عن خلط الأوراق في ملفات الشرق الأوسط

د. عبد العاطي محمد –

تتوالى الأحداث والمواقف المتناقضة الخاصة بتطور الملفات الساخنة في الشرق الأوسط، فيما يشير بوضوح إلى أن مسارها ينتقل من وضعية التفاوض والحوار الإيجابي، إلى وضعية خلط الأوراق. والوصول بهذه الملفات إلى هذه الوضعية لا يعني فقط الفشل في مسار التفاوض والحوار الإيجابي، وإنما دفع مصير كل منها إما إلى الحرب، أو إلى فرض إرادة ومصالح الطرف الأقوى أو المؤثر بعيدا عن قواعد العدل والإنصاف والمبادئ والقيم الإنسانية.
ليست هذه دعوة مفتعلة للتشاؤم، وإنما هي إقرار بتطورات على أرض الواقع تتم على مسمع ومرأى الجميع، والغرض هو أن يعي أهل القرار حقيقة ما يجري والتحلي بالحكمة بألا تقع المنطقة العربية في الفخ مجددا وكفى ما أصابها من خسائر.
قبل تفصيل وتوضيح أبعاد هذا التحول المقلق، ومن ثم استشراف المستقبل، فإن المقصود بخلط الأوراق في أي أزمة من الأزمات هو أنه أسلوب يلجأ إليه أحد الأطراف أو كلاهما يتم بمقتضاه تنحية أوراق وإضافة أوراق أخرى لم تكن واردة بالضرورة بما يغير إلى حد كبير من شكل وطبيعة الموضوع محل الخلاف، والهدف هو التراجع عما تم إنجازه والدفع بهذا الموضوع إلى المجهول. وغالبا ما يكون خلط الأوراق مسألة مؤقتة فرضتها ظروف طارئة ومن ثم العودة عنه واردة، ولكن في حالة أزمات الشرق الأوسط المعقدة والمهددة دائما باللجوء إلى الحرب، يتعدى خلط الأوراق ما هو متعارف عليه، ليصبح تدشينا لمرحلة مختلفة تماما حبلى بالمفاجآت السيئة.
في العراق تفاءلنا خيرا عندما تم إعلان النصر على «داعش» قبل نحو 6 أشهر، ولكن لم يمض وقت طويل حتى عاد التحذير من قدرة التنظيم عبر خلاياه النائمة على القيام بنشاط جديد وحدث ما يؤكد ذلك، ثم لم يمض وقت طويل أيضا حتى طفت على السطح مشكلة الهجوم على مواقع للحشد الشعبي الذي فتح بابا للفتنة الداخلية بين من يرون أن العملية تمت من جانب إسرائيل تحديا من جهتها لإيران بالنظر إلى علاقة الحشد بطهران، ومن يرون أنها تمت بعلم الولايات المتحدة ولنفس الغرض ضمن الصراع الجديد بين واشنطن – ترامب وطهران، وبين من يحملون الحكومة العراقية المسؤولية بالكامل. ومع مؤشرات لأزمة بين بغداد وواشنطن على خلفية هذا الهجوم، خرج علينا ترامب نافيا علم بلاده بملابسات هذا الهجوم. وبالنظر لكلا الأمرين: عودة «داعش» والهجوم على الحشد، فإن التساؤل الذي ضغط على كل الأطراف دون الحصول المتعمد على إجابة هو ما حقيقة التعاون الاستراتيجي القائم بين بغداد وواشنطن؟، أهو حقا كذلك أم ورقة تستعملها الأخيرة بالطريقة التي تراها لمصلحتها حتى لو لم تحترم التزاماتها مع الحكومة العراقية؟. وأضيف إلى المشهد تطورا آخر هو الصدام مع حزب الله في لبنان كجزء من الصدام مع إيران في الحرب السياسية القائمة بينهما، وذلك عندما تعرضت منشآت للحزب في جنوب بيروت للتدمير بطائرات مسيرة (درون) إسرائيلية. لقد كانت ورقة أخرى لخلط الأوراق.
وفي سوريا تصاعدت وتيرة الأحداث بشكل دراماتيكى مع تقدم القوات السورية (قوات الجيش السوري) في ريف حماة وإدلب وكأنها المعركة الأخيرة بين النظام والمعارضة المسلحة التي يبدو فيها الأمر وكأنه بات محسوما لصالح النظام، خصوصا مع وجود تدخل قوي إلى جانبه من روسيا، ووصل التهديد إلى وضعية تركيا في الأزمة برمتها والتقى الرئيس أردوغان مع الرئيس بوتين سريعا ولكن التطورات على الأرض بقيت كما هي، واضطرت أنقرة إلى منع عبور الفارين من معارك إدلب إلى أراضيها. وهنا أثير نفس التساؤل حول مصير التحركات والاتفاقات التي جرت وشملت كلا من روسيا وتركيا وإيران، ألا تدل التطورات الجديدة على أن الأزمة السورية انتقلت من الحوار إلى مرحلة خلط الأوراق، تماما كما يجري في العراق مع الفارق بالطبع؟.
