أحافير في متحف نيروبي الوطني تخفي أسرارا منسية

نيروبي «أ.ف.ب»: – داخل درج خشبي في مكتب متواضع في الجزء الخلفي من متحف نيروبي الوطني، علبة كتب عليها «اسحب بعناية» تحوي عظمة فك ضخمة تعود إلى آكل لحم من عصر ما قبل التاريخ أعلن الباحثون هذا العام أنه نوع جديد من الكائنات. وقال عالم الإحاثة الكيني جوب كيبي حاملا عظمة الكائن العملاق «سيمباكوبوا كوتوكافريكا» التي تعود إلى 23 مليون عام وأثار اكتشافها اهتماما عالميا، «هذه العظمة فريدة من نوعها».
إلا أن هذه المتحجرات لم يعثر عليها خلال العام الحالي ولا خلال هذا العقد ولا حتى في هذا القرن. فعلى مدار 40 عاما تقريبا، بقيت هذه العينات، وهي دليل على وجود أكبر كائن مفترس على الإطلاق في إفريقيا وهو من آكلي اللحوم يبلغ وزنه 1500 كيلوغرام، في درج عادي في وسط مدينة نيروبي.
أدرك موظفو المتحف أن العظام كانت شيئا مميزا لكنهم لم يعرفوا ما هو بالضبط، وقد شكّل سيمباكوبوا مصدرا للفضول لا أكثر.. لكن كيف لم تعرف أهمية هذه الأحافير التي عثر عليها خلال حفريات أثرية في غرب كينيا في أوائل الثمانينات كل هذه الفترة الطويلة؟
وأوضح كيبي الذي يرئس قسم الأحافير في المتحف الوطني في كينيا، وهو يضم مجموعة لا تضاهى في شرق إفريقيا إضافة إلى أكبر عدد من المتحجرات في العالم لوكالة فرانس برس «لدينا أطنان وأطنان من العينات… التي لم يتم تحليلها بعد. وبالتأكيد هناك أمور ما زالت تنتظر اكتشافها».
لم يتغير الجناح الرئيسي للمتحف كثيرا منذ أن بدأ عالم الأحافير الكيني لويس ليكي في تخزين اكتشافاته في أوائل الستينات. ولا يزال يستخدم نظام التصنيف اليدوي لإيجاد أحفورة محددة. ومع ذلك، ازدادت المجموعة بشكل مطرد وبسرعة كبيرة وكان ذلك الأمر أكبر من طاقة كيبي وفريقه الصغير المؤلف من 15 شخصا.
وقال كيبي متوقفا بين الحين والآخر أمام الرفوف المليئة بالغبار التي تقبع عليها اكتشافات يعود بعضها إلى أكثر من نصف قرن، «ليس لدينا مساحة كافية».
ولفت إلى أنه «في هذا القسم وحده لدينا أكثر من مليون عينة». ومن خلال الحفريات التي تقام بانتظام في أنحاء البلاد من جانب فرق من حول العالم، يصل 7 آلاف إلى 10 آلاف أحفورة جديدة إلى المختبر كل عام.
وينص القانون الكيني على أن كل الأحافير التي تكتشف في البلاد توضع في المتحف لتصنيفها وتخزينها والاحتفاظ بها للأجيال المقبلة. ويمكن بسهولة تصنيف متحجرة بطريقة خاطئة إذا لم يتوافر خبير لتحديد طبيعتها.
في بعض الحالات، ترسل تلك الأحافير إلى «منطقة الانتظار» حيث توجد متحجرات غير محددة في صناديق من الورق المقوى. وقال مدير المجموعات فرانسيس موشمي فيما كان ينظف ضرس فيل عملاقا «لدينا أحافير غير مصنفة تعود إلى الثمانينات».
وقد واجه سيمباكوبوا المصير نفسه. ففي البداية، اعتبرت هذه المتحجرة أنها تنتمي إلى عائلة الضباع ووضعت في غرفة مجاورة وبقيت طي النسيان حتى عثر عليها صدفة باحثون أميركيون.
وحتى اليوم، يفتقر المتحف إلى المتخصصين والموارد. وكيبي هو واحد من سبعة علماء كينيين فقط موجودين فيه. وهو تلقى علومه في جنوب إفريقيا لأن هذا الاختصاص غير موجود في بلده. وأشار موشيمي الذي تعلم تقنيات هذا العمل من خلال الخبرة الطويلة في هذا المجال إلى أن هذا الأمر «مهم لأن كينيا مهد للتطور البشري… 99 % من العاملين هنا أجانب». وأوضح كيبي أن علم الاحاثة في كينيا لا يعتبر بالأهمية نفسها لإنقاذ الأنواع الحيوانية المهددة بالانقراض، مضيفا «بقيت تلك الأحافير مدفونة لملايين السنوات. مما تريد إنقاذها؟» إنها واحدة من الحجج المقدمة، كما قال.وأضاف «لطالما تساءلت ما الذي يقبع على بعض هذه الرفوف. سيمباكوبوا يخبر قصة جديدة. ماذا لو كان لدينا، من بينها 10 أو 20 أحفورة تضم قصصا جديدة لم ترو بعد؟»