الوقف من أعمال الخير

د. سعيد بن سليمان الوائلي/ كلية العلوم الشرعية –

«وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد راعت كل ما يصلح حياة الناس بمختلف المستويات، ودعت من أجل ذلك إلى فعل الخير والتعاون على البر، فإن من الطبيعي أن تهتم بالأعمال الخيرية التي يستمر عطاؤها أكثر من غيرها، ويمتد أثرها في الحياة إلى أبعد مدى، ومن تلك الأعمال: الوقف الخيري».
لقد خلق الله تعالى بحكمته وإبداعه الكائن البشري في أحسن صورة وأجملها، وميّزه عن غيره بما ميّزه به عن سائر المخلوقات، حيث رفع قدره وحقق كرامته وأزكى درجته وبيّن فضيلته، وجعل حياته مصاحبة لحياة غيره ومنتظمة معها، حيث لا يستطيع العيش منفردا، ولا يتمكن من الاستقرار والاطمئنان إلا مع أفراد من جنسه، وجماعة من بني جلدته، فهو اجتماعي بفطرته مدني بطبعه.
ولا يخفى على متأمل أن الحياة الاجتماعية تدعو بطبيعتها إلى العمل الخيري، كما تدعو إلى التعاون فيه، فتشابك المصالح وتداخل المنافع وارتباط الحقوق والواجبات تدفع إلى فعل الخير والمشاركة فيه، سواء عاد بالنفع على المستوى الفردي أم على المستوى الجماعي.
ومن نافلة القول أن نذكر أن عمل الخير والفعل الصالح من ركائز الدين الإسلامي الحنيف، فالشريعة الإسلامية أوجدت ما يصلح الحياة البشرية بفعل الخيرات المتنوعة، ولضمان صلاح الحياة سعت للقضاء على أعمال الشر والجرائم بتحريمها وفرض الحدود عليها.
وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد راعت كل ما يصلح حياة الناس بمختلف المستويات، ودعت من أجل ذلك إلى فعل الخير والتعاون على البر، فإن من الطبيعي أن تهتم بالأعمال الخيرية التي يستمر عطاؤها أكثر من غيرها، ويمتد أثرها في الحياة إلى أبعد مدى، ومن تلك الأعمال: الوقف الخيري.
ويكفي في مشروعية الوقف ما يوجد في النصوص الشرعية من أمر بالإنفاق والدعوة إليه بأساليب متعددة، فإننا نرى من أمثلة النصوص الشرعية ما في الآيات القرآنية من أمر بالإنفاق في سبيل الله تعالى كقوله تعالى: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ)، وما في نصوص القرآن من الثناء على المنفقين في وجوه الخير كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ). ولو لم نجد من نصوص الأحاديث النبوية مما يشجع على النفقة التي تستمر آثارها إلا حديث ذكر انقطاع العمل لكفى، فقد جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وجاء في رواية: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما علمه ونشره، أو ولدا صالحا تركه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن سبيل بناه، أو نهرا كراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحفه من بعد موته».
ومن روائع القصص الإسلامي في المسارعة إلى الإنفاق بصورة ليست بعيدة عن الوقف الخيري ما كان من فعل الصحابي الجليل أبي طلحة في تصدقه بأحب الأموال إليه، جاء في الحديث عن أنس بن مالك أنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار مالا بالمدينة من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من مائها وهو طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) قال أبو طلحة: إن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها لصدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بخ بخ ذلك مال رائح يروح بصاحبه إلى الجنة وقد سمعت ما قلت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين». قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه».
وهكذا كان يفعل السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ممن يسارع إلى الخيرات وفيها، فينفقون في سبيل الله من أحب أموالهم، ويجعلون منها صدقات جارية يستمر نفعها وتمتد آثارها وتتجدد ثمارها في وجوه البر. ولو نظرنا إلى ما قيل في تعريف الوقف لتبيّن لنا جانب من أبعاده، فقد عُـرّف بأنه حبس العين بحيث لا يتصرف فيها بالبيع أو الهبة أو التوريث، وصرف الثمرة إلى جهة من جهات البر وفق شرط الواقف.
