القوى الكبرى.. وسياسة «العصا والجزرة» لإنقاذ العالم

مروى محمد إبراهيم –

رغم الخلافات الدولية التي طغت على اجتماعات قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في بياريتز بفرنسا، إلا أنهم نجحوا في الاتفاق على ضرورة تسجيل موقف دولي حاسم تجاه كارثة الأمازون، محذرين من أن العالم كله سيدفع ثمن فناء هذه الغابات باهظا، في حالة فشل المجتمع الدولي في التحرك قبل فوات الأوان.
على الرغم من أن العام الحالي شهد عشرات الآلاف من حرائق الغابات، ربما أكثرها شهرة تلك التي اجتاحت ولاية كاليفورنيا والتهمت منازل نجوم هوليوود في ماليبو، إلا أن هذه الحرائق لم تلق الصدى ولم تثر رعب العالم مثل ما حدث مع غابات الأمازون، والتي تعتبر الدرع الأخضر الأضخم وربما الأخير الذي يحمي كوكب الأرض من ظاهرة الاحتباس الحراري، بل وحماية البشرية من الاختناق. ولذلك فقد انتفض العالم كله لبحث كارثة الأمازون وتخصيص المساعدات وإيفاد طائرات الإطفاء لإخماد النيران المشتعلة منذ أسابيع. وتصدرت الأزمة مباحثات الدول الصناعية السبع الكبرى في فرنسا، واتبع قادتها سياسة العصا والجزرة على أمل وقف الجريمة البيئية المتعمدة التي تشهدها البرازيل حاليا. لا يمكن أن ننكر أن الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو- أو كما يطلق عليه «ترامب البرازيلي»- ينتمي إلى تيار اليمين المتطرف أو الشعبويين الذين يرفضون الاعتراف بأهمية مكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري وعواقب التغيرات المناخية على كافة الأصعدة. ولا أدل على ذلك من أن استغلال الأمازون اقتصاديا كان من أهم تعهدات الرئيس البرازيلي الانتخابية والتي ضمنت له الصعود إلى الحكم، بل إن وزير البيئة البرازيلي ريكاردو سالس يؤمن بضرورة التخلص من أشجار الأمازون واستغلال هذه المساحة الخضراء الشاسعة لأغراض أخرى. وهو ما استدعى وقفة عالمية فورية لحماية الكوكب من هذا الفكر المدمر. من ناحيتها، حثت فنلندا، الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي، وزيرة الخارجية الأوروبية فيديريكا موجيريني على استخدام «جميع الوسائل» للمساعدة في وقف حرائق الأمازون. وقالت كريستا ميكونين وزيرة البيئة الفنلندية في رسالة إلى موجيريني «الإجراءات الأخيرة في البرازيل على وجه الخصوص تنطوي على خطر قد يؤدي إلى دوامة شرسة من الدمار في الغابات المطيرة». وحذرت ميكونن من أنه «لا يمكن للمجتمع الدولي أن يدع الكارثة تصل إلى نقطة اللاعودة». وفي خضم إدانة عالمية متزايدة لموقف حكومة برازيليا، وتصاعد القلق الأوروبي بشكل خاص من تعامل البرازيل مع الأزمة. لم يخف الزعيم البرازيلي اليميني المتطرف إعطائه الأولوية للزراعة على حماية الغابات. ودفعت سياساته ألمانيا إلى تعليق تمويل مشاريع في البرازيل؛ ردًا على ذلك، وهو ما دفع بولسونارو لتحدي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ساخرًا «خذي ما تدفعيه ، وأعيدي تشجير ألمانيا، حسنًا؟» وعلى الرغم من حرص ميركل على دعم صفقاتها الخارجية، خاصة الضخمة منها، إلا أن الخضر ذوي النفوذ المتزايد في ألمانيا هم أقوى المنافسين لحزب ميركل الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وأيضًا شركاء محتملين في الائتلاف. ولذلك، فإن كل المؤشرات تؤكد أن دعم موقفها السياسي يتواءم مع دعم موقفها من البيئة ومهمتها لحماية المناخ. أما مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فذهب إلى حد اتهام بولسونارو بالكذب عندما قلل من شأن المخاوف بشأن تغير المناخ في قمة مجموعة العشرين وهدد بمعارضة الصفقة التي أبرمت في يونيو الماضي بين الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة ميركوسور، وهي البرازيل ، والأرجنتين ، وأوروجواي، وباراجواي. الاتفاق الذي تم التوصل إليه في يونيو الماضي بين المفوضية الأوروبية ودول الميركسور، بعد 20 عامًا من المفاوضات، يحتاج إلى تصديق كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. فهي جزء أساسي من تركة المفوضية المنتهية ولايتها ، برئاسة جان كلود يونكر، وهي أكبر صفقة أبرمها الاتحاد الأوروبي للتخلص من تعريفات جمركية