العمل الخيري في الإسلام.. ودوره في النهوض بالمجتمع

انتصار بنت سيف الحراصية / موجهة دينية بدائرة الإرشاد النسوي بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية –

«الأثر الذي يعود على الفرد المتطوع نفسه هو تربية النفس على التخلص من الشح وترويضها على أن الخير الباقي هو ما كان لله كما أنه يولد في النفس والرضا النفسي والسعادة الداخلية وهذا يثبته علم النفس، فالإنسان المعطي الذي يسخر من راحته وجهده للآخرين لخدمة مجتمعه أكثر سعادة من غيره، ويعزز ثقته بنفسه كما يمنحه فرصا للتفاعل مع مجتمعه ويوسع لديه زاوية النظر في أحوال الناس، وتمنحه القدرة على اتخاذ القرار. وفيه شغل لوقت فراغه بما فيه منفعة لنفسه ولغيره».
من سنن الحياة أن الله جعل الحياة تسير بمنافع متبادلة بين الخلق، فأنت تأخذ لتعطي أو تعطي لتأخذ فالأمر سيان، ليتحقق التوازن بين الخلق، وعندما ندرك هذا لا نذهل ولا نستغرب لأننا ندرك انه من المنطق أن يبحث كل مخلوق ولاسيما الإنسان خاصة فيما فيه مصلحته، لكن المذهل دائما هو العطاء الذي لا ينتظر مقابلا ولا ردا للجميل. الأعمال القائمة على حب الحياة لأجل الغاية التي خلقه الله لأجلها، وسخر نفسه وسيلة لبلوغها، إنها الأعمال التطوعية والتي يراد بها: بذل مجهود أو ثمرة مجهود أو مال أو عفو عن حق في غير الواجب وفق الشرع وابتغاء وجه الله تعالى دون إكراه. وهذه الأعمال دعا إليها الإسلام في القرآن الكريم وحث عليها حينما لم يجعل الباعث للعمل إلا وجه الله سبحانه: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
كما جاء لفظ التطوع في القرآن الكريم صراحة كما في قوله سبحانه: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)، وتظهر هذه الآية مفهوم التطوع في الإسلام إذ تحمل دعوة للتطوع بمجرد الانتهاء من أداء الواجب في الحج أو العمرة. ولم تكتف الآيات بالحث عليها بل ذكرت نماذج تطبيقية ومواقف حية للتطوع في القرآن الكريم كما في قصة ذي القرنين حينما أراح الأرض من إفساد يأجوج ومأجوج: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا). فلما عرضوا أن يعطوه مقابلا كما في قوله: «فهل نجعل لك خرجا» احتسب الأمر لله وهو الرجل الذي رزقه الله: «قال ما مكني ربي فيه خير» فاحتسب بناء السد منه لا يبتغي معه مقابلا فكان فعله تطوعا. ومثال التطوع في القرآن كذلك ما ورد في قصة سيدنا موسى عليه السلام عندما قدم العون لبنات الرجل الصالح حين وجدهما بحاجة لذلك: «فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير».
كما أن مفهوم التطوع كان حاضرا في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم: فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار». فقرن التطوع في خدمة الأرملة والمساكين والسعي في حاجاتهم تعدل عبادات عظيمة كالجهاد وقيام الليل وصيام النهار.
أما عن الجانب العملي فقد كان صلى الله عليه وسلم يشارك في مشاريع الخير من قبل بعثته فقد ساهم في بناء الكعبة وشهدت له خديجة أم المؤمنين رضوان الله عليها بخيرية عمله حين جاءها مفزوعا عند رؤية الوحي فقال مقولتها الشهيرة: «كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق». والأحاديث كثيرة التي جاءت تحث على الصدقة والتصدق وهي لا شك في معناها تخدم مفهوم التطوع وإن لم يرد لفظ التطوع صراحة ومثاله ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: «على كل مسلم صدقة، قالوا: يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: «يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق» قالوا: فمن لم يجد؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا: فإن لم يجد قال: «فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة». وهذا الغرس من الرسول صلى الله عليه وسلم آتى أكله في صحابته رضوان الله عليهم، فأبو بكر الصديق تصدق بكل ماله وعمر بن الخطاب بنصف ماله ولقب جعفر بن أبي طالب بأبي المساكين، وكانت رفيدة الأنصارية تداوي المسلمين في الغزوات وعندما أصيب سعد بن معاذ – رضي الله عنه – في غزوة الخندق قال صلى الله عليه وسلم: «دعوه في خيمة رفيدة». وقد شمل التطوع في الإسلام مجالات عديدة، كما في التطوع العلمي والدعوي: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون». وكذلك التطوع في العفو عن الحقوق الثابتة كما في آية القصاص: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ).. وكذلك التطوع المالي: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ).
والمتأمل في كل هذا الاهتمام لموضوع التصدق والتطوع، وكثرة ذكره في الآيات والسنة وتفصيل النبي في أقواله وأفعاله له واقتداء الصحابة بالنبي فيه، يدرك ما للتطوع من فضل عظيم وآثار نفسية واجتماعيه تعود على المتطوع وعلى المجتمع لاسيما أنه عبادة وأجر عظيم.
أما عن الأثر الذي يعود على الفرد المتطوع نفسه فهو تربية النفس على التخلص من الشح وترويضها على أن الخير الباقي هو ما كان لله كما أنه يولد في النفس والرضا النفسي والسعادة الداخلية وهذا يثبته علم النفس فالإنسان المعطي الذي يسخر من راحته وجهده للآخرين لخدمة مجتمعه أكثر سعادة من غيره، ويعزز ثقته بنفسه كما يمنحه فرصا للتفاعل مع مجتمعه ويوسع لديه زاوية النظر في أحوال الناس، وتمنحه القدرة على اتخاذ القرار. وفيه شغل لوقت فراغه بما فيه منفعة لنفسه ولغيره فكما جاء أن الفراغ والصحة نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس.
أما الآثار العائدة على المجتمع فمنها: تحقيق الترابط والتآلف والتآخي بين المسلمين فكما جاء في الحديث: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» كذلك في العمل التطوعي تجسيد لمفهوم التكافل الاجتماعي والمواساة والإيثار، قال صلى الله عليه وسلم، وشبك بين أصابعه. المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».
وحتى يعطي العمل التطوعي ثماره ويؤتي أكله لابد من أن يكون عملا ممنهجا وقائما على أسس وقواعد واضحة ومتينة فلا شك أن العمل الفردي عمل مبارك وله وقته لكن إذا ما سعى الفرد إلى أن يكون للعمل ثمار يانعة للمدى البعيد فلابد من أن يكون العمل منظما وليس أدل على ذلك من العمل المؤسسي الذي يعمل فيه الفريق بروح الفرد والذي يقوم على خطط واضحة ومدروسة. فإن انتهج الناس منهجا واضحا في العطاء وقدمت العطايا كلا حسب أولويته وحاجته، وبذل المعطي في الموضع الحق الذي يستحق فيه العطاء لا شك أن هذا سيكون دافعا للاستمرار بعيدا عن الشعور بالضياع والتشتت. وحينها سنصل للآثار المرجوة لنهضة المجتمع فيصدق الاستمساك بحبل الله الذي يجمع الأفراد ولا يفرقهم: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا).