التقدم الاجتماعي .. التحدي المهم في مرتكز التنمية

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

من يبحث في محاور التنمية المختلفة، ومرتكزاتها المهمة يجد في أجندتها الكثير من الـ «مهم» وكل محور أو مرتكز؛ يكاد يتقدم على ما بعده في الأهمية، لأنها مرتبطة بحياة هذا الفرد في المجتمع، وهي الذاهبة إلى تحقيق طموحاته، وآماله، للوصول إلى حياة آمنة مستقرة، مساهما هذا الفرد بصورة مباشرة؛ أو غير مباشرة؛ فالمهم أن تظل التنمية هي الحاضنة الكبرى لتحقيق هذا الاستقرار، وهذا الأمان النفسي والاجتماعي على حد سواء.

لذلك يعيش صاحب القرار على قدر كبير من التفاعل مع مختلف هذه المحاور، فوق ما يعيشه من تحديات مختلفة لتحقيق ما يصبو إليه هذا الفرد في المجتمع، فالغاية هي الوصول إلى حياة كريمة لجميع السكان من مواطنين وغير مواطنين، وهذا أمر ليس يسيرا تحققه في ظل تحديات كثيرة تحدث على الواقع؛ بعضها قائمة ومتلازمة مع الزمن، وبعضها الآخر تفرضه ظروف إقليمية ودولية، وبعضها طارئة، تحل هكذا من غير سابق موعد، ومن هنا يأتي بناء الاستراتيجيات والبرامج التنموية، ويتخللها الكثير من البنود المتعلقة بمختلف الحالات الطارئة، ومع تقدم التجربة والخبرة، تكون هذه الرؤى الحاضرة «سلفا» بمثابة مصدات زمنية حاضرة لأي ظروف طارئة، وهذه الصورة تذهب إلى حالة الاستشراف الدائمة التي يعيشها صاحب القرار، وإلى وضع الخطط والاستراتيجيات القادرة على التفاعل مع مختلف الظروف التي توصف غالبا بـ «الاستثنائية».
الحديث هنا لا يذهب كثيرا إلى الحالات الاستثنائية، ولا يناقش مختلف محاور التنمية ومرتكزاتها، وإنما يذهب أكثر إلى جانب واحد فقط من هذه المحاور أو المرتكزات، وهو الجانب الاجتماعي، والذي يشكل أحد أهم المحاور في أي تنمية، وهو المحور الذي يلقى ترحيبا واهتماما غير عاديين لدى منظمات الأمم المتحدة، على وجه الخصوص، والاهتمام به قائم على امتداد الزمن، وليس موقوتا بظرف زمني معين، أو بظرف طارئ طبيعي أو مفتعل، ويأخذ هذه الأهمية من أهمية حقيقته، وهي الإنسان الفرد المسخر له كل ما يحمله مفهوم « التنمية».
وفي حالتنا العمانية؛ لا تزال هذه التنمية تحظى بالاهتمام الكبير الذي يوليه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – لأبناء عمان، وهو المسكون دائما بهذا الاهتمام والرعاية السامية بهم، منذ البدايات الأولى للنهضة المباركة، فقد خصصت الحكومة وزارة معنية تحمل اسم «وزارة التنمية الاجتماعية» منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين المنصرم، ومرت بمراحل تطويرية مختلفة، وهي اليوم تضطلع بدور كبير لتعزيز مختلف البنى الاجتماعية، وتعزيز النسيج الاجتماعي في السلطنة، وخدماتها معروفة، وملموسة، وهي على قدر كبير من التقدير، وإعلاء شأنها في خدمة التنمية المستدامة في السلطنة بجانب مختلف المؤسسات المعنية بذات العلاقة، وهذا من شأنه أن يضفي الرضا والأمن الاجتماعي على المواطنين على امتداد الجغرافيا العمانية بلا استثناء.
منذ فترة لفت انتباهي تدشين البرنامج الوطني («هويتنا قيم ومسؤولية» .. آمال وتطلعات) حيث «دشنت وزارة التربية والتعليم في (21/‏‏2/‏‏2019م البرنامج الوطني هويتنا قيم ومسؤولية (…) وذلك يأتي تنفيذا لقرار مجلس الوزراء الموقر لهذا البرنامج، لتعزيز دور مؤسسات القطاعات الحكومية في ترسيخ الاتجاهات الإيجابية لدى النشء، وغرس قيم المواطنة في نفوسهم، والاعتزاز والمحافظة على هويتهم وتاريخهم العريق، وفي هذا الجانب أشار صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد، وزير التراث والثقافة، رئيس اللجنة الاجتماعية والثقافية المنبثقة من مجلس الوزراء إلى أن البرنامج الوطني «هويتنا قيم ومسؤولية» جاء ليحقق أحد مرتكزات الرؤية المستقبلية (عمان 2040) وهو «الهوية والمواطنة» في محور «الإنسان والمجتمع» باعتبار المواطن أساس عملية التنمية وغايتها (…)» – جريدة عمان في 6/‏‏3/‏‏2019م؛ العدد (13791) – وهذا بلا شك يعد إضافة نوعية في مسيرة التنمية الاجتماعية في السلطنة، فالهوية المجتمعية تفرض حضورها في مختلف الأفعال الاجتماعية، ويعوّل عليها كثيرا في تنفيذ أجندات التنمية المختلفة، فالشعور بالانتماء الصادق، هو الحافز؛ في حد ذاته؛ لتجاوز الكثير من المظان التي من شأنها أن تعيق تنفيذ الخطط والبرامج، وهي الحاثة دائما على تبني المشروعات المتعلقة بالتنمية في مناخاتها المختلفة، وما نعيشه في واقعنا العماني؛ نحمد الله عليه؛ حيث هذه اللحمة الاجتماعية الرائعة بين أبناء عمان في مختلف الظروف، والحالات الاستثنائية، وبما يعزز الدور الأكبر الذي تقوم به الجهات المعنية ذات العلاقة، وهذه ميزة يظل تعزيزها ودفعها للمساهمة أكثر قائم ومهم لتبقى هذه الصورة على تجلياتها الصادقة والأمينة في هذا البلد العزيز، والكريم.
وعندما نخرج من محليتنا، ونذهب إلى التوسع في قراءة الواقع الاجتماعي لمختلف دول العالم؛ كما تعكسها التقارير الدولية، نجد أن كل المدن تواجه تحديات، تحمل عناوين كثيرة: ديموغرافية، لوجستية، بنى أساسية، ويبقى الامتحان في القدرة على التوفيق بين الإمكانيات المتاحة للتقليل من الآثار المترتبة على نمو هذه القضايا، وعلى القدرة على صياغة برامج إنمائية تتواكب ومتطلبات هذه التحديات في كل فترة زمنية متقدمة، هي المحك في مختلف التجارب التنموية التي تعيشها كل دول العالم، المتقدم «تنمويا» والمتأخر، ولعل «النقص في توفر المساكن والطرق والمياه والأماكن العامة والصرف الصحي والكهرباء إلى جانب ضعف البنية التحتية، يؤدي كل ذلك مباشرة إلى ارتفاع مستوى الفقر والجريمة والتلوث والقضايا الصحية» كما أشارت إلى ذلك بعض التقارير الدولية، بما يعكس حقيقة أن هذه قضايا دولية، تعاني منها كل المدن، بلا استثناء، ويبقى الحل في القدرة على إيجاد حلول مبتكرة لمواجهة هذه القضايا في مجملها، فالمدن؛ وفق هذه التقارير؛ «هي المكان الذي تتجلى فيه تحديات المناخ وعدم المساواة وغيرها من القضايا الأخرى الهامة، وتولد فيها كذلك حلول مبتكرة لتلك القضايا» ولأن المدن؛ أيضا؛ «تنمو الآن بشكل غير اعتيادي، حيث يعيش أكثر من نصف سكان العالم حاليا في مناطق حضرية. ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى ثلثي سكان الكوكب بحلول عام 2050. وهذا يجعل التوسع الحضري أحد أهم القضايا في عصرنا، وعنصرا محوريا للتنمية المستدامة» كما جاء ذلك في (أخبار الأمم المتحدة) وفق ما أشار إليه موقع
https:/‏‏/‏‏www.un.org/‏‏development/‏‏desa/‏‏ar/‏‏news/‏‏sustainable/‏‏un-forum-spotlights-cities.html

