حرائق الاقتصاد الأخضر.. صناعة بشرية

رشا عبدالوهاب –

يجمع الكثيرون على أن السياسات الخاطئة وراء اندلاع حرائق غابات الأمازون غير المسبوقة، فهي ليست من صنع الطبيعة بل من صنع البشر. الحرائق لم تطل البرازيل وحدها بل جاراتها اللاتينيات أيضا، ومن بينها بوليفيا وبيرو وباراجواي فقد احترق حوالي مليوني فدان في بوليفيا وحدها، لكن البرازيل شهدت الحرائق الكبرى لأحراش السافانا. ونتيجة السياسة الشعبوية التي تتوغل في الحديقة الخلفية لواشنطن تأثرا بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن الطبيعة تدفع ثمنا باهظا، فقد أدخلت الحكومتان البرازيلية والبوليفية حيز التنفيذ سياسات تسمح بتطهير مناطق الغابات من أجل الزراعة وتوفير الأخشاب. وبين الخطابات النارية للسياسيين البرازيليين، وعلى رأسهم الرئيس جاير بولسونارو، وطرق الزراعة التقليدية، يقبع مستقبل الأمازون واقتصاد البرازيل نفسها في خطر داهم، منفتحا على سيناريوهات قاتمة. ويتفاخر بولسونارو الملقب بـ «ترامب الاستوائي» بأنه لا يفهم شيئا عن الاقتصاد، على الرغم من أن البرازيل تعد أكبر تاسع اقتصاد في العالم، والأكبر على مستوى قارة أمريكا الجنوبية. كما أكد مرارا على أن إزالة الغابات ضروري لإعادة بناء اقتصاد البرازيل المهدد بالكساد وتراجع النمو وارتفاع معدلات البطالة حيث يصل عدد العاطلين عن العمل إلى 13 مليون شخص. فالبرازيل، ومثلها شقيقاتها اللاتينيات، لا تملك خطة لما يعرف باسم «اقتصاد الغابات» التي يقوم بشكل أساسي على حسن استغلال الموارد من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل كأنها تتعمد إساءة استغلال هذا المورد المهم من أجل مكاسب سريعة.
وقبيل وصول بولسونارو إلى السلطة في يناير الماضي، تم تدمير حوالي 17% من مساحة الأمازون في 2018، بينما يرى الباحثون أن حجم التدمير وصل إلى أكثر من 25% من مساحة «رئة الأرض». ومنذ الستينيات من القرن الماضي شهدت الأمازون تدميرا ممنهجا مع انتشار المزارعين واتباعهم لطريقة «القطع والحرق»، ثم انتشار مربي قطعان الماشية. ومع اكتشاف احتياطات الوقود الأحفوري في المنطقة، اتسع نطاق التنقيب عن البترول، ووصل إلى ذروته في بداية الألفية الثالثة، حيث أسست شركات البترول عملياتها وسط الغابات، واستمر تقليص مساحات الأراضي. ومع زيادة الضغوط الدولية على بولسونارو لوقف مذبحة الأمازون، حيث هدد الغرب بوقف الصادرات البرازيلية إلى جانب إنهاء التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجموعة ميركوسو، تعهدت الحكومة بالدفع بحوالي 44 ألف جندي لاحتواء الحرائق وخصصت وزارة الاقتصاد حوالي 38 مليون دولار من أجل الهدف نفسه.
ويوفر قطاع الغابات، كمصدر للطاقة المتجددة، مجموعة واسعة من السلع والبضائع التي تصدرها البرازيل، وفي مقدمتها الأخشاب. وبصرف النظر عن القيمة الاقتصادية، مثل توفير منتجات الخشب وغيرها، فإن الغابات التي يتم الحفاظ عليها وعلى استدامتها تقدم خدمات للمنطقة التي تقع بها وللعالم مثل التخفيف من تأثيرات التغير المناخي، وحماية التنوع البيولوجي، والحماية من تآكل التربة، والحفاظ على تساقط الأمطار، وتوفير وظائف في المناطق الريفية. وفيما يسمى الاقتصاد الأخضر، والذي يهدف إلى تقليل المخاطر البيئية والحماية من أزمة الندرة، وإلى تحقيق تنمية مستدامة بدون تلويث البيئة، فإن قطاع الغابات يعتبر مهما للغاية في عدة قطاعات، وفي مقدمتها أنه يعتبر خط المواجهة الأخير ضد التغيير المناخي.
