14 جامعا سلطانيا بالمحافظات ضمن خطة مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم

إقامة «أركان عمانية» في بعض مكتبات المؤسسات العلمية والثقافية العالمية –
إنشاء كرسيين لكراسي السلطان قابوس العلمية في جامعتين مرموقتين بهدف إثراء المعارف والعلوم الإنسانية –

حاورته: خـــــلود الفزارية –
يعد مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم النواة الثقافية التي ترفد الساحة العمانية بمختلف المجالات المتعلقة بالجانب الثقافي المحلي بتنوع مشاربه.
وتتشعب قنواتها في مختلف أنحاء السلطنة بين الأمسيات الثقافية، والملتقيات والجلسات الفكرية، والأمسيات الفنية والمسابقات، والإشراف على الجوامع السلطانية، وإدارة عدد من الجمعيات في السلطنة، فضلا عن إدارة كلية السلطان قابوس لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وإقامة حلقات العمل التدريبية، وصولا إلى جائزة السلطان قابوس للثقافة والآداب. ويأتي الاهتمام الذي يوليه المركز من التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – لدعم المجالات الثقافية لترسم الثيمة الحضارية للسلطنة، وتضع بصمتها في خارطة الثقافة العالمية.
وللوقوف على دور المركز ورسالته، وما يقدمه من مشروعات لها قيمتها الثقافية والفكرية، وأهم الأهداف التي يرتكز عليها، ورؤيته لنشر الوعي الثقافي، كانت لنا وقفة مع سعادة حبيب بن محمد الريامي الأمين العام لمركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم..

  • يولي مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم اهتماما كبيرا بالجوانب الثقافية متعددة المجالات في تزاوج فكري يعكس مفاهيم واسعة في التعاطي مع العلوم والآداب، فماهي المرتكزات التي يرتكز عليها المركز في إرساء مجالات عمله؟
    ترتكز المؤسسة على أسس واضحة وثابتة، تدور حولها وفي سبيلها الأنشطة والبرامج والفعاليات المختلفة التي تنفذ على مدار العام، تلك المرتكزات تتمثل في ترسيخ القيم والهُوية الوطنية بين أفراد المجتمع، ومد جسور التواصل مع المؤسسات الثقافية والعلمية داخل السلطنة وخارجها، وتوفير البيئة المناسبة للمبدعين في التخصصات العلمية والأدبية والتربوية والفكرية، والوسطية في نشر الفكر والثقافة، ونبذ التطرف والغلو الفكري، وفتح باب الحوار والمشاركة مع المثقفين والمعنيين بالشؤون الثقافية، والاهتمام بالشباب وصقل مواهبهم وتوعيتهم بما يرسخ هويتهم ويعزز انتماءهم الوطني، صيانة الحقوق الثقافية، وحماية الملكية الفكرية، التعايش مع الآخر، والقبول بالتعددية الثقافية واحترام حقوق الاختلاف، دون التنازل – بطبيعة الحال – عن الثوابت والأسس الموجهة للعمل الثقافي في السلطنة، بالإضافة إلى الاهتمام باللغة العربية ونشرها وكذلك إثراء المعرفة الإنسانية.

  • على ضوء ذلك ما هي المشروعات التي قدمها المركز هذا العام؟
    لقد ترجمت تلك المرتكزات خلال هذا العام في صورة مشروعات مختلفة واعدة، تمثلت في تنفيذ الخطة الثقافية السنوية في مختلف أنحاء السلطنة، وتتضمن محاضرات، وملتقيات ثقافية، وحوارات وجلسات فكرية، وأمسيات شعرية وموسيقية هادفة ومعارض ومسابقات فنية. علاوة على العمل على فتح فروع في بعض محافظات السلطنة لمكتب التعريف بالإسلام، حيث يوجد الآن مكتب واحد في جامع السلطان قابوس الأكبر بمسقط، وكذلك تم التركيز على إضافة شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة من الصم والبكم في مسابقة السلطان قابوس للقرآن الكريم، وأيضا العمل على تسجيل مصحف كامل لأحد قراء المسابقة المميزين.
    وبالجملة لا يزال المركز جادًا في تغطية الجوانب الأخرى التي تهم المجتمع، والتي تدعو الحاجة إليها من وقت لآخر، منطلقاً من تلك المرتكزات الثابتة، ومؤطّرًا لكل مشروعاته بقيم المجتمع وأعرافه وأخلاقيات المهنة الرسالية الـتي يضطلع القائمون على الشأن الثقافي في المركز بها.

