وتر: المزحة

شريفة بنت عـــلي التــوبية –

منذ قرأت رواية ميلان كونديرا (المزحة) وأنا مشغولة بهذه الكلمة، مشغولة إلى درجة أن أكتب لكم اليوم شيئا من المزحة أو ما يشبه المزحة، فتخيلت لوهلة أن كل ما يحدث في هذه الحياة من الممكن أن يكون مزحة، أو لك أن تعتبره مزحة، بأي خفة كانت وبأي ثقل، وإن الحياة في كل ما تفعله معك، فهي ليست سوى مازحة لاعبة، وكل تلك المتاعب التي تصيبك هي مزحة، الوجه البشع المختبئ خلف القناع مزحة، المرض الذي أصاب أقرب الناس إليك مزحة، موت أحد والديك مزحة، الخيانة مزحة، الألم، الخسارة، الحزن، الخذلان، الخنجر المغروس في خاصرتك بيد من لم تتوقعه…إلخ، كل ذلك مزحة، وستضحك بعدها ضحكة الهازئ بمزحة الألم، وبتلك المزحة التي لا تشبه مزحة رامز جلال في برنامجه الذي لم تحبه ولم تشاهد منه سوى الحلقة الأولى، ستتجاوز كل شيء. في زمن أصبح فيه كل شيء ثقيلاً وجاداً إلى درجة الكآبة، نحن بحاجة للمزحة، بحاجة إلى تلك الوجوه الضاحكة التي تزرع الفرح في قلوبنا وتنتزع الحزن من أرواحنا، بحاجة إلى أولئك الذين يتعاملون مع الحياة كمزحة، فمع ثقل الحياة أصبح كل ما نطلبه أن نجد صديقاً مازحا، ينأى بنا بعيداً عن مواطن التعاسة ويخرجنا من دهاليز الألم، صديق يخبرنا أن الحياة مزحة، وإنها لا تحتمل كل هذه الجديّة التي نتعامل بها معها، ولا تحتمل وجودنا البغيض ونحن عاقدو الحاجبين، مثقلو الروح بما كان وبما لم يكن، ولكن مع مرور الأيام حينما نتذكّر كثيرا من المواقف الصعبة لن نتذكرها سوى كمزحة لم نفهمها في وقتها، فكثير من الحكايات المؤلمة التي عبرت سماء حياتنا وعكّرته والأشخاص الذين مروا يوماً على فضاء أرواحنا فآذونا، مع التقادم سيتحولون إلى مزحة، وسنضحك كثيراً كلما تذكّرناهم كما سنضحك على أنفسنا وعلى حماقتنا وسذاجتنا في التعامل مع تلك المزحة، وحينما نكتشف أن الحياة كانت تمزح معنا وأنها كائن خفيف الظل ولكننا لم ندرك ذلك، سنحبها وسنتصالح معها. وآخر ما يمكن أن تقودك المزحة إليه، أن تكون كائنا لا تحتمل خفته كما أتى في عنوان لرواية أخرى كتبها ميلان كونديرا، والذي أدين له بأن أسكن روحي مزحته وكائنه الخفيف لأكتب هذا المقال، ولك قارئي العزيز أن تعتبر إن كل ما قرأته مزحة وأني كائن قد لا تحتمل خفته، رغم أنك تقرأ لي كل أسبوع أفكارا ليست بمزحة ولا تشبه المزحة.