وتشكل منطقة الأمازون حوالي 61% من مساحة البرازيل «حوالي 5,3 مليون كيلومتر مربع»، يعيش عليها 20 مليون شخص. وتمثل الإمكانات الاقتصادية القائمة على الغابات ضخمة للغاية، وعلى الرغم من أن مشاركة البرازيل في التجارة عبر استغلال الغابات ما زالت صغيرة، وتصل إلى حوالي 3 إلى 4% بالمقارنة مع قطاعات أخرى، يمثل قطاع الغابات حوالي 8.6% من الصادرات البرازيلية ويوفر 6.5 مليون وظيفة. وفي جنوب وجنوب شرق البرازيل، يمتلك قطاع زراعة الغابات على وجه الخصوص مزايا تنافسية للنمو، بالنظر إلى المناخ والبنية التحتية والخبرة التكنولوجية. ويقدم تنوع الغابات الأصلية في الأمازون فرصا تجارية لم يتم استغلالها بالكامل. وخلال الثلاثين عاما الماضية، تواصل جنون البحث عن الموارد الطبيعية في الأمازون البرازيلية مما تسبب في نموذج من النشاط البشري الذي لم يسهم في تحسين جودة الحياة ولا زيادة الدخل للسكان المحليين، بل في تدمير الأمازون. وتم تجريف 17 في المائة من هذه الغابات، حوالي 60 مليون هكتار، وهو ما يعادل مساحة فرنسا خلال العقود الثلاثة الماضية. واضطرت الحكومات البرازيلية المتعاقبة تقديم حوافز قوية لإعادة إعمار وهجرة السكان إلى من أجل تنمية هذه المنطقة في وقت كان يتم اعتبار الغابات «حواجز أمام النمو الاقتصادي».
وذكرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» أنه يتم حصاد أكثر من 1.5 مليون هكتار سنويا من أجل الخشب، باستخدام ممارسات تتسبب في تدهور الغابات وفقدان التنوع البيولوجي. وتدهورت مساحة أكثر من ثلث الأمازون نتيجة للممارسات غير المستدامة. بالإضافة إلى التأثير المترتب على تجريف الغابات وتقليص مساحتها واستخدام الحصاد البدائي وقطع وحرق الأشجار تضع ملايين الهكتارات من الغابات أمام خطر الحرائق. وفي سنوات زيادة ظاهرة «النينو»، المتمثلة في ارتفاع درجة حرارة المحيطات، تصبح الغابات أكثر عرضة لاشتعال الحرائق نتيجة تراكم الوقود «الأوراق الميتة» على الأرض. ولم يتسبب استغلال الغابات في تنمية حقيقية أو توفير فرص عمل أو دخل أفضل لتوزيعه على السكان ولا حتى فوائد بيئية لإفادة المنطقة، وحاليا يعيش 45%من سكان الأمازون البرازيلية تحت خط الفقر. ويعود تقليص مساحات الغابات في جزء كبير منه إلى تفاعل معقد بين مجموعة من العوامل المباشرة وغير المباشرة مثل التعدين وقطع الأخشاب والحشائش من أجل المراعي والاستثمار في البنى التحتية وضعف القانون وارتفاع أسعار اللحوم والبقوليات، بالإضافة إلى توسيع مساحات الزراعة لتشمل محاصيل أخرى على حساب الغابات. وفي تسع ولايات من الأمازون البرازيلية، فإن المنطقة المزروعة بالمحاصيل نمت على حساب الغابات بمساحة تصل إلى 3,6 مليون هكتار في الفترة من 2001 إلى 2004. وخلال الفترة نفسها، كانت أكبر زيادة في المساحات المزروعة بفول الصويا في ماتو جروسو، الولاية الأعلى في تقليص مساحات الغابات بنسبة 40%. وتضافرت مجموعة من العوامل من أجل زيادة المساحات الزراعية، ومن بينها انخفاض تكاليف النقل نتيجة تحسن البنى التحتية، وارتفاع أسعار فول الصويا عالميا وزيادة الطلب عليه من الأسواق الأوروبية بسبب انتشار مرض جنون البقر، والنمو الاقتصادي المتسارع للصين، والتي تستهلك كميات ضخمة من الدواجن واللحوم وفول الصويا. وتعتبر البرازيل واحدة من أكبر الدول المصدرة للحوم حيث تقدر صادراتها بحوالي 20% من حجم التجارة العالمية، وازداد حجم القطعان التي تملكها البرازيل من الماشية بنسبة 56% خلال العشرين عاما الماضية.
كما يتم استخدام فول الصويا كوقود حيوي، وأعلنت الحكومة البرازيلية إضافة إلزامية للوقود الحيوي بنسبة 2% إلى الديزل في 2008، وارتفعت هذه النسبة إلى 8%، حيث ارتفع استهلاك الوقود الحيوي بنسبة 2.5 مليون لتر سنويا. هذه السياسة، إلى جانب الاهتمام المعلن من دول أخرى للحصول على بدائل للوقود، شجع المنتجون المحليون على زيادة المساحات المزروعة من فول الصويا، وهو ما يعنى أن لابد من تجريف مليوني هكتار من الغابات من أجل تلبية الطلب على الوقود الحيوي. قدر الخبراء أن 25% من الأدوية الصيدلانية التي تباع في الولايات المتحدة قادمة من 40 مصنعا في الأمازون، بينما تستمد 40% من كل الأدوية من نبات الغابات مثل أدوية الصداع والقلب والسرطان.
بالإضافة إلى كل ما سبق، فإن ما يحدث في الأمازون يعتبر «إبادة» جديدة في الألفية الثالثة للسكان الأصليين حيث يعيش أكثر من 300 ألف منهم بالقرب من أو داخل هذه الغابات. هذه التطورات تهدد اقتصاد القارة الجنوبية برمته حيث أكدت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الحديث عن البرازيل كعملاق في الجنوب الأمريكي أو التقدم الاقتصادي في القارة الجنوبية بأكملها أصبح «نكتة قديمة».