حارة اللحمة ببهلا شاهد تاريخي على الإبداع الهندسي المعماري العماني

تقع في مركز واحة الولاية وتنتظر المزيد من الاهتمام خوفا من اندثارها-

بهلا ـ أحمد بن ثابت المحروقي –

تتوزع الحارات القديمة في مختلف الأرجاء بولاية بهلا، التي تتمتع بمكنونات تراثية ومواقع أثرية شاهدة على عراقة التاريخ العماني تتربعها قلعة بهلا الشامخة المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي وحصن سلوت الأثري الذي يعود لعصور غابرة تعود للألفية الثالثة لما قبل الميلاد وحصن جبرين التحفة المعمارية الفردية التي بناها الإمام بلعرب بن سلطان، وغيرها من المواقع والحارات بمركز الولاية والقرى التابعة لها تظل شواهد حية رغم مرور مئات السنين إلا أنها ما زالت تحتفظ بأجزاء كبيرة منها وتنتظر المزيد من الرعاية والاهتمام خوفا من اندثارها واختفائها فلا بد من استثمارها وترميمها كمواقع سياحية وواجهة تراثية واستعادة أمجادها والعمل على التسويق لها بصورة حديثة مبتكرة.
«عمان» كانت لها هذه الوقفة مع حارة اللحمة بولاية بهلا وزيارتها والتعرف على تاريخها، وما تحمله من شواهد صامدة وآثار خالدة تحكي براعة الإنسان العماني.
خلال زيارتنا لحارة اللحمة ببهلا التقينا بالباحث التاريخي زكريا بن عامر الهميمي ليحدثنا بصورة موسعة عن الحارة.

التسمية والموقع

بداية أوضح زكريا الهميمي: إن حارة اللحمة تقع في مركز واحة مدينة بهلا العريقة «وسميت بهذا الاسم -فيما يقال- من اللحمة بضم اللام وسكون الحاء: أي التجمع والتعاون والتآزر ورص الصفوف، فهي تضم من قديم الزمان مجموعة من القبائل التي تجمع بينها أواصر القربى والمصاهرة والمصالح المشتركة، وقيل إن سبب هذه التسمية يعود إلى كون هذه الحارة بؤرة تجمع للجيوش والمقاتلين إذ تتلاحم وتلتقي فيها الجيوش وتتخذها معقلًا لها ومقرًا لسكناها في أوقات الحرب، وتلفظ حارة اللحمة باللهجة العامية المحلية بفتح اللام بدل ضمها وهم يعنون بذلك وصف حارة اللحمة كقطعة لحم واحدة في وحدة سكانها.
شاهد أثري تاريخي على وجود حارة اللحمة قديمًا.
وأشار الباحث زكريا الهميمي إلى أن أقدم تاريخ مدوَّن تم العثور عليه يعود ويدل على وجود حارة اللحمة إلى عهد دولة اليعاربة، ففي عهد الإمام سلطان بن سيف بن سلطان بن سيف بن مالك اليعربي خامس أئمة اليعاربة عام 1717 م تمت صناعة باب كبير لأحد مداخل الحارة على يد أحد الحرفيين المتخصصين في صناعة الأبواب في تلك الفترة، ويسمى حمزة كما ظهر ذلك جليًا في الأبيات الشعرية الثمانية المنتهية بقافية الباء والمنحوتة في الباب التاريخي القديم لصباح حارة اللحمة الذي كان قائمًا حتى عهد قريب.