تاريخ الزيارة: الاثنين 8/‏‏7/‏‏2019م، س12 صباحا.
ووفق هذه المشاهدات، أو المتابعات، يمكن الوصول إلى خلاصة؛ وهي: أن القضايا الاجتماعية هي ذاتها الحقوق الاجتماعية، وبالتالي فمنشأ أية قضية اجتماعية عائد إلى أن هناك نقصا في الحقوق الاجتماعية، وعدم قدرة برامج التنمية في الإيفاء باستحقاقات أفراد المجتمع من هذه البرامج التنموية، ومنشأ التباين بين الدول عائد إلى الإمكانيات المادية لدى الدول في تفردها، وعند النظر إلى ضرورة المساواة بين الدول الفقيرة والغنية في توفير الحقوق الاجتماعية المستحقة، عندها لا بد من تدخل المنظمات الدولية ذات العلاقة التي تسهل تحقق هذه الخدمات على الواقع، وإلا سيظل التمايز قائما في الدول فيما يخص توفر الحقوق الاجتماعية لكافة شعوب العالم، غنيها وفقيرها، ومن هنا ينظر إلى التقدم الاجتماعي على أنه العنوان الرئيسي لأي تجربة تنموية قائمة، أو في طريقها إلى التحقق، وعندما يشار إلى «عملية تنموية» بأنها «تجربة» فإن ذلك معناه مكوثها الطويل في وضع الاستراتيجيات والبرامج للحد من تأثيرات المباشرة على مجموع الناس المستفيدين منها، لتجدد أسباب تطورات تحدياتها؛ من ناحية؛ ولعدم القدرة الفورية على القضاء على أي تحد يستجد، لضعف الإمكانيات المتاحة في حينها، وهذه إشكالية كل التجارب العالمية، كما تشير إلى ذلك تقارير الأمم المتحدة المعنية بالتنمية الحضرية على وجه الخصوص.
اختم هنا بخلاصة استشفها من كتاب: (أوديسا التعددية الثقافية – سبر السياسات الدولية الجديدة في التنوع)؛ (مترجم) وهو للباحث «ويل كيمليك» والذي كتب يقول: «لقد اعترف منذ وقت طويل بأن بعض الحقوق الاجتماعية المدرجة في الميثاق الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا يمكن أن تنفذ في الحال في بعض الدول الأكثر فقرا (مثل الحصول على تعليم جامعي مجاني) إذن، فمن الطبيعي أن نفرّق بين تلك الحقوق الاجتماعية التي يجب تطبيقها فورا بشكل عالمي وتلك التي نسعى إلى تحقيقها مع مرور الوقت بتوافر الظروف التي تسهل تحقيقها، وعلى الرغم من أن الدول في البلاد الفقيرة لا يتوقع منها أن تحقق أعلى المعايير فورا، فإنه يتوقع منها أن توضح ما الذي تفعله لتوفير الظروف التي تمكّن هذه المعايير من التحقق بشكل متقدم».