الأيام: نتانياهو واجتياح الخليل

في زاوية آراء كتب عبد المجيد سويلم مقالا بعنوان: نتانياهو واجتياح الخليل، جاء فيه:
قد يختلف اجتياح مدينة الخليل من قبل نتانياهو عن «الاقتحام» الزيارة التي قام بها شارون للمسجد الأقصى، التي أدت من بين أسباب أخرى إلى ما بات يسمى الآن بالانتفاضة الثانية. أهداف نتانياهو من هذه الاستباحة الاستفزازية أصغر بكثير من «أهداف» شارون في حينه، وشتّان بين من يسعى ويبحث عن «طوق» للنجاة من مأزق السقوط في الانتخابات الوشيكة، وبين من كان يستدرج الساحة لحرب ضروس كان يعرف أنها ستنتهي إلى إعادة «احتلال» الضفة، من أجل إحكام السيطرة عليها وإطباق المشروع الاستيطاني على أرضها.
شارون تصرف لتنفيذ ما يريده لإسرائيل، أما نتانياهو فإن أبعد أهدافه ومخططاته ليست سوى كرسي السلطة ورئاسة الوزراء، أملا في أن يتجنب القضبان. ولكن ومع ذلك فإن هناك في المحصّلة من التشابه بين الزيارتين ما يكفي.
لا أحد بإمكانه أن يتكهّن ما يمكن أن يترتب على هذه الاستباحة من ردود أفعال فلسطينية مباشرة، أو في المدى المنظور.
وقد تتحول هذه الاستباحة إلى بداية مشروع لإعادة المستوطنين إلى مركز الأحداث في المدينة قريبا، وقد يترتب عليها نشاط استيطاني محموم سيفضي حتما إلى صدامات كبيرة في المدينة، وربما في كل الوطن. نتانياهو ليس لديه من أهداف مباشرة من هذا الاستفزاز سوى محاولاته الأخيرة، وربما اليائسة لتحشيد كل اليمين من كل أصنافه حوله بالذات.
لم يعد أمامه من أمل في أن يكسب أصواتا وازنة من جهة «اليسار» و«الوسط»، ولم يعد أمامه سوى أن يحافظ على «وحدة» «الليكود» عَبر تكتيل كل من يستطيع تكتيله من هذا اليمين، وذلك لأن المحافظة على هذه الوحدة لم تعد سهلة، وإمكانية أن «يبيع» «الليكود» نتانياهو لم تعد مسألة مستحيلة كما كانت قبل عدة أسابيع فقط.
إن كل ما يلهث نتانياهو وراءه الآن هو أن يحاول بكل ما أوتي من قوة أن «يعيد» توحيد التيار اليميني المتطرف واليمين الديني القومي المتعصّب إلى مسار واحد لمواجهة الحظوظ المتزايدة لفرص «المركز واليسار» للفوز في الانتخابات. أغلب الظن أن نتانياهو قد ذهب إلى القصف الذي قام به في «عقربا» وفي غرب العراق، وفي «الضاحية» في بيروت، لهذا الهدف، وأغلب الظن أن في جعبته من هنا وحتى موعد الانتخابات الكثير والمزيد من البهلوانيات السياسية، كمخرج ربما يراه وحيدا من الأزمة الخانقة التي تحيط به، وتحيط بكامل مستقبله السياسي. أما في المحيط الدولي فهو ما زال ينتظر المزيد من الهدايا من الإدارة الأمريكية، وهو يسعى إن لم نقل يستجدي زيارة لبوتين إلى إسرائيل، أو ربما يعمل على الأقل لعقد لقاء «أمني» ثلاثي بين إسرائيل وروسيا والولايات المتحدة، وهو بالفعل سيحاول أن يذهب إلى «المريخ» إذا تطلّب الأمر ذلك، وهو مستعد لاستقبال كل «ضيف» من شأن زيارته أن تضيف له من الأصوات اليمينية التي يراها مبعثرة، ويرى أن ذهابها وتشتتها لصالح قوائم يمينية سيؤدي حتما إمّا إلى سقوطه شخصيا من دون أدنى شك، أو إلى الذهاب إلى حكومة «اتحاد وطني» كخيار مرجّح دون أن يكون هو على رأس الحكومة.
عندما نعود قليلا ـ أو كثيرا ـ إلى الوراء، سنلحظ بكل وضوح وبساطة أن نتانياهو طوال كامل العقد الأخير كان يسعى بكل السبل والوسائل لتكريس نفسه كزعيم «تاريخي» لإسرائيل، ولبقائه على رأس التيار اليميني واليميني المتطرف، ولبقائه رئيسا للوزراء مهما كان الثمن، ومهما كانت الظروف. والمشكلة الكبرى أن هذه المسائل الثلاث قبل عدة شهور فقط كانت بحكم التحصيل الحاصل، لتنقلب في الآونة الأخيرة رأسا على عقب.
ومع «تمرّد» ليبرمان وخروجه من عباءة نتانياهو، و«فرض» شروط مستحيلة عليه، وخصوصا لجهة «استثناء» اليمين الديني من أي تشكيلة حكومية مستقبلية في إسرائيل، ومع صعود نجم ليبرمان وحصوله في كل الاستطلاعات على عشرة مقاعد مؤكدة أو شبه مؤكدة، أصبح نتانياهو محشورا في زاوية لم تخطر على باله، ولم تكن في حساباته.
ومع رفض «أزرق ـ أبيض» التحالف مع «الليكود» في أي حكومة قادمة بوجود نتانياهو، ومع تعدد قوائم اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، أصبحت حظوظ نتانياهو متواضعة، وهي تزداد تواضعا كل يوم، وأصبحت أزمته أكبر بكثير في أن يتم تدارك مفاعيلها ونتائجها في غضون أسبوع أو أسبوعين. لهذا كله فإن نتانياهو سيستبيح الخليل، ولن يتوانى عن استباحة رام الله إذا كانت هذه الاستباحة ستحقق له ما بات صعبا تحقيقه، إن لم نقل مستحيلا تحقيقه. و«الغارة» على الخليل لا تختلف عن الغارات التي شنها نتانياهو على سوريا ولبنان والعراق.
علينا أن ننتظر المزيد من هذه الغارات، وهي لن تتوقف إلاّ إذا «تمرّد» «الليكود» نفسه على نتانياهو، وإلاّ إذا «أوقفه» عند «حدّه»، وذلك بالنظر إلى ما يمكن أن تجلبه هذه الغارات على إسرائيل من مخاطر.
الأيام القادمة ـ على ما يبدو ـ حُبلى بالمزيد؛ لأن الأزمة خانقة، والمأزق غير مسبوق. ونعرف جميعا أن أخطر الضربات هي تلك التي تأتي في نهاية المعارك، وأكثرها جنونا هي الضربات التي تصوّب من قبيل المغامرة والمقامرة النهائية.
ونتانياهو موجود بالضبط في وسط كل هذه المعمعة، وهو يمثل الآن أعلى أشكال الخطر، وهو خطر الإيذان بالضمّ والحرب الدينية.