التعليم المعرفي .. طريق الإبداع والابتكار

إمـــــيل أمـــــين –

أضحت قضية التعليم ونحن على عتبات العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، واحدة من أهم القضايا التي يثار حولها الكلام والسجالات المطولة، إذ يتضح يوما تلو الآخر أن هناك أنماطا جديدة من التعليم قد حان أوان تواريها عن الساحة التربوية لتحل مكانها رؤى خلاقة جديدة ، تواكب تطورات الأحداث ومساقات الأزمنة، ومع الحفاظ على الجوهر، أي أن تكون عملية تعريفية معرفية ، تسعى في طريق رفعة الإنسان في الحال والاستقبال على حد سواء.
والشاهد أن العملية التعليمية لا سيما في عالمنا العربي كانت -وإلى أوقات قريبة- أقرب ما تكون إلى دائرة التعليم الاتباعي ، وبعيدة كل البعد عن طرح التعليم الابداعي ، الأمر الذي تبينت أخطاؤه وتتبين يوما تلو الآخر ، لا سيما في زمن المكتشفات المتتالية ، والابتكارات المتوالية ، وجميعها لا تنشأ إلا في إطار من أريحية المعرفة، وسعة البحث ، ومشاغبة العقل للأفكار الجديدة ، ومن هنا بدأت تتوالد مصطلحات معرفية جديدة من نوعية رأس المال المعرفي ، واقتصاد الابتكار، وكذا اقتصاد المعرفة ، ما يعني أن العملية التعليمية قد تجاوزت بالضرورة الكثير من الحدود المعروفة السابقة.
يعن لنا أن نتساءل بداية: هل باتت العملية التعليمية مرتبطة جذريا بالمعرفة النوعية التي تعيد تشكيل العقل البشري بطريقة تسمح له بالصعود إلى الفضاء وما أبعد من ذلك؟ ، في وقت يبحث فيه الإنسان عن مصادر للحياة سواء الغذاء أو الماء بطرق مستحدثة.
أغلب الظن أن الجواب هو نعم «مؤكدة»، بمعنى أنه من دون التحول من التعليم التلقيني السابق إلى التعليم المعرفي الشامل ، فإن هناك خللا بنيويا كبيرا سوف يصيب المتخاذلين عن التطوير والتغيير، ومن هنا يطفو على السطح طرح التحول التعليمي المعرفي، ذلك القادر على صناعة ثورة تتصل بإعادة صياغة المفاهيم التعليمية النظرية السابقة ، لا سيما في عالم المال والأعمال، بل إننا لا نغالي إن قلنا إن التعليم المعرفي هو المدخل إلى أبجديات اقتصاد المعرفة والعمل به ، وهو النموذج السائد حاليا في أعمال القطاعين الخاص والعام على السواء ، عطفا على مؤسسات الأعمال وإداراتها ، على المستويين المحلي والعالمي ، الأمر الذي كانت له مردودات إيجابية في دول بعينها ، دول لا تمتلك من الموارد الطبيعية أي شيء ، لكنها اليوم باتت من بين الاقتصاديات الكونية المتطورة.
أفضل مثال على نجاحات التعليم المعرفي المؤدي إلى اقتصاد الابتكار والإبداع ، يتجلى في دولة اليابان ، تلك المفرغة في واقع الحال من الثروات الطبيعية ، فهي دولة لا تمتلك نفطا أو معادن ، بل مجموعة من الجزر في المياه الآسيوية .
غير أن أنماط التعليم المعرفي استطاعت أن تخرج أجيالا من المبدعين ، المغيرين والخيريين في الوقت نفسه ، ولهذا أضحت اليابان -باعتبارها الضلع الثالث لمثلث الرأسمالية التقليدية مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية- رقما صعبا في المعادلة الدولية الاقتصادية حول العالم .
والثابت أن مسألة التعليم الابداعي قد وجدت اهتماما غير مسبوق في الأعوام الأخيرة من قبل ساحات وواحات التعليم الدولي، وارتبطت بها ومعها مفاهيم الابتكار والاستثمار، وبنوع خاص اقتصاد المعرفة ذاك الذي اصبح رافدا من روافد الازدهار في أي مجتمع متقدم ، كما يشير إلى ذلك تقرير مؤشر المعرفة العربية للعام 2006 .