  • تتعدد المجالات التي يرتكز عليها المركز بين الإشراف على الجوامع وإقامة الفعاليات الثقافية والفكرية وإدارة الفنون التشكيلية والتصوير وفن العود بالإضافة الى جائزة السلطان قابوس للثقافة والآداب وغيرها من جوانب العمل، هذا المزيج الفكري قد ينظر له البعض بأنه غير منسجم مع بعضه البعض، فكيف تردون على ذلك وما هي فلسفة الجمع بينها في مركز واحد؟
    الدين واللغة والـتراث والتاريخ والآداب والفنون كل أولئك مقومات رئيسة للثقافة الحية، والثقافة الإسلامية -على وجه التحديد- تتناول مجالات الحياة المختلفة كافة، مع قدرتها البالغة على العطاء ومد الوجود الإنساني بما يحتاج إليه، وتلبية رغبات الإنسان وحاجاته النفسية والعقلية والعاطفية، لذا فإن العلاقة بين تلك الجوانب في نظري متوشّـجة غـير منفكة، ومرتبطة غـير منفصلة، بل لا يمكن تصور مباينتها بعضها بعضا. تأسيسًا عليه، يمكن القول بوضوح بأنها ثقافة تعمل على بناء الإنسان وتنميته وتطويره؛ عملَها على بناء المستقبل بالاستفادة من الماضي، واختيار ما يناسب منه الحاضر، والبناء عليه لأفق واعد مشرق. وتراث هذه الثقافة في الواقع خصب جدًا وثري، وينداح مستثمرًا بفاعلية علاقته بالثقافات الأخرى المخالفة؛ بنحو مرن طبعًا لا يعرف الجمود.

  • فالجمع بينها في رأيكم هو تجسيد للثقافة بمختلف مواردها لإيصالها بمفهومها المتنوع إلى مختلف الأذواق وتعدد الاتجاهات..
    بكلمة واحدة تجتمع تلك المقومات آنفة الذكر في الإنسان عقلًا وفكرًا وروحًا ووجدانًا ولغًة وعقيدةً، وبذلك تقوم الثقافة بوظيفتها الحقيقية ودورها المطلوب. لذا لا يوجد أبدًا أيّ تقاطع بين الأوعية والوحدات ـ الوارد ذكرها في سؤالكم ـ الـتي نشرف عليها، والـتي تـترجم بشكل واضـح وجلي تلك الثقافة؛ أخلاقًا ومُثلًا عليا واتجاهات وآمالًا وأهدافًا، وكيفيات إنسانية وأحاسيس مرهفة وذوقًا سليمًا يعـبر عنه الضمير الحي؛ فكرًا مبدعًا وتواصلًا مثمرًا مع العالم. المسجد والمعهد والمدرسة والمرسم والمعمل والمكتبة والمتحف والمعرض وغيرها، كلها مؤسسات تعبّر عن تلك الثقافة، وتجسدها، وهي تتكامل في أدوارها ووظائفها المختلفة، وتعمل جنبًا إلى جنب على المحافظة على تلك الثقافة والترويج لها. وبذلك فثقافتنا – بمؤسساتها المتعددة – ثقافة إنتاج وعمل وتفاعل موصول بأسباب الترقي في هذه الحياة.

  • يولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – اهتماما كبيرًا بالجوامع التي تم إنشاؤها في ولايات السلطنة، فكم بلغ عددها وماهي خطط المركز لاستكمال بناء هذه الجوامع في ولايات السلطنة؟
    بلغ عدد الجوامع السلطانية المفتتحة للشعائر ستة وثلاثين جامعًا، تتابع كافة شؤونها إدارة المساجد والأوقاف بالمركز بالتنسيق مع المنشآت السلطانية، بالإضافة إلى جامع زنجبار بجمهورية تنزانيا الاتحادية، كما أن هنالك أربعة عشر جامعًا سلطانيا موزعة على مختلف محافظات وولايات السلطنة، مدرجة ضمن خطة الإنشاءات بمشيئة الله.

  • ماذا عن الأهداف التي تحققها هذه الجوامع وكيفية إدارتها؟
    عندما وهب الله لعُمان باني نهضتها الحديثة وباعث مجدها، مولانا صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – يحفظه الله ورعاه – شهدت عمارة المساجد طورًا فريدًا حيث أصبحت محل العناية السامية لجلالته – أيده الله – لترفع جوامع ومساجد السلطان قابوس في مختلف ولايات السلطنة، وتسخر كافة الإمكانيات لخدمتها ورعايتها والعناية بها، فغدت تمارس دورها في أبهى صورة، وعلى أكمل وجه، وفي مختلف المجالات الدينية والعملية والفكرية والحضارية والاجتماعية. وبالإضافة إلى تحقيق هذه الجوامع للهدف الرئيسي من إنشائها كأماكن للعبادة، هناك أهداف أخرى لها وهي جعلها مراكز إشعاع ثقافي وتعليمي للمجتمع من خلال المرافق التي تحويها كالمكتبات وقاعات المحاضرات ومختبرات الحاسوب ومدارس القرآن الكريم.

  • جوامع السلطان قابوس في الولايات متكاملة وتشكل نواة لتنشئة الأجيال، فما هي الأنشطة التي تقام في الجوامع؟
    تقام بشكل سنوي عدة أنشطة بتلك الجوامع، من بينها الدورات الصيفية لتعليم القرآن الكريم، وتستهدف هذه الدورات الطلبة والطالبات في الصيف تحديدا، وقد بلغت هذا العام 2019م الدورة الخامسة عشرة، هذا إلى جانب المدارس القرآنية الثابتة الملحقة بكل جامع، والـتي تستقبل الطلبة على مدار العام، كما تقام في الجوامع السلطانية والمساجد التابعة للمركز الـبرامج المسـجدية المختلفة، المتمثلة في المحاضرات والدروس الدورية، وحلقات العمل والتدريب، والـتي بلغ عددها في عام 2018م أكـثر من تسعمائة درس وحلقة ومحاضرة.
    وإضافةً إلى ذلك تقام العديد من فعاليات وبرامج خطة النشاط الثقافي السنوية للمركز في هذه الجوامع، فضلًا عن استغلال قاعات المناسبات الموجودة بها من قبل المجتمع لإقامة المناسبات الاجتماعية المختلفة.

