تحويلات المهاجرين – المحرك الخفي للعولمة

فيديريكا كوكُو وآخرون- الفاينانشال تايمز –
ترجمـــة: قاســــــم مكي –

في كل شهر تضغط جوي كياكويتا «زرا» على هاتفها وتفعل شيئا يشترك معها فيه الملايين من الناس الآخرين حول العالم. إنها ترسل أموالا إلى بلدها. من لندن إلى أوغندا تحول كياكويتا، وهي محامية مقيمة في لندن، حوالي ثلث راتبها إلى عائلتها في أوغندا بما في ذلك رسوم الدراسة لإخوتها وأبناء إخوتها.

وهي تبرر ذلك بقولها « أعتقد أنك حين تدفع لهم كي يلتحقوا بدورات دراسية جيدة ستتوافر لهم فرصة طيبة كي يتأهلوا ويحصلوا على وظائف. وإذا وجدوا عملا سيكون بمقدورهم مساعدة أشقائهم كذلك».

مصدر لتمويل التنمية
كياكويتا مهاجرة واحدة فقط من جملة 270 مليون مهاجر حول العالم سيرسلون في مجموعهم 689 بليون دولار إلى بلدانهم هذا العام، حسب تقديرات البنك الدولي.
يشكل بلوغ هذا الرقم لحظة فارقة. فحجم التحويلات المالية في العام الحالي سيفوق الاستثمار الأجنبي المباشر كأكبر تدفق لرأس المال الأجنبي إلى البلدان النامية. في الماضي كان اقتصاديون عديدون يعتبرون التحويلات المالية للمهاجرين (المبالغ التي يرسلونها إلى أوطانهم) أقل أهمية للاقتصادات النامية من الاستثمار الأجنبي المباشر ومن الاستثمارات في الأسهم. لكن هذه التدفقات المالية للمهاجرين بسبب حجمها الكبير وانتظام انسيابها وطبيعتها المرنة تشكل الآن «الشيء الوحيد المتاح حين يتعلق الأمر بتمويل التنمية»، كما يقول ديليب راثا، رئيس شراكة المعرفة (البيانات) العالمية حول الهجرة والتنمية بالبنك الدولي.

سمة مميزة للعولمة
حسب البنك الدولي ارتفع عدد الناس الذين يقيمون خارج بلدانهم الأصلية من 153 مليون مهاجر في عام 1990 إلى 270 مليون في العام الماضي. وهذا ما أدى إلى «انتفاخ» حجم تحويلاتهم المالية وتحولها من مجرد قطرات إلى فيضان. ومع تزايد الهجرة صارت هذه التدفقات المالية واحدة من السمات المميزة للعولمة في ربع القرن الماضي. فهي الوجه الخاص وغير الرسمي والشخصي لتدفقات رأس المال العالمي. وبالنسبة لبلدان نامية عديدة تشكل هذه الحوالات النقدية شريان حياة. يقول راثا « في أوقات التراجع الاقتصادي والكوارث الطبيعية أو الأزمات السياسية ينحو رأس المال إلى الخروج من البلد المعني. وحتى العون الرسمي يصعب إرساله. في مثل هذه الأحوال تكون التحويلات المالية للمهاجرين أول أشكال المساعدات وصولا. وهي تتزايد.».

تحسين القدرة على الاقتراض
تساهم تدفقات التحويلات في تعزيز موازين مدفوعات البلدان التي تستقبلها وبالتالي تحسين تصنيفاتها الائتمانية مما يقلل من تكاليف اقتراض الحكومات والشركات والأفراد. ففي الفلبين مثلا ستساهم التحويلات القادمة إليها من الخارج هذا العام والتي يبلغ حجمها 34 بليون دولار في تقليص العجز في الحساب الجاري إلى 1.5% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. أما بدونها سيصل العجز إلى 10% من هذا الناتج. يقول جيمس مكورماك من وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية إن التحويلات المالية للمهاجرين «مصدر مستقر نسبيا للعملة الصعبة في الحساب الجاري وهي تدخل مباشرة في (حسابات) تصنيفاتنا الخاصة بالائتمان السيادي. ففي حالة بلد مثل الفلبين أو مصر أو نيجيريا ستكون مواقف الحساب الجاري أضعف كثيرا في غياب تدفقات التحويلات المالية للمهاجرين من الخارج».

