تعلمت من الهجرة

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

تكتظ مؤسساتنا بموظفين فقدوا الرغبة في العمل، والحماس للوظيفة التي أصبحت مجرد مصدر رزق، رزق لا نبذل العناية الكافية لكسبه، فمعظم أوقات الدوام ضائعة على شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها من مضيعات الوقت، والنتيجة إهدار ملايين من موازنة الدولة على أوقات مهدورة، فضلا عن الوقت الذي لا يقدر بثمن والذي يضيع من حياة موظف اختار مثل هذه الحياة، وأقول اختار لأن الحياة كما أراها فعلا خيار في النهاية، ولعل هذا ما تعلمنا إياه هذه المناسبة الشريفة التي نحتفل بها هذه الأيام، على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليم، فقد وصل إلى طريق مسدود مع قومه، وعجز عن إقناعهم بالرسالة، فقرر اتخاذ القرار الصعب (الانسحاب) كما قد يبدو للوهلة الأولى، لكنه لم يكن انسحاب الهزيمة، بقدر ما كان تقييما واقعيا للموقف، وخروج من منطقة الراحة التي تعود عليها في مكة التي قضى فيها جل عمره، ونحن نعرف كيف تصبح منطقة الراحة هذه سجنا لقدراتنا ومواهبنا، لكنه عليه السلام أدرك بأن مستقبل الرسالة كما هو أي نجاح في الحياة إنما يقع خارج منطقة الراحة، فاتخذ القرار الصعب بالمغادرة، لمكان لا يعرف فيه أحدا، سيبدأ فيه من البداية مع أناس بثقافة مختلفة تماما عن ثقافة أهل مكة التي يعرفها وتعود عليها، لم تكن بداية سهلة، كما هي دائما البدايات، ولم تكن خالية من التحديات ككل قصص النجاح عبر التاريخ، لكنه خاضها بإصرار وبإيمان مطلق في رسالته.
إن أغلب من أعرف من زملاء اتخذوا القرار الصعب هذا، قد حققوا في فترة قصيرة ما لم يحققوه في سنوات طويلة في المكان الذي كانوا فيه، أعرف طبعا أن أصعب شيء على الفرد أن يستجمع شجاعته، ويتخذ خطوة بهذه الصعوبة، فالعادة سجن حقيقي، الخروج منه صعب جدا، لكن أحيانا كل ما يتطلبه الأمر هو خطوة صغيرة خارجها، حتما ستتبعها خطوات حالما تدرك بأن ما لم يقتلك زادك قوة، وأن أغلب مخاوفك كانت من صنع أفكارك ليس إلا، إنه لمن المؤلم أن نعيش العمر نجر أنفسنا جرا إلى وظائف نفقد فيها يوميا جزءا من بهجتنا،إنها حياة واحدة هي تلك التي سنحياها.