الهوية الإنسانية شرط لكونية الإسلام

محمد جميل أحمد –

مما اضطر المفكر الجزائري محمد أركون إلى الإقرار به في كتاباته الأخيرة؛ تأكيده على أن النزعة الإنسانية في الإسلام كانت نزعةً أصيلة ابتداءً، أي أنها لم تتشكل في حقب تاريخية لاحقة، وإنما كانت في صلب المبدأ التفسيري لفكرة الإسلام ذاتها. وبطبيعة الحال، فإن التأمل في هذا المعنى العظيم وإدراك حقيقته، سيحيلنا إلى واقع تعيس أصبح فيه العرب أكثر بعداً عن تلك المعاني الإنسانية التي جعلها الإسلام في صلب أفكاره التأسيسية.
ثمة حقيقة قد تغيب على كثيرين في هذا الأمر، وغيابها مرده في الأصل إلى منهجية تفكير خاطئة في القياس. فإذ يظن كثيرون؛ ان الاعترافات التي توصلت إليها البشرية مؤخراً مع نهاية الحرب العالمية الثانية؛ بإصدار وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من باريس في العام 1948م (التي صاغها ممثلون من مختلف الخلفيات القانونية والثقافية من جميع أنحاء العالم) أنها تصلح لكي يحاكم عليها مستوى وعي الناس في القرن الثامن عشر (ناهيك عن القرن السابع) فإنهم بذلك القياس الفاسد يهدرون استصحاب الفارق الكبير الذي قطعته البشرية لكي تصل إلى ذلك الإعلان عشية الحرب الثانية. ومن ثم لن يكون بوسعهم الوصول إلى نتائج حقيقية من ذلك القياس. وبكل تأكيد سيحتاج المفكرون، أمثال محمد أركون، إلى حفر عميق ووقت طويل لاستنتاج أصالة فكرة مثل؛ فكرة: إنسانية الإسلام.
هذا الحديث عن أصالة إنسانية الإسلام سيقودنا بالضرورة إلى مواجهة تمثيلات خطيرة للإسلام في وقتنا الحاضر (كتثميلات الإسلاموية) التي تضعنا في صدام شديد مع العالم، فيما هي تهدر، بفعل الايديولوجيا، إمكانية تسكين التناقضات التي تتأتي من توهم ذلك الصدام مع العالم.
بطبيعة الحال، لا نفترض في حديثنا عن إنسانية الإسلام كلاما عاما، أو حالما، بل سنؤكد، من خلال التحليل، أن شرط الإسلام من حيث كونه ديناً عالمياً يقتضي بالضرورة مبادئ ذات طبيعة إنسانية عابرة للبشر. وبالرغم من بديهية ينطقها كل مسلم حين يتلو آية: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ « إلا أنها على صعيد التفكير وعلى صعيد العلاقات البينية للبشر ستكون أعقد من تلك البساطة التي يظنها كثيرون. ذلك أن ما يمكن تصوره اليوم بسهولة (ولو نظرياً)؛ من: الإقرار بكرامة البشر جميعاً وحرياتهم، والتسليم بأصلهم الواحد (على ما دلت خريطة الجينوم البشري)، واستحقاقهم جميعاً للمساواة، لم يكن متصوراً أصلاً كبديهيات للبشر قبل 3 قرون في غالبية مجتمعاتهم، ما يعني أن المبادئ الكونية التي جاءت كنصوص صريحة في القرآن الكريم لتؤكد تلك القيم الإنسانية في القرن السابع، هي التي أسست منذ البداية لإنسانية الإسلام.
بطبيعة الحال، لا يمكن تصور خطاب إنساني عابر لمجتمعات البشر كلها باختلاف أنواعهم وأماكنهم وأزمانهم ، دون أن يكون في مضمون هذا الخطاب ما هو معبر حقيقةً عن إمكانية لاستيعاب اختلاف البشر بحد أدنى من القابلية والسوية التي تجعلهم مدركين فيه لحقائق كلية مشتركة لا تقبل إلا فهماً واحدا ومعنى واحدا كأصل البشر ، وكرامتهم ، واستحقاقاهم من حيث كونهم بشراً (لا مسلمين) لحرية تقتضيها كرامتهم وأصلهم الواحد.
غياب هذا الوعي الذي يرفع بديهيات المبادئ الإنسانية المحفوظة إلى سوية فاعلة في يوميات المسلمين وحياتهم، وتعبيراً عن تلك الرؤية الإنسانية لهويتهم من حيث مطابقتها لإسلاميتهم؛ منع منه، فقط، التخلف الذي أصبح اليوم هو الدالة الأكثر تعريفاً لكثير من المسلمين في الأزمنة الحديثة.
ولو تأملنا في مضمون آية واحدة تتحدث عن مفهوم «التقوى» كمفهوم إنساني/‏‏ إسلامي بمعنى واحد من المطابقة، لربما تعجب كثيرون من المسلمين اليوم ؛ ممن باتوا يفهمون مفاهيم الإسلام ضمن نسق خاص ينزع عنها إنسانيتها العامة ليدرجها بالضرورة في نسق لن يعكس إلا وعي طائفي للأسف.
فالآية الكريمة في القرآن الكريم تقول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
واضح أن الخطاب في الآية عام لكل الناس، كما من الواضح في تأكيد معناه الإنساني؛ ما جاء في الآية من حديث صريح عن الأصل الواحد للبشر وتنوعهم والمغزى الإنساني من هذا التنوع: (التعارف) لتصل الآية في النهاية إلى تأكيد أن الأكرمية (أي القيمة) عند الله من بين جميع البشر هي للذين هم أكثرهم تقوى. عامة المسلمين اليوم يظنون أن التقوى مفهوم إسلامي تعبدي خاص بهم، فيما الآية صريحة على أن هذا المفهوم مبدأ إنساني، وهذا واضح جداً في دلالة الآية عليه ولا يحتاج إلى تفكير. وفي هذا الحد من التعارض المتوهم بين فهم التقوى كمفهوم إنساني وبين فهمهما كمفهوم إسلامي خاص (كما يظن كثير من المسلمين اليوم) سنجد أن رفع التعارض في هذا المأزق الصوري يكمن في أن مزيداً من التفكير في مضمون الآية سيدلنا بوضوح على معناها الإنساني/‏‏ الإسلامي في وقت واحد؛ كيف؟ سنجد أنفسنا بالضرورة أمام فهم إنساني لمفهوم التقوى في الآية يحيل إلى أن التقوى، في حدودها الدنيا، تكمن في التزام أي مجتمع بشري (في غالبيته) بالقيم الأخلاقية الكلية للبشر (وهي قيم لا يمكن أن يختلف عليها أي مجتمع بشري كما لا يمكن أن يستقيم الحد الأدنى من سوية الحياة في أي مجتمع إلا بها)؛ كالتزام الصدق، والعدل، والأمانة وغيرها. وتجنب الكذب، والقتل، والسرقة والاعتداء. وغيرها؛ أي الالتزام بالحدود التي لا يصلح الحد الأدنى من سوية حياة البشر إلا بها. بمعنى آخر، إن التقوى؛ مفهوم إنساني/‏‏إسلامي مطلوب من كل الناس للحفاظ على حد أدنى من السوية لحياتهم يمنعهم من الفوضى.