تقدر بـ4 مليارات يورو سنويًا، وهي أضخم اتفاقية تجارية تبرمها مجموعة ميركوسور منذ تشكيلها في عام 1991. وعلى الرغم من أن هذه الاتفاقية التجارية الضخمة تبعث برسالة سياسية للعالم، مفادها أن الاتحاد الأوروبي لا يزال القوة الرئيسية وراء التجارة الحرة. ولكن هذا لم يؤثر على موقف ماكرون، بدعم من ميركل، الذي لم يتردد لحظة في التلويح برفض الصفقة. ويبدو أن التهديد جاء هذه المرة بنتائج فورية، فقد أكد الرئيس البرازيلي أنه سيتخذ إجراءات عاجلة لإخماد هذه الحرائق بما في ذلك إيفاد قوات الجيش للقيام بهذه المهمة. وتضامنا مع ألمانيا وفرنسا، هدد رئيس الوزراء الأيرلندي ليو فارادكار بالتخلي عن الاتفاق بسبب موقف بولسونارو، ولكن في الواقع أيرلندا لا تسمح بلحوم الأبقار البرازيلية الرخيصة في السوق الأوروبية؛ لأن ذلك يشكل تهديدًا للمزارعين الأيرلنديين. وعلى الرغم من أن المسؤولين الأوروبيين بشكل عام حاولوا الدفاع عن الصفقة، قائلين إنها فرضت بالفعل التزامًا على أمريكا الجنوبية باتباع أهدافها المناخية المنصوص عليها في اتفاقية باريس 2016 للمناخ وتجنب إزالة الغابات. فقد ثبت أن المزيد من الانفتاح على التجارة يزيد من معدلات إزالة الغابات في البرازيل. وهو ما يعني أنه من الضروري لماكرون والقادة الأوروبيين الآخرين إعادة النظر في اتفاقية ميركوسور التجارية ردًا على سلوك بولسونارو، خاصة في ظل صعوبة إلغائها. فقد أصدرت وزارة الزراعة الأمريكية في عام 2017 تقريرًا عن إزالة الغابات. كانت الفكرة الرئيسية للدراسة التي تكمن وراءها معرفة المنتجات الأكثر ضررًا لغابات في مختلف الدول، وخاصة في البرازيل والأرجنتين أعضاء مجموعة الميركسور. وأوضح التقرير أن لحوم الأبقار وفول الصويا يلعبان دورا رئيسيا في إزالة الغابات.
ورغم الخلافات الدولية التي طغت على اجتماعات قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في بياريتز بفرنسا، إلا أنهم نجحوا في الاتفاق على ضرورة تسجيل موقف دولي حاسم تجاه كارثة الأمازون، محذرين من أن العالم كله سيدفع ثمن فناء هذه الغابات باهظا، في حالة فشل المجتمع الدولي في التحرك قبل فوات الأوان. فما كان منهم في نهاية الأمر سوى إقرار 20 مليون دولار لمساعدتها في إخماد الحرائق المشتعلة. ولكن الطريف أن العرض الدولي قوبل بالسخرية. فلم يكتف بولسونارو بالسخرية من العرض بل إنه ذهب إلى حد إهانة الرئيس الفرنسي وزوجته بريجيت ماكرون والسخرية من سنها. واعتبر الرئيس البرازيلي أي انتقادات لسياساته بأنها إهانة له ولحكومته وبلاده.
ووصف الرئيس البرازيلي للانتقادات الدولية لإدارة حكومته للأزمة بأنها «عقلية استعمارية» في العصر الحديث. ويبدو أن كل مؤسسات الدولة تتوافق معه، حيث اعتبر القائد السابق للجيش البرازيلي إدواردو فيلاز بواس الإدانات الدولية «هجمات مباشرة على السيادة البرازيلية». وهو نفس التعبير الذي استخدمه وزير الخارجية إرنستو أراخو. ولكن سرعان ما تراجع بولسونارو عن موقفه، حيث أكد في البداية أنه سيقبل الأموال ولكن بشرط أن يعتذر ماكرون عن إهانته له، متجاهلا سيل الإهانات الشخصية التي وجهها هو للرئيس الفرنسي. ولكنه لم يتوقف عند ذلك، بل إنه عاد ليؤكد أنه سيقبل المساعدات الدولية بشرط أن يكون له حق التصرف فيها كيفما ترآى له، وبرر ذلك بأنها «سيادة دولة» ولابد من الجميع من احترام سيادتهم كدولة. الموقف الغريب والمتحول لحكومة البرازيل يكشف عن عدم جدية في إخماد هذه الحرائق، التي تؤرق العالم وتشعل مخاوفه. أما ترامب، فلم يقل موقفه عنفا عن موقف بولسنارو. فما كادت القمة تنتهي، وتتنازل البرازيل عن موقفها المتشدد إزاء المساعدات الدولية، حتى أعلن مجلس الأمن القومي الأمريكي أن واشنطن لم تبد أي التزام تجاه البرازيل. وهو ما يتناسب تماما مع رؤية ترامب الشعبوية الذي ينظر إلى معارك المناخ باعتبارها حروب مع «طواحين الهواء»، بمعنى أنها ليست واقعية وغير مجدية واستنزاف غير مبرر للثروات. كارثة الأمازون لن يقتصر ضررها على دول المنطقة اللاتينية، ولكنها ستؤثر على الغلاف الجوي لكوكب الأرض بشكل عام، لذلك كان لابد من تحرك عالمي متكامل لإنقاذ عالمنا من الفناء.