آن شارلي شخصية خيالية فائقة الجودة

ليلى عبدالله –

ترسخت شخصية «آن» في رواية «آن في المرتفعات الخضراء» أو «آن في المراعي الخضراء» الطبعة العربية التي صدرت عن دار المنى. رواية من تأليف الكاتبة والروائية الكندية «ل. م. مونتغمري» وترجمة «سكينة إبراهيم». عند كل من تصفّحها منذ ظهورها في كتاب كشخصية ورقية عام 1908م وتجسيدها كشخصية فنيّة في أفلام ومسلسلات ورسوم كارتون، حتى يمكن القول، بأنها شخصية تمثّل كل الأجيال.
الرواية تتناول شخصية الطفلة اليتيمة «آن» منذ مراحل طورها الأولى، كيف أنها تعمل في بيت عائلة السيد توماس، وهي عائلة تكفلت برعايتها بعد موت والديها، فقد كانت السيدة توماس تعمل خادمة في منزلهم، عنيت السيدة توماس بآن غير أن مع مرور الوقت وكثرة انجاب الأطفال، صارت «آن» تقوم برعاية الأطفال وأحوال البيت، تتعلم الطفلة الكثير من الأمور في هذه العائلة، في الوقت نفسه تحاول مع كل فرصة مواتية على تعليم نفسها تهجئة الحروف، وتجد رغبة كبيرة في قراءة الكتب.
تكبر الطفلة، ويكبر خيالها معها، لعل أكثر ما يميز شخصية «آن» هو كمية الخيال التي تتمتع بها، فقد كان درعًا قويًّا لها على صدّ صعوبات الحياة، والأعمال الشاقة في منزل السيدة توماس، وغيرها من المنازل التي خدمت بها، حتى الشهور التي قضتها في الميتم جعلتها تخترع صديقة وهمية من فيض خيالها الشاسع واسمتها «كات»، تحكي لها ما يجول في فكرها وتحاكم نفسها كلما خذلتها الحياة من حولها، وكلما وصمها أحدهم بالساحرة ذات الشعر الأحمر والوجه المنمّش. لكن الحياة تستقيم نوعًا ما حين تجد آن فرصة الخروج من الميتم حين تتبناها عائلة تعيش في جزيرة الأمير إدوارد، حيث الطبيعة الخلابة، تشعر «آن» بسعادة مفرطة، وهي في طريقها إلى هذه الجنة كما تخيلتها، غير أن آمالها تتحطم، حين يستقبلها رجل في العقد الخامس من عمره تقريبا، ويندهش بوجود فتاة عوضًا عن الصبي الذي قدموا طلبًا إلى الميتم لرعايته ولمساعدتهم في أعمال المزرعة الشاقة على «ماثيو» الذي صار يعاني من عطب في قلبه، لكن «آن» تستحوذ بأحاديثها على مشاعر «ماثيو» وحين يصلان المزرعة حيث يقيم مع أخته «ماريلا» التي تكبره بأعوام تستاء في البدء من وجود فتاة عوضًا عن صبي، وتحاول إعادتها إلى الميتم، وتجد «آن» نفسها تغرق في تعاسة وتستعيد تفاصيل حياتها القاسية، لكن حيوية «آن» واندفاعاتها تنجح في النهاية من قلب كيان امرأة جادة كـــ«ماريلا» وتعيش في كنفهم بسعادة رغم أخطاء «آن» ورغم تحديات الحياة. أكثر ما يميز «آن» لاسيما في مرحلة المراهقة هو حيويتها في التعاطي مع الآخرين، خيالها الفيّاض لتليين فجاجة الواقع، ميلها إلى اختراع حكايات وشخصيات خيالة تتقمّصهم كما لو أنها مسكونة بعدة شخصيات، تظهر وتختفي وفق الظروف.
تغدو «آن» أنموذجًا مثاليًّا لفتيات في سن البلوغ، فتاة تتمتع بالذكاء والخفة، تجد في قراءة الكتب عالماً سحريًّا يفضي بها إلى أماكن وحيوات طالما رغبت أن تحياها، لعل يتمها كان مبعثًا حقيقيًّا لإكساب خيالها بعدًا جبّارًا، ولعل أكثر ما جعل «آن» شخصية حقيقية حافلة بالحيوية في كونها تقمص لشخصية الروائية «مونتغمري»، فقد عايشت طفولة شبيهة، وتوفي والدها في سن صغيرة، ثم انتقلت للعيش في منزل جديها الصارمين، لكن الطبيعة الغنية من حولها ووجود الأصدقاء خفف عنها جرعة الواقعية، وجعل منها معلمة، وهي لا تزال في الخامسة عشر من عمرها.
النجاح الذي تكللت به الرواية لم يكن نجاحًا ورقيًّا فحسب، بل دراميًّا أيضا؛ فالرواية تم تصويرها عدة أفلام ناجحة ورسوم كارتون للأطفال تم دبلجتها للغة العربية. وكان آخرها المسلسل الذي عرض في موقع الأفلام الشهير «نتفليكس»، مسلسل عرض من موسمين، وتم الإعلان عن نزول حلقات الموسم الثالث في بداية العام القادم.إحياء الأعمال الروائية الكلاسيكية عبر تصويرها لأفلام ومسلسلات هي فرصة للعودة إليها، ولتكون متداولة لجميع الأجيال، والمساهمة في تخليد شخصيات أدبية تمتعت بأخيلة وذكاء وخفة وحيوية، ضاجة بالحياة، مخففة جرعة الواقعية الفجة.