  • تمثل جائزة السلطان قابوس للثقافة والعلوم والآداب إحدى أهم الجوائز العربية في هذا المجال، ما هي الأهداف التي حققتها وما هو تقييمكم للمراحل التي انقضت منها؟
    للجائزة عدة غايات وأهداف سامية، منها: تكريم رموز الثقافة والفن والأدب، وهو ما يتم عمليا في ديسمبر من كل عام؛ من خلال حفل يتم فيه تسليم تلك الجائزة المقررة، حيث يمنح كل فائز وسام السلطان قابوس للثقافة والعلوم والفنون والآداب، ومبلغ 100 ألف ريال عماني، في الدورة العربية، ووسام الاستحقاق في الثقافة والعلوم والآداب ومبلغ 50 ألف ريال عماني في الدورة المحلية. والجائزة بذلك تعمل على رفد الساحة بالمنجزات الثقافية والفنية والأدبية، بما يـثري المكتبة العربية والإسلامية محليا وخارجيا، بمئات المؤلفات والأعمال في المجالات الثلاثة، بنحو متنام ومستمر؛ يتزايد بتزايد أعداد المرشحين.
    كما حققت الجائزة هدفها في دعم حركة التجديد، حيث إنها كسائر الجوائز تدفع المبدعين نحو التنافس والإبداع ومزيد من العطاء، ولا شك فإن قيمة الجائزة المعنوية والمادية تزيد من حرص المترشـحين على تقديم ما هو جديد أملًا في نيل الفوز. كما تعمل الجائزة على تأكيد المساهمة العمانية، ودورها في رفد الحضارة الإنسانية بالمنجز الثقافي والفني العماني.

  • هل ثمة مجالات لإضافتها في الجائزة؟
    إنّ مراجعة ما تمَّ، والوقوف على ما تحقق في الدورات الماضية يحملنا وبكل ثقة على القول إنّ الجائزة تسير على النهج الذي خطط لها، وتحقق الأهداف المنشودة على النحو الأمثل. كما أن العمل على تحديث الجوانب المتعلقة بها مستمر، خاصة ما يتعلق بالحملة الإعلانية وآلية التسويق والموقع الإلكتروني، وسياسة الجائزة بشكل عام تخضع للمراجعة من فـترة لأخرى، كما أن آراء الجمهور من داخل السلطنة وخارجها محل عناية واهتمام، ويؤخذ بالمفيد منها في كل خطوة يراد بها التحسين والتطوير. من جانب آخر فقد حددت الجائزة ثلاثة أفرع ثابتة؛ هي الثقافة والفنون والآداب، وما يقع سنويًا إنما هو اختيار مجال لكل فرع؛ بحيث تطلق ثلاثة مجالات سنويًا للتنافس، ولا شك أن مجالات الثقافة والفنون والآداب كثـيرة جدًا، ويبقى اختيار الأنسب حسب معايير واعتبارات يتم الوقوف عليها سنويًا في عملية الاختيار، بالاستعانة طبعًا بذوي الخـبرة والاختصاص في المركز.

  • هل يمكن أن تطلعنا على أهم المشاريع التي يعمل المركز عليها هذه الفترة؟
    إنّ من أهم المشاريع التي يتم العمل عليها حاليًا إنشاء كرسيين علميين جديدين لكراسي السلطان قابوس العلمية، في جامعتين عالميتين مرموقتين. وسوف يعمل الكرسيان الجديدان، مع الكراسي الستة عشر القائمة حاليًا، على إثراء المعارف والعلوم الانسانية بما يُقدم من خلالها من بحوث ودراسات ونتاج فكري وأدبي يعود في مجمله على البشرية جمعاء.
    كما يعمل المركز أيضًا في الوقت الراهن على التنسيق مع عدد من المؤسسات العلمية والثقافية العالمية على إقامة برامج تعاون معها؛ من بين ذلك إنشاء «أركان عمانية» في بعض مكتبات تلك المؤسسات وذلك خدمة للباحثين والمهتمين بتاريخ وحضارة السلطنة. بالإضافة إلى ذلك، يعمل المركز على إخراج العديد من المشاريع الاستثمارية الخاصة بأوقاف المركز في صورتها النهائية وسيتم البدء في تنفيذها قريبًا، والتي بلا شك سوف تعود بالنفع الكبير على مشاريع جلالة السلطان الدينية والثقافية والعلمية التي تَشَرّف المركز بمتابعة شؤونها والإشراف عليها ولتحقق الرؤى والأهداف التي رسمها لها مولانا السلطان المعظم.