المفهوم والتحقق النسبي لـ «أهداف التنمية المستدامة»

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

استفتح هذه المناقشة حول هذا الموضوع المهم جدا، بطرح التساؤل التالي: من يذكر من في قضية «التنمية المستدامة» وهي القضية الأزلية في أجندات كل الحكومات، منذ بدء نشأتها الأولى، حيث يعاد ترتيب الأهداف من جديد، لتظل القصة مستمرة بلا نهاية، حتى مع إسدال الستارة على آخر مشهد في ندوات ومناقشات «أهداف التنمية المستدامة»؟

إن أحداث الواقع وتراتبية ما يجري فيه من إرهاصات، ومن تموجات، ومن تفاعلات، ومن أخذ ورد، يحتم أن تطرح أسئلة صعبة في هذا الاتجاه، وأن تطرح أسئلة محورية، وأن تطرح أسئلة صادمة، لأن المسألة تخرج عن صورة «الاستهلاك» الإعلامي، والصور الاحتفالية المرافقة مع طراوة الحدث، وإلا فما هي الفائدة المرجوة من ندوات، ومؤتمرات، وإعدادات فنية، وإدارية لا أول لها ولا آخر، وفي نهاية العام تكون كل القضايا المطروحة، وكل المشروعات التنموية المدرجة على جدول أعمال هذه الندوات لا تزال تراوح مكانها، في حالة من تكرار المشهد، والمتحقق غير ملموس، وغير منظور؛ وبالأخص؛ في القضايا التي هي مثار نقاشات، ومداولات الندوات المعنية بـ «أهداف التنمية المستدامة».

كثير من الدول تضع على رأس أجندة خططها الاستراتيجية محاور لندوات واجتماعات «التنمية المستدامة» لإيجاد مخارج وحلول جذرية لتحقيق ضمانات أكيدة لموضوعات مختلفة: اجتماعية، صحية، تعليمية، مساواتية، وتسخّر الإمكانيات المادية، والفنية، والقوى البشرية للوصول إلى الغايات المرجوة من كل ذلك، وبالتالي فإن حدث ذلك، وبكل صدق وأمانة، استطاعت هذه الدول أن تخرج من مأزق الوقوع في خنادق هذه العناوين كلها، وأضفت على شرعية بقاءها واستمرارها أعمارا أطول، وعززت قدرات شعوبها من التمكين، والفاعلية في مشروع التنمية الكبير، والممتد، وإن حدث العكس فإنه يقينا سوف تعود من جديد إلى طاولة نقاشاتها لتبدأ من جديد أيضا في بحث ومناقشات ذات الموضوعات، وهذه إشكالية كثير من النظم السياسية، وهذا ما لا يعبر عن واقعية حقيقية في مواجهة المشاكل والقضايا العالقة على جداول مشروعات التنمية المستمرة.

وهذا النوع من الـ «مماطلة»- إن يجوز الوصف – في تحقق «أهداف التنمية المستدامة» يعبر عن موقف خطير لا تزال تعاني منه التنمية، سواء في استدامتها؛ عبر مشروعها الحضاري الكبير والممتد؛ أو عبر برامجها القصيرة الأجل، وهذا كله عائد إلى سوء الإدارة والتخطيط، وعدم وجود الرؤية الواضحة في التنفيذ، وهنا يستلزم أن يكون حاضرا؛ وبقوة القانون؛ الجانب المحاسبي، لأن البشر هذا ديدنهم لا ينقادون ببساطة نحو الأهداف السامية؛ لقصور الوعي المعرفي بأهمية أن تكون المشاريع وطنية، أو دون ذلك، والنفس، كما هو ديدنها الفطري لا تنحاز إلا إلى ما يشبع رغباتها، ويحقق لها مصالحها الخاصة جدا جدا، وهذه إشكالية إنسانية، تحتاج إلى كثير من الترويض، والتنظيم، والمعالجات الفنية الأخرى المساندة، وهذه ليست إشكالية حكومات، محصورة جهودها في إطار جغرافيتها ومحيطها السياسي، والاجتماعي والثقافي، فقط، وإنما تعاني منه حتى المنظمات الدولية، ولعلني هنا أستشهد بما كتبه الدكتور/‏‏ باسل البستاني من كتابه: (الإنسانية في مواجهة النيولبرالية) حيث كتب يقول: «أعلنت الجمعية العام للأمم المتحدة في سبتمبر 2015م اعتماد أجندة جديدة هي «أهداف التنمية المستدامة» لتكون متممة لأجندة «الأهداف الإنمائية للألفية» التي انتهت صلاحيتها في نهاية 2015. بدء العمل بالأجندة الجديدة منذ يناير 2016، وسيستمر حتى 2030»(…) أن رصيد الإنجاز المتحقق في الأجندة الأولى لم يكن رصينا ولا متكاملا، بل جاء غير متناسق في مساره ومقلق في نتائجه، الأمر الذي استوجب اعتماد أجندة جديدة بحكم ضرورة الاستمرارية بحد ذاتها»-انتهى النص -.