التحويلات : مالها وما عليها
سعت بعض الحكومات إلى جعل التحويلات جزءا من جهود التنمية واندونيسيا هي آخر بلد يدرس تبني « سند الدياسبورا» أو المهجر في محاولة منها لاستغلال مدخرات مواطنيها الأثرياء المقيمين في الخارج. لكن للتحويلات المالية جوانبها الاقتصادية السلبية أيضا. فهي بدعمها للدخول المتدنية في البلد الأصل تمتص أثر النمو البطيء وبالتالي تساهم في تخفيف الضغط الشعبي على الحكومات لإصلاح سياساتها. كما تعزز تحويلات المهاجرين الواردات بتحويلها رأس المال إلى الإنفاق الاستهلاكي تعزز الواردات. وهذا من شأنه، حسبما يرى بعض الاقتصاديين، وقف نمو الصناعة المحلية.
يقول جاريث ليذر، المسئول بشركة كابيتال ايكونومكس للاستشارات « لن يثرى أي بلد أبدا من تحويلات مهاجريه. لا أعتقد أن أية حكومة سترغب في التخلص منها. لكن حكومات عديدة تريد أن تصل إلى تلك اللحظة التي لن تكون بحاجة إليها».
غير أن راثا يرى في هذا الزعم تقليلا من أهمية التحويلات المالية. فهو يتساءل قائلا « هل الاستهلاك سيء؟» ويرد بأنه ليس كذلك حقا . فبدون الاستهلاك « لن نظل على قيد الحياة. يمكن للاستثمار أن ينتظر. أما الاستهلاك فلا يمكنه ذلك».
كما يضيف راثا أن الناس مع ارتفاع دخولهم ينفقون أموالهم على السكن والصحة والتعليم. وهو يرى في هذا الإنفاق « تشكيلا لرأس المال البشري» وبذلك فهو «استثمار عظيم» في أي اقتصاد.
أيضا التحويلات المالية للمهاجرين واحدة من الآليات الرئيسية التي تلطف من حدة التوترات في الاقتصادي العالمي. فالناس يتنقلون بحثا عن الفرص. لذلك تزداد الهجرة عندما يسوء أداء اقتصاد ما. وحين يكون أداء الاقتصاد المضيف جيدا وتزدهر أحوال المهاجرين فإنهم يرسلون المزيد من المال إلى بلدهم الأصلي. وهذا ما يشكل تعزيزا لمواجهة التقلبات التي يعاني منها اقتصاد بلدهم. ولكن حين تمر البلدان المضيفة بأوقات صعبة تنتقل الصدمة إلى عائلات المهاجرين في شكل تحويلات مالية أقل. وهذا الوضع يمكن أن يصدر التباطؤ الاقتصادي إلى البلد الذي يستقبل هذه التحويلات مما يفاقم من عدم الاستقرار الاقتصادي على مستوى العالم.
أحد الأمثلة لذلك الهبوط الذي حدث مؤخرا لأسعار النفط. فقد شكل ذلك ضربة ليس فقط للبلدان المنتجة للنفط ولكن أيضا للعائلات في بلدان جنوب شرق آسيا وغيرها والتي يعمل كاسبو رزقها في الخليج.
لقد اتضح أن ذلك أدى إلى صدمة هيكلية للبنان الذي يملك اقتصادا صغير الحجم تعتمد فيه العائلات وكذلك النظام المصرفي بشدة على التدفقات المالية من الدياسبورا ( بلدان المهجر).
يقول فرانك ديل من وكالة تصنيف الائتمان ستاندراد آند بوورز جلوبال « ظللنا نراقب لبنان عن كثب لأن التحويلات المالية القادمة إليه من الخارج تدهورت حقا في العقد الماضي بحوالي 12% من الناتج المحلي الإجمالي. فهي مصدر رئيسي لتمويل القطاع العام. وهي لأسباب واضحة مثار قلق للوكالة التي تتولى تصنيف الائتمان». وفي مايو خفضت ستاندراد آند بورز توقعاتها بشأن التصنيف السيادي للبنان إلى سلبي مشيرة إلى تباطؤ التدفقات من غير المقيمين (المهاجرين) كمهدد لاستقراره المالي.