في هذا السياق ربما ينبغي علينا الإشارة إلى أن التعليم المعرفي الإبداعي والخلاق لا يعني فقط تطور رأس المال المادي ، واقتصاد السلع والمنتجات فحسب ، وقد كانت النظرة التقليدية دائما وأبدا ترى أن مراكمة رأس المال هو الأمر الأكثر أهمية في مسيرة بناء الأمم والحضارات ، وانه عبر القوة الاقتصادية يمكن فقط التقدم إلى الأمام ، سواء على صعيد الداخل الوطني ، أو فيما يتعلق بفرط الامتداد الامبراطوري ، والحال نفسه بالنسبة للأقطاب الدولية تاريخيا.
فأصبح التعليم الابداعي المعرفي مهموما ومحموما برأس المال البشري ، والذكاء ، والإبداع والابتكار، والتكنولوجيا ، وطرق إدارة المعرفة وغيرها.
كما أن عملية التعليم الابداعية تعني فيما تعنى بقضية استخدام المعرفة لتوليد القيم الملموسة وغير الملموسة ، كما باتت موصولة الشأن باستخدام التكنولوجيا وبالأخص تكنولوجيا المعرفة؛ لتحويل جزء من المعرفة البشرية إلى آلات ، وهذه المعرفة تستخدم من قبل نظم دعم القرار في مختلف المجالات.
ولعل الحديث عن التعليم الابداعي يضع في طريقنا إشكالية مثيرة للخوف ، تلك التي يطلق عليها علماء التربية « الهوة المعرفية»، التي يتوجب علينا في عالمنا العربي أن نتنبه لها بشكل كبير، لا سيما بعد إدراك العالم أن مصير التقدم أو التخلف بات مرهونا بالخلفية العلمية والتعليمية التي تتلقاها أجيال دولة بعينها أو تحرم منها أيضا ، فلا إبداع من دون معرفة ، ولا تنمية من دون معرفة ، ولا اقتصاد خلاق من دون تعليم .
والشاهد أن أحد أروع الأمثلة التي تبين لنا المقدرة الفائقة لمسألة التعليم المعرفي الإبداعي الابتكاري على تحويل الأمم والشعوب من حال إلى حال ، قد ضربه لنا الزعيم السنغافوري « لي كوان يو»، الرجل الذي استلم دولة عبارة عن مستنقعات مائية ، ممتلئة عن آخرها بالبعوض والحشرات الضارة ، ناهيك عن سبيكة مجتمعية متناحرة من أعراق وأقوام مختلفة ومتناحرة . غير أن الرجل استطاع عبر بوتقة تعليمية تقدمية صهر كل ما تقدم ، وبناء رؤية موحدة لدولة عصرانية ، قدر لها أن تنطلق في الآفاق ، ومن هنا يتبين لنا ان القضية تحتاج أول الأمر وآخره إلى إرادة تحريرية من ربقة التقليد والتراث المنحول ، وليس الجيد ، فهناك من الإرث ما يلائم دولة بعينها ، ولا يلائم الأخرى .
على أن السؤال الرئيس في هذه القراءة: كيف نصل إلى مثل هذا المستوى من التعليم المعرفي الخلاق ؟
المؤكد ان الأمر يمضي في اتجاهين لا ثالث لهما: الأول يخص المعلمين ، والثاني موصول بالمتعلمين ، في حين تبقى مسألة المناهج العلمية القاسم المشترك الأعظم بينهما.
أما المعلمون فهم في واقع الأمر القلب المحرك لعملية تعليمية إبداعية، وما عدا ذلك فهو من نافلة القول، وهم الأساس السليم الذي يقام عليه البناء المعرفي المتطور ، وبالضرورة تضحى العملية التعليمية ناجحة اذا كان تكوين المعلمين متسقا مع العصر الحديث بكل أدواته ، فإن المتلقين سيكون نصيبهم جيدا جدا ، ما يعني إكمال السعي إلى دائرة عليا من التقدم والتطوير .
والعكس بالعكس بمعنى أنه حين تكون أحوال المعلمين متردية ، فالنتيجة سوف تضحى معروفة ؛ ولهذا فإن السجال الذي دار قبل بضعة أعوام بين المستشارة الألمانية انجيلا ميركل وبين الأطباء في بلادها يدلل على صدقية ما نقول به ، فقد احتج الأطباء في ألمانيا أن ميركل تعطي رواتب أكثر للمعلمين من الأطباء ، فجاء ردها انه من غير أولئك لم يكن لكم أن تتلقوا تعليما جيدا يقودكم إلى ما أنتم فيه من نجاحات علمية وطبية.