ووفق هذه الرؤية التي يطرحها البستاني؛ فقد اضطرت الأمم المتحدة إلى مراجعة الأجندات القديمة المطروحة في لـ «أهداف التنمية المستدامة» لأن ما هو متحقق لا يرضي الطموح، أو «لم يكن رصينا ولا متكاملا» حسب تعبيره، فإذا كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة بكل ما يتوفر لها من إمكانيات مادية وفنية، وقوى بشرية تخفق في تحقيق ما تم اعتماده لتعزيز بنى، واستراتيجيات، وبرامج «أهداف التنمية المستدامة» فما بالك بالأقل هذه الإمكانيات من الدول؟

أرفق هنا أيضا السؤال التالي: كيف يمكن توظيف المنظور الثقافي في نقل مختلف هذه التنظيرات إلى تبني مشاريع واقعية تحقق «أهداف التنمية المستدامة»؟ ويأتي هذا السؤال لليقين الموجود أن تحقيق «أهداف التنمية المستدامة» لن يكون بمعزل عن وجود أرضية ثقافية خصبة تستوعب جملة المفاهيم المطروحة في هذا الاتجاه، فالمسألة ليست فقط حالة «ديناميكية» مادية بحتة، وإلا لتم تحقيق كل برامج التنمية؛ بلا استثناء؛ وبدون أية مشكلات، كما هو حاصل لآليات عمل الآلة المجردة، بضغطة زر، تنجز في زمن قياسي، مالم ينجزه البشر في أزمان ممتدة، وهل يمكن استثناء العنصر البشري في تنفيذ أجندات وأهداف التنمية؟ الجواب: طبعا لا يمكن بأي حال من الأحوال، لأن المعنيين بهذه الأهداف هم البشر ذاتهم في مناخات حيواتهم المختلفة، وبالتالي حتى تلقى هذه الأهداف طريقها نحو التحقق، هنا يتطلب الأمر أن يكون هناك مشروع ثقافي موازٍ قائم ليتم استيعاب هذه الأهداف وتبنيها من قبل الطرفين، الجهات التي تعمل على تحققها، والمتلقي المعني بها لتغيير حياته، ونقلها من حالتها الخاملة، إلى حالتها المتفاعلة الجديدة.
وفي حالتنا العمانية فقد «أكد المؤتمر السنوي الثامن عشر الذي عقد تحت عنوان «دور الحكومات العربية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة» خلال الفترة (26 – 27) نوفمبر 2018م بقصر البستان، بالتعاون مع المنظمة العربية للتنمية الإدارية بجامعة الدول العربية على أهمية بناء النموذج التنموي الجديد على أسس صلبة تحقق الاحترام والمطلق لحقوق الإنسان ومبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين، وتوحيد كافة الجهود لتحقيق السلام والأمن والابتعاد عن كافة أشكال النزاعات التي تحد من قدرة الدولة على الإبقاء بالتزاماتها في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها، وبما يساهم في خفض كلف الأجندات الأمنية بالإضافة إلى تفعيل نظام المساءلة والرصد الفعال لتعزيز الدور التنموي للدولة من خلال التشريع وتوفير مناخات مناسبة للنمو الاقتصادي وتوفير إمكانية اللجوء إلى القضاء أمام الجميع وخضوع جميع المؤسسات العامة للمساءلة.
وأشار المؤتمر – الذي حضره كبار المسؤولين في الجهات المعنية في السلطنة، وعدد من المهتمين، ورجالات الصحافة والإعلام – إلى أهمية متابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي ترتكز على رؤية موحدة تتمثل في توطيد النزاهة والحد من الفساد بشكل ملموس، وتفعيل قانون الحق في الحصول على المعلومات الذي يهدف إلى ضمان حق المواطنات والمواطنين في الحصول على المعلومة الموجود في حوزة الإدارة، ترسيخا لمبادئ الشفافية في الإدارة العامة، وحث الجهات المتخصصة في الدول العربية على استدامة خلق الشفافية المالية العامة والوصول إلى المعلومات المتعلقة بجباية الضرائب وسبل إنفاق العائدات وتعزيز الوعي العام للمواطن بما يضمن تواصله مع الحكومة». جريدة عمان؛ 28/‏‏11/‏‏2018م؛ العدد (13693).
وكما هو ملاحظ من العناوين التي ناقشها المؤتمر؛ تأتي مبادئ حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية على رأس قائمة ما يجب تحقيقه من طرح ومناقشة أجندات «أهداف التنمية المستدامة» وبعد عام من إقامة هذه النقاشات، لا بد أن يطرح التساؤل عما تم تحقيقه في كل هذه الموضوعات المطروحة، وهي بمثابة مشروعات مهمة جدا، وذلك عبر مختلف الوسائل، ومنها الوسائل الإعلامية؛ وهي المعنية بالمتابعة، والمراقبة، حتى لا يعود المجتمعون مرة أخرى لطرح نفس القضايا، وبنفس المفردات، والمعاني، وكأن الذاكرة استطاعت أن تتجاوز ثقل هذه المفاهيم وما تدعو إليه، لتبدأ مرحلة جديدة من إنعاشها.
أختم هنا؛ بطرح السؤال التالي: إلى أي حد يراهن المجتمعون؛ في كثير من هذه الندوات؛ على الدور الاجتماعي الذي؛ قد؛ يتبناه الأفراد في المساهمة في أجندات هذه الصورة الحالمة في تحقق «أهداف التنمية المستدامة» كما كان السؤال عن أهمية أن تكون هناك أرضية خصبة من العطاء الثقافي المعزز بالمعرفة؟ ربما هنا؛ في هذا الدور بالذات؛ يمكن أن تلعب مؤسسات المجتمع المدني «الجادة» دورا محوريا في المساهمة الصادقة والواعية لما تذهب إليه هذه الأهداف، مع ضرورة أن تساندها الجهات المعنية الرسمية، وأنظر إليها شخصيا على أنها نافذة مهمة للإطلال على رواق المجتمع الكبير، وتفنيد مساراته وتموجاته المختلفة، والمهم أكثر أن تكون هذه المؤسسات على قدر كبير من الوعي بأهمية مشروع «التنمية المستدامة» وأنه مشروع وطن، وليس مشروع مؤسسة بذاتها.