التحصينات والتصميم الدفاعي للمباني

بين الباحث زكريا الهميمي: إن حارة اللحمة تتميز بوجود تحصينات عسكرية ودفاعية، فبجانب أسوارها العالية التي يوجد في بعضها أماكن للرماية بالسلاح الناري، وعدد من الغرف الحربية الطراز، فإن لها أيضا ثلاث بوابات كبيرة في بعضها فتحات من الأعلى تستخدم لإطلاق النار أو لصب العسل الأسود المغلي على المهاجمين، ففي جهة الشمال هنالك باب العميري، أما من جهة الجنوب فهناك باب صباح اللحمة، كما أنه كانت في أعلى الباب غرفة علوية يستخدمها أبناء قبيلة العلويين للتشاور فيما بينهم وفي عقد اجتماعات تهم شؤون قبيلتهم، وبجنب هذا الباب أيضا كانت هنالك غرفة صغيرة تسمى بـ: «غرفة المقبرة»، وكانت توضع فيها الطارقة، وهي السرير الذي يحمل عليه الميت والخاص بأهالي هذه الحارة، أما الباب الثالث فيسمى صباح الحميدي، وكان يقع في جهة الشرق من مباني حارة اللحمة، وكان هنالك سلم مصنوع من الحجارة الملساء يتكون من عدة درجات للدخول لهذه البوابة. ويقدر عدد البيوت القديمة في حارة اللحمة بحوالي 24 بيتًا تقريبًا، ومعظم تلك المنازل قد كانت تتكون من طابقين، وتقع في صفوف متقابلة تفصل بينها عدد من الممرات، إضافة إلى وجود بعض الغرف العلوية في أعلى الطابق الثاني لبعض المنازل، وبعض تلك المنازل كانت تحمل أبوابها عددًا من الأبيات الشعرية المنحوتة في الخشب، إضافة إلى مجموعة من الأقواس والنقوش والزخارف الطينية والنوافذ الخشبية ذات النقوش الهندسية البديعة. ومن بين تلك المنازل ذات العمارة التقليدية العمانية منزل الشيخ العلامة الفقيه عمر بن سعيد بن عبدالله المعد البهلوي وهو منزل متهدم كان بداخله قوس كبير مزخرف بديع الصنع بالجص، وبه من جهة الأعلى من اليمين طبق أزرق مصنوع من الخزف الصيني الأزرق وكذلك من جهته اليسار، لكن بسبب عوامل الزمن زالت تلك الزخرفة وبقي القوس، وباب هذا المنزل كان به عدد من الأبيات الشعرية المنحوتة المنتهية بقافية النون ومنزل سالم بن سعيد بن سليمان الهميمي، وهو مكون من طابقين، ويعرف ببيت المتكاب، ويعد من أجمل المنازل الموجودة حاليًا في هذه الحارة وهو يمثل فنًا من فنون العمارة العمانية القديمة والذي لا يزال يحتفظ بهيئته المعمارية حتى يومنا هذا. كما تتميز هذه الحارة بوجود عدد كبير من آبار مياه الشرب تقدر بحوالي 26 بئرًا تقريبًا، وتقع جميعها داخل مبان وأسوار هذه الحارة، وهي توفر نوعًا من الاعتماد الذاتي على مصادر المياه خاصة في أوقات الحرب وعدم الاستقرار الأمني، كما توجد في هذه الحارة أيضا أماكن لطحن وتخزين الحبوب كنوع من الأمن الغذائي الداخلي تلبية لحاجات السكان داخل أسوار الحارة. وتتبع حارة اللحمة بعض المناطق الأخرى التي تقع خارج أسوارها، التي يسكنها أيضا عدد من السكان كانوا ينتقلون في فصل الشتاء، وفي فصل الصيف وخاصة في أوقات جني ثمار النخيل من وإلى داخل الحارة كونهم كانوا يمتلكون منازل خاصة بهم فيها، وتشمل تلك المناطق منطقة تسمى البصرة، ومنطقة تسمى العميري، ومنطقة بستان اللحمة. وكانت تقطن هذه الحارة ولا تزال مجموعة من القبائل أهمها الهميميون والعلويون والذهليون والمعديون والهذيليون والبيمانيون والكنديون والشماخيون.

مجلس اللحمة

لحارة اللحمة مجلس عام يجتمع فيه الأهالي وإلى يومنا هذا للتشاور ولمناقشة الشؤون المتعلقة بمحلتهم، كما أنه يستخدم لتقبل واجب العزاء، وللاحتفال ببعض المناسبات كمناسبة عقد القران، وكان هذا المجلس قديمًا عبارةً عن مبنى صغير مبني من الطين بني منذ سنين عديدة، تم بعدها هدمه وتوسعته وقام سليمان بن عامر بن سليمان الهميمي 1954م بالتبرع من ماله الخاص لإعادة بناء ذلك المجلس من جديد، فتم هدم المجلس وتوسعته توسعة كبيرة، وقد كان سليمان في تلك الفترة مسؤولا عن شؤون ذلك المجلس، وهو منصب كان يعين فيه شخص لإدارة شؤون ذلك المجلس بعد التشاور مع أهالي الحارة، وكان يسمى صاحب ذلك المنصب: «أب السبلة»، ويقصد به القائم على شؤونها واحتياجاتها فهو بمثابة أب ووالد لها»، وفي ثمانينات القرن الميلادي الماضي تم هدم مبنى مجلس حارة اللحمة الثاني هذا، وتمت إعادة بنائه من جديد وفقًا للطراز المعماري الحديث مع توسعته توسعة كبيرة.
تنور الحارة

يقع في جهة الغرب من هذا المجلس وعلى بعد أمتار قليلة منه تنور مستدير الشكل يستخدمه أهالي حارة اللحمة وما زالوا حتى يومنا هذا لشواء اللحم في كل من عيدي الفطر والأضحى، وعادة الشواء هذه هي عادة عمانية قديمة ما زال الخلف يحافظون عليها اقتداء بمن سلف من أجدادهم فهي تمثل لديهم نمطًا من أنماط التعاون والألفة الاجتماعية، ولهذا التنور وقف خاص به مدون في إحدى مخطوطات وقف هذه الحارة.