أما المتعلمون فهؤلاء مسؤولية الدولة أولا وأخيرا من خلال الاهتمام بأحوالهم الصحية والنفسية ، ومن ثم المتابعة وقياس القدرات ، والاهتمام بالكفاءات المتقدمة فيهم ، عطفا على قضية البعثات العلمية إلى الخارج ، وكافة ما يدور في هذا الفلك.
والمؤكد جدا انه ما من عملية تعليمية معرفية مبدعة من غير مناهج رائدة وقائدة ، مناهج تشاغب العقل ، وتطرح الأسئلة ، وتفتح الباب لإعمال العقل في النقل ، مناهج تفتح الأبواب واسعة للمسألة البحثية ما يكَّون بيئة ابداعية أمام الأطفال ، ومناهج تقوم إلى جانبها مراكز للابتكار في كل مؤسسات الدولة ، إضافة إلى الشراكات المجتمعية التي تعزز من الابتكار والإبداع .
أحد أبدع أنواع التعليم هو ذاك الذي اشار اليه عالم النفس الأمريكي «توم ماركام»، وضمنه خلاصته المنهجية المعروفة باسم « التعلم القائم على المشاريع»، وعنده أن الابتكار هو الأمر الذي يحتل الصدارة في الوعي العام العالمي الحاضر ، لا سيما واننا أمام حاجة ماسة إلى إعادة اختراع كل شيء مرة جديدة تقريبا ، سواء أكان التقدم العلمي ، أو الاختراعات التكنولوجية ، أو الهياكل السياسية والاقتصادية الجديدة ، او الحلول البيئية ، أو الأطر الأخلاقية للحياة في القرن الواحد والعشرين ، فكل شيء من حولنا في تدفق ، وكل شيء يتطلب تفكيرا ابتكاريا بعيدا عن التفكير داخل الصندوق .
ما الطرق التي يشير علينا بها « توم ماركام»، من أجل أن يكون تعليما ابتكاريا من جهة وقادرا على دعم اقتصاديات عالمنا المعاصر من جهة ثانية ؟
يضيق المسطح المتاح للكتابة عن الشرح الوافي ، لكن باختصار غير مخل نشير إلى عشرة منطلقات هي الانتقال من المشاريع إلى التعليم القائم على المشاريع ، وتعليم المفاهيم وليس الحقائق ، والتمييز بين المفاهيم والمعلومات المهمة ، وجعل المهارات على القدر ذاته من أهمية المعرفة ، وتشكيل الفرق وليس المجموعات ، واستخدام أدوات التفكير ، واستخدام أدوات الإبداع ، مكافأة الاكتشاف ، وجعل التأمل جزءا من الدرس ، لتكونوا مبتكرين في ذاتكم .
أما السؤال الأخير قبل الانصراف فهو: «هل اقتصاد العالم الحديث بات مرهونا بالمعرفة والتعليم بأكثر من كونه معتمدا على الموارد الاقتصادية برا وبحرا وجوا ؟»
أغلب الظن أن ذلك قول وفعل ، فهناك علاقة ما مؤكدة بين الانفجار المعرفي والمعلوماتي الذي غير ملامح الحياة وبدل وعدل من سمات البشر وطرائق معاملاتهم في العقود الأخيرة وبين عالم الاقتصاد والمال والتجارة والأرباح .
لقد خلص الاقتصاديون إلى أن المعرفة طريق لريادة الأعمال ، وان المعرفة كذلك سلعة غاية في الأهمية ، وان اختلفت في شكلها عن بقية السلع التقليدية ، وبخاصة السلع ذات الطبيعة المادية ، فالمعرفة سلعة اقتصادية تشكل آلية قوية للنمو الاقتصادي ، كما انها سلعة يصعب التحكم فيها وغير قابلة للحصر.
هل يفهم المرء الآن سبب حروب التجسس الاقتصادية بين الدول على المعلومات وعلى البيانات بصفتهما الركيزتين اللتين تشكلان القاعدة الرئيسية للمعرفة ؟
انه عالم متشابك بين التعليم والمعرفة ، بين الاقتصاد والعلم ، بين العسكرية والسياسية ، والخلاصة فإن التعليم هو القضية وهو الحل.