توقعات بالمزيد من الهجرة وأموالها
وعلى الرغم من أن تحويلات المهاجرين صارت إحدى الخصائص الأساسية لحقبة العولمة الراهنة إلا أن التغييرات السياسية بما في ذلك تصاعد الشعبوية تطرح تساؤلا حول مدى استمرار أهميتها الاقتصادية في المستقبل. فرد الفعل ضد العولمة يتنامى والمشاعر المعادية تتصاعد في العديد من البلدان المتقدمة. لذلك من الممكن أن تبدأ الهجرة في الانحسار وكذلك التدفقات الرأسمالية التي تترتب عنها. لكن البنك الدولي يتوقع انضمام 550 مليون شخص إلى القوى العاملة في بلدان الدخل المنخفض والمتوسط في الفترة من الآن وحتى عام 2030. وسيستمر التفاوت الواسع في الدخل بين البلدان المتقدمة وبلدان الدخل المنخفض (متوسط دخل الفرد في الأولى 43 ألف دولار وفي الثانية 800 دولار).
ذلك يعني أن فرص العمل في الخارج ستظل جذابة.
يرى ليذر من شركة كابيتال إيكونوميكس أن التركيبة الهيكلية لاقتصاد العالم تشير إلى المزيد من الهجرة وليس العكس. فقوة «الدفع» التي تحرك الهجرة من البلدان الفقيرة ستقابلها قوة «جذب» من البلدان الغنية. كما يقول جيل المسئول بوكالة ستاندرد آند بوورز أن العالم الغربي يشيخ ويهرم وسيزداد اعتماده على العمالة المستوردة. لذلك فهو لا يرى سببا في ألا يستمر هذا «الاعتماد على المهاجرين».
ومن جانب آخر لم تعد تدفقات رأس المال الأخرى المتجهة إلى البلدان النامية مضمونة بنفس القدر الذي كانت عليه في السابق. فالاستثمار الأجنبي المباشر، وهو تقليديا محرك مفتاحي للتنمية، يشهد تراجعا.
فحسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هبط الاستثمار الأجنبي المباشر القادم من مصادر العالمية الخمس الرئيسية في الأعوام الأخيرة ( الولايات المتحدة والصين وألمانيا واليابان والمملكة المتحدة) بحوالي الثلثين بين عامي 2017 و 2018. ومع ظهور ملامح تباطؤ اقتصادي عالمي في الأفق من المرجح أيضا أن تصبح تدفقات» الاستثمار المضارب» أكثر تقلبا.
هذا يجعل تدفقات التحويلات المالية التي تنتشر كخيوط العنكبوت حول العالم أحد الأنظمة الرئيسية التي يتحقق من خلالها دوران رأس المال العالمي. وحتى إذا تقلصت الهجرة فإن الأعداد المرتفعة الحالية للمهاجرين حول العالم تعني أن هذه التدفقات غالبا ما ستستمر لعقود قادمة.
لا تخطط جوي كياكويتا التي تقيم في بلدة «ستينس آبون تيمز» بمقاطعة سري جنوب شرق إنجلترا للعودة إلى بلدها أوغندا وتقول « لا أفكر في ذلك الآن. لدى حلم كبير في هذا البلد (انجلترا). وأنا عندي أطفال ولدوا هنا». درست كياكويتا وتأهلت في المملكة المتحدة كمحامية بفضل الدعم المالي من شقيقتها التي جاءت إلى هناك للعمل كممرضة. وهي الآن تريد توريث ذلك الحظ الجيد إلى الجيل التالي لعائلتها. تقول كياكويتا أن العودة إلى بلدها لم تعد تتعلق بها ولكن بأطفالها كذلك. فهي تفضل دعم ومساعدة «عائلتي الكبيرة من هنا».