل سريع من خلال الهواتف المبتكرة كما ان الابتكار في مجال النقل البحري وتجارة الحاويات واللوجستيات يشهد طفرة كبيرة سوف تخلق منافسة كبيرة بين اقتصاديات العالم ومن هنا فالاستعداد للمرحلة بكل ابعادها امر ضروري وهام لمسايرة الركب الدولي من خلال التحول المعرفي المتسارع.
ان اقتصاد المعرفة سوف يغير المعادلة بكل ابعادها ولا بد من استشعار تطورات المرحلة والتي بدأت في الدول الصناعية كما ان التقنية اصبحت تلعب دورا مؤثرا على الاقتصاد وخاصة التجارة الالكترونية وزيادة المبيعات من خلال الهواتف والحاسوب، وعندما نتحدث عن تحديات تواجه تجارة التجزئة التقليدية في ظل المنافسة المحتدمة مع التجارة الالكترونية رغم مخاطرها النسبية وعلى ضوء تلك التحولات الكبيرة فإن تطور وإدخال مفاهيم وادوات تتماشى مع الثورة الصناعية واقتصاد المعرفة يعد على قدر كبير من الأهمية، فالعالم يتطور بشكل اسرع والمنافسة في اوج قوتها خاصة في مجال التعليم العالي ولعل مثال دولة كسنغافورة يعطي مؤشرا على أهمية عامل التعليم وانعكاسه الايجابي على مجمل الاقتصاد والصناعة ،وحتى الاستثمار في مجال النقل البحري وهناك امثله عديدة.
ومن هنا لا بد ان تتواصل الجهود من الجهات المختصة والمجلس الأعلى للتخطيط ومؤسسات التعليم العالي لمواصلة تلك الجهود حتى يمكن مسايرة الركب العلمي والحضاري ويتطور الاقتصاد الوطني من خلال معطيات وآليات تعتمد على المعرفه والتكنولوجيا والثورة الصناعية الرابعة والابتكار وهي مجالات تشهد جهودا كبيرة للدفع بها لتحقيق الرؤى الوطنية المختلفة على المدى المتوسط والبعيد.