وكانت اليمن هي المفاجأة الكبرى، وذلك عندما وقع الانقسام بين قوات الشرعية وقوات المجلس الانتقالي وبات أبناء الجنوب يقاتلون بعضهم بعضا!، وتصاعدت مجددا الهواجس القديمة بإمكانية تقسيم اليمن والعودة بأوضاعه لما كانت عليه قبل وقوع الثورة اليمنية على حكم الإمامة (1963)! وازداد الموقف غموضا مع التساؤل حول موقف التحالف مما جرى ويجري، فكانت الإجابات شيء والواقع شيء آخر. ثم فاجأتنا التقارير الغربية بأن هناك اتصالات بين إدارة ترامب وجماعة «أنصار الله» دون أن يرشح شيء محدد في هذا الصدد. لقد باتت الأزمة اليمنية لغزا بسبب ما يتم رصده من وقائع ومواقف متناقضة، أي التأكيد على أنها دخلت مرحلة خلط الأوراق، كغيرها في العراق وسوريا.
وأما الملف الفلسطيني فهو أكثر وضوحا كمثال للتدليل على خلط الأوراق بالمعنى المشار إليه سلفا. فبعد الاتفاق العام بين كل الأطراف المعنية والذي استمر لعقود حول أسلوب حل الصراع العربي الإسرائيلي وتفريعا عنه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، جاءت إدارة الرئيس ترامب بأسلوب مضاد تماما، ليس بالطبع اللجوء إلى الحرب، وإنما وضع منطلقات جديدة تماما من شأنها أن تقود إلى نتائج مختلفة عما كان من المفترض أن تؤدي إليه عملية التفاوض السلمية الممتدة منذ مؤتمر مدريد1991. وذلك عندما قالت إن الحل يبدأ بالعمل الاقتصادي وصاغت الطرح بشكل مهين هو أن يبيع الفلسطينيون حقوقهم في إقامة دولتهم نظير حصولهم الآن مع أطراف عربية أخرى معنية بالقضية على 50 مليار دولار يجري تسديدها على عشر سنوات!، بعدها يمكن الحديث عن المضمون السياسي للحل الأمريكي الذي ظل سريا!. ولم تتردد الإدارة الأمريكية في القول بأنها لا ترى طريقا سوى قطع الأموال عن السلطة الفلسطينية مما يجعلها ترضخ وتقبل بمجاراة الحل الاقتصادي المطروح. وقال مسؤولون أمريكيون إننا دفعنا أموالا كثيرة للفلسطينيين (هم وغيرهم) لكي يصلوا مع الإسرائيليين إلى حل سلمي، ولم يحدث شيء، فلماذا لا نجرب أسلوبا آخر؟!.
إذا وضعنا روسيا جانبا لأن يديها في ملف واحد هو الملف السوري، فسنجد أن الولايات المتحدة بقيادة ترامب هي الطرف الدولي الذي يقوم بمهمة خلط الأوراق في المشهد العام المعاصر، لأن يديها موجودة بقوة في الملفات الأخرى السالف الإشارة إليها. ومن الواضح على ضوء التحركات والضغوط التي تقوم بها هذه الإدارة أن الولايات المتحدة تريد تحقيق عدد من الأهداف عن طريقها.
من ذلك توسيع مجال كل أزمة بإضافة أوراق لم تكن مطروحة ولا وارد طرحها أصلا بما يجعل مصير أزمة هنا مرتبط بمصير أزمة هناك. ومن الطبيعي كلما تعددت أوراق كل ملف وكذلك تعددت أطرافه، يصبح من العسير الجزم بأن حلا ما قد لاح في الأفق. ويترتب على ذلك هدف آخر هو نزع القرار المستقل من جانب أي طرف من الأطراف المعنية مباشرة بملف هذه الأزمة أو تلك، لتبقى حرية القرار متاحة فقط لمن يقود دفة التطورات وهو في هذه الحالة الإدارة الأمريكية. ومنذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض لا يستطيع أحد التعرف أو حتى التكهن بسياسة واضحة على الصعيد الخارجي، وليس هناك من استراتيجية حاكمة للمواقف الأمريكية سوى التعامل مع الأزمات بأسلوب «الصفقات» إن جاز التعبير عن وجود استراتيجية يعمل بها الرئيس ترامب.
ومع أن ذلك أمرا معتادا في عالم السياسة، أي تسوية الأزمات بالصفقات، إلا أن شخصية ترامب كرجل أعمال وطريقته في التعامل مع خصومه وحلفائه، تبعد هذا الأسلوب عن طبيعته الإيجابية وتحصره في طبيعة أخرى غير مقبولة من حيث المبادئ والقيم، وهي الإذعان.
وحتى لو تجاوزنا عن هذا التقييم، فإن الرجل حريص على أن يربح لقطة «الصورة»، بمعنى أنه يضغط كثيرا بأسلوب الصفقات حتى يصل إلى مرحلة التقاط «الصورة» أمام الكاميرات التي تجمعه مع خصومه أو حتى حلفائه. ولا يهم ما يحدث بعد ذلك حيث الأرجح أنه لا يتحقق شيء ملموس من كل الوعود. والصورة مهمة لشخصية مثل ترامب لأنه يكسب بها القطاع المعجب به من جمهور الناخبين الأمريكيين.
المتضرر الأكبر من خلط الأوراق هو منطقتنا العربية لأنها منهكة من الحروب والضغوط الاقتصادية والأزمات الاجتماعية والإرهاب، وبالقطع فإنها حريصة على أن تنحصر كل أزمة في معطياتها المباشرة وألا يضاف إليها المزيد من معطيات أزمة أخرى. طريقها إلى امتصاص ما يترتب على خلط الأوراق هو الحكمة في إدارة ملفاتها الصعبة، ووضع المصلحة الوطنية والقومية فوق أي اعتبار. عليها أن ترفض الإذعان ولا تقبل سوى بالعدل والإنصاف.