المكتبات الخاصة

كان يوجد في حارة اللحمة عدد من المكتبات الخاصة الصغيرة والتي كانت تضم عددًا من المخطوطات والكتب المطبوعة نذكر منها في القرن الرابع عشر الهجري التالي: مكتبة سليمان بن عامر بن سليمان الهميمي وكان بها حوالي عشرين مخطوطا، ومكتبة المعلم والفقيه الفرضي سيف بن سالم بن سعيد الهميمي، ومكتبة محمد بن سالم بن سعيد الهميمي، ومكتبة سالم بن مسعود الهميمي، ومكتبة سليمان بن سيف بن راشد العلوي.

مسجد الحارة

يقع مسجد حارة اللحمة في جهة الجنوب الغربي من حارة اللحمة ويقع هذا المسجد أيضًا بالقرب من فلج الميثا والذي يعد أحد أقدم وأشهر الأفلاج العمانية في ولاية بهلا، ويلاحظ أن الكثير من المساجد يتم تشييدها بالقرب من الأفلاج -وهي سمة بارزة تتميز بها الكثير من المساجد في عمان- بغرض توفير مصدر مياه قريب للاغتسال والوضوء استعدادًا لأداء الصلاة. وكان هذا المسجد قديمًا عبارة عن بناء هندسي مستطيل الشكل مبني من الطين والحجارة، وقد تميز هذا المسجد بارتفاع قاعدة بنائه عن سطح الأرض تمييزًا له عن بقية البيوت المجاورة له، وكذلك بغرض حماية أساسات المسجد من المياه التي تفور من تحت سطح الأرض نظرًا لقرب أرضه من فلج الميثا والذي كانت مياهه تتسرب إلى تحت أساسات المسجد، كما أن المكان الذي بني تحته المسجد كانت به كمية من المياه المتدفقة من باطن الأرض في أيام الخصب، فبناء على ذلك قام أجدادنا برفع أساسات المسجد وتشييد المسجد في مكان مرتفع نسبيا، وكانت للمسجد كذلك ساحة أمامية خارجية كبيرة تعد بمثابة صرحة لذلك المسجد ، وكانت في ساحته أيضا في جهة اليسار مبردة تستخدم لوضع آنية من الفخار تستخدم للشرب، وله سلم مرتفع يستخدم للوصول إلى ساحة المسجد، وكانت للمسجد بوابتان مصنوعتان من الخشب تعلوهما فتحات من قطع خشبية ذات خطوط خشبية متقاطعة، كما كان للمسجد أربع نوافذ خشبية ذات طول مرتفع تعلوها فتحات مقوسة الشكل. وكان بداخل المسجد عدد من الأعمدة الطينية تحمل سقف المسجد، وكانت تلك الأعمدة مكسوة بالجص، وفي وسط جدار القبلة محراب جميل مصنوع من الطين في وسطه مجموعة من التجاويف الصغيرة على شكل أقواس تمثل مجموعة من المحاريب الصغيرة الأخرى ضمن إطار المحراب الكبير، و تقع في أعلى ذلك المحراب قطع من التشكيلات الطينية مثلثة الشكل وصناعة ذلك المحراب تدل على مهارة وإتقان صانعها والمحراب في المسجد إضافة إلى كونه يدل على اتجاه القبلة فهو في الوقت نفسه يتوسط جدار القبلة في المسجد باعتباره موضعًا لوقوف إمام الصلاة مما يسهل عملية ضبط صفوف المصلين بشكل متساوٍ ومتوازنٍ. ووقف مسجد حارة اللحمة مدون في ثلاث مخطوطات، وتمثل هذه المخطوطات نماذج لتدوين الوقف في عمان والذي يهدف إلى المحافظة على الوقف عن طريق الكتابة. وقد تم عام 1997م إعادة بناء المسجد على الطراز الحديث بتكاتف وتبرعات من أهالي حارة اللحمة، ومن بعض المحسنين. وقد تم افتتاح المسجد رسميًا تحت رعاية سماحة الشيخ العلامة الجليل أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة -حفظه الله- في 17 من شهر يونيو عام 1998 ميلادي.