وبالتأمل في هذا المعنى ندرك ما له من أهمية وما ينتج عنه من آثار، فإن من يريد أن يوقف شيئا مما يملكه فإنه ينقله إلى جهة أخرى بحيث لا يتصرف في تلك العين المملوكة سابقا، ببيع ولا شراء، ولا بهبة ولا إهداء، ولا تنتقل ملكيته بميراث أو غيره، ولعل هذا الحبس والمنع عن التصرف فيها يرتبط بنية الواقف وما يريده من أجر وثواب من جراء وقفها.
وأما عن الآثار الناتجة عن الوقف، فتشير إليها عبارة (وصرف الثمرة إلى جهة من جهات البر وفق شرط الواقف)، فإن من أظهر آثارها ما ينتج من ثمار الوقف الموجهة إلى جهة من جهات البر المتعددة.
فكم من دور وأدوار استفادت من عائدات الوقف وأمواله ونتاجه، فمن الأوقاف الخيرية ما كانت تجعل للمساجد والجوامع، في صيانتها ويستفاد منها في مصالحها وما يصلح وضعها، ومنها ما كانت تجعل لمدارس القرآن الكريم والقائمين عليها، للمحافظة على دورها في المجتمع الإنساني وتفعيل أثرها، ومنها ما كان يحبس للعلم وطلبته، ليسهم في نشر العلم بما يتحقق نفعه وفوائده، ومنها ما كان يوقف لابن السبيل والعابرين مما ينفعهم في وجهتهم وطريقهم من شق الطرقات وإنشاء الآبار للسقيا وخدمات المرافق العامة، ومن الأوقاف ما كانت فيه مراعاة للمنشآت العامة التي تفيد القرية وأهلها بصفة عامة، كالأوقاف التي تحبس للأفلاج وخدمتها، وأوقاف تجعل للمقابر وما يكون في إصلاحها، ولخدمة دور العلاج والمستشفيات وما يتصل بها، ومن الأوقاف ما يخصص لجهة محددة، كتخصيص نتاجها وثمارها لطلبة العلم أو للمعلمين والمتعلمين أو للأيتام والأرامل أو للحجاج والمعتمرين، أو غيرهم من المستحقين حسب تحديد الواقف لها.
إن جهات البر التي تصرف إليها عوائد الوقف كثيرة جدا، وهي مشجعة لأصحاب الخير، إذا ما أرادوا أن يصرفوها إليها، خاصّة إذا رأوا آثارها وتحقيق نفعها على أرض الواقع، من فائدة للبلاد ومصلحة للعباد..
أما المنفعة الأخروية وثواب الوقف يوم القيامة، فمما لا يعلم به إلا الله تعالى، والبشارة بأجر الصدقات الجارية والمنافع المستمرة موجودة في الآثار المروية، لكي يتوجه المسلم إليها برغبة ورهبة فيما عند الله من خير، فما عند الله خير وأبقى، فيخلص النية في حبسها ويحتسب أجرها وثوابها في صرفها. فإنه (مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته) كما جاء في الحديث الشريف.
ولعلنا نشير هنا إلى ما يتداول في هذا العصر الحديث مما يتصل بالوقف مما يعرف بالسهم الوقفي، ليسهم الإنسان ببعض ماله فيشتري أسهما محددة، يشترك فيها مع غيره لإنشاء الوقف، الذي يجعل في المصالح والجهات الخيرية، من محلات تجارية أو عمارات ومنشآت تكون وقفا خيريا تجعل عوائدها بحسب ما حدد لها من بنود الوقف ومصارفه.
وعلى كل حال، فإن الوقف الخيري كما يلحظ الناظر والمتأمل له أثره على الفرد والمجتمع، بما يعود بالمنفعة الخاصة والعامة، وقد تحقق ذلك في العصور الماضية، وتستمر به الحياة عندما تتضافر جهود المخلصين والراغبين في الخير، فيسهمون بعطائهم العاجل والآجل، المنقطع والجاري، فيتحقق به الخير في الحياة الدنيا قبل الآخرة.. والله الموفق إلى طريق الحق والصواب.