عالم صوفي

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

عرض عليَّ أحدهم قراءة رواية جوستاين غاردر (عالم صوفي) قبل ربع قرن، ولكنني لم أستسغها حينها ولم أستطع إكمالها، وتفاجأت مرة أخرى بمجموعة القراءة ترشحها للجلسة القادمة، فاشتريتها بدافع الفضول لمعرفة السبب الذي جعلها ما زالت متربعة على قائمة أكثر الروايات انتشارًا رغم مرور كل هذه السنوات، ورغم أن الرواية تقع في خمسمائة صفحة تقريبًا، إلا أنني انتهيت من قراءتها في غضون عشرة أيام، الرواية تعتبر استعراضا لتاريخ الفلسفة الأوروبية، بدءًا من فلسلفة الطبيعة، لكن تداخلت في نهايتها الفلسفة مع علم النفس -عند وصول الكاتب لمرحلة (فرويد)- وانتهت بالفلك، بأسلوب شيق، جعل دروس الفلسفة المملة في الغالب تبدو ممتعة، وقربها بأسلوبه القصصي البسيط من شرائح القراء المختلفة، تماما كما وصف الفيلسوف الإغريقي شيشرون سقراط بأنه (أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، وتركها تعيش في المدن، تدخل البيوت، مجبرة الناس على التفكير بالحياة، بالتقاليد، بالخير والشر).
إنها رواية داخل رواية، صعقتني في صفحاتها الأولى بالسؤال الوجودي المتكرر (من أنت) جعلتني أضع الرواية وأتفكر فيها مليًا، ومما زاد دهشتي أنني في ذات اليوم كنت أستمع لبعض الفيديوهات أيضا لأحد المدربين يتعرض لنفس السؤال (من أنت)، مما جعلني طوال الأيام الماضية أتوقف مرارًا عند هذا السؤال الذي على بساطته استعصى على البشرية الاتفاق على إجابة شافية عليه.
جعلني الكتاب في حالة دهشة، تساؤل كبطلة الرواية في كل ما يدور حولي، أهو حقيقة أم خدعة من حواسي، أهي ثابتة فعلا الأشياء من حولي أم متحركة، إذ إنه يجبرك فعلا على طرح الأسئلة والتفكر، وهو كتاب حافل بالحقائق والمعلومات بطريقة مبسطة، تجعله أختيار جميل لمن يريد معرفة شيئًا عن الفلسفة.
بالنسبة لي كمهتمة بالتنمية البشرية، لا شكل أن مرحلة (فرويد) بالذات كانت مثيرة للاهتمام ففرويد هو أب علم النفس الحديث الذي بنيت عليه فلسفة التنمية البشرية، وهو أول من اكتشف الحياة الغرائزية للإنسان وتأثيرها على سلوكياته، كما تحدث كثيرًا عن دور اللوعي والمشاعر المكبوتة في صحة الإنسان، وحياته بشكل عام. تجعلك الرواية تصل لذات الاستنتاج الذي توصل له سقراط أنك (لا تعرف).