الهجرة.. دروس وتأملات

تمثل بداية العام الهجري الجديد نقطة تأمل وانطلاق نحو إعمال فكر التغيير في الحياة الإنسان، وحيث يقف المرء ما بين محطتين أمس وحاضر، في سبيل استشراف مستقبل، وهو يأخذ من عظمة التجربة التاريخية التي مرّ بها النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقدم أروع صورة في هذا المقام للإنسانية جمعاء.
فالهجرة النبوية هي ذكرى عطرة وعزيزة على كل مسلم، من خلالها يمكن استلهام شتى المعاني المتميزة التي تساهم في بناء الفكر الإنساني والإحساس بفجر التغيير والانتباه إلى المستقبل وبناء الحياة بشكل جديد.
هذا الحدث الذي شكّل فاصلاً بين مرحلتين، والانتقال إلى مرحلة بناء الدولة الإسلامية حيث كان انتصار الدعوة بأن يعم النور البشرية، ما يكشف بشائر الخير والضياء، وأن طريق الصبر يرسم في نهاية المطاف أعمق تجليات النصر والاقتراب من المعاني السامية المنشودة.
إن الدروس والعبر التي يتم استخلاصها من حدث الهجرة النبوية تحمل الكثير من الأفكار التي بتأملها سوف تعيد الإنسان إلى تأمل حياته وفكره ومشروعه في الوجود بشكل عام، وأنه في كثير من الأحيان لابد من مساحة للانتقال من بداية إلى نهاية وبداية جديدة، بمراجعات تفتح الطريق للانتصار الكبير.ومن هذه التجربة العظيمة والحدث التاريخي المهم في حياة الرسول والتاريخ الإسلامي عامة، فإن المسلمين يتعلمون الكثير، بما يؤدي إلى صلاح أمور دينهم ودنياهم، في حين يجب إعمال التأمل بشكل جديد يؤدي إلى نتائج تقود إلى الاستفادة القصوى من هذه السيرة العطرة. من أعظم الدروس التي يمكن الانتباه لها، في سيرة الهجرة، موضوع التوكل الذي يعد من أبرز وأكبر أسباب النصر وتحقيق المرامي البعيدة والأهداف والغايات،لأن التوكل يفتح الأمل على مصراعيه في انتظار عون الله، ولابد أن هذا التوكل يرتبط بالإرادة والعمل، ليؤدي إلى النتائج المرجوة، مهما كان حجم التحديات المحدقة والصعاب،لأن الله سبحانه وتعالى ينصر في نهاية الأمر الخير على الشر لتبقى المعاني السامية هي التي ستسود العالم.
إن الذي يعمل على التوكل وتكون له علاقة سليمة مع الله، فسوف يعينه الخالق في تلمس الطريق إلى الخلاص والنجاة ومن ثم صناعة الأفق الجديد، وبهذا سوف تنزل عليه السكينة ويحفه الخير وانشراح القلوب وغيرها من التجارب السمحة في هذا الإطار الإنساني الراقي، وغيرها من الحكم التي يمكن أن نستخلصها من سيرة النبي الكريم.
كما تكشف هجرة النبي عليه السلام ومعه الصديق عن معنى الصداقة والمحبة في أعمق التجليات، بما يعكس صورة الحب الصادق الذي يكون له انعكاسه على الواقع الفعلي والعملي وليس مجرد صورة فقط، فالتجارب والأحداث هي التي تكشف عن معدن الناس ولابد أن فترات التغيير في حياة أي شخص سوف تكشف عن معادن من حوله من البشر.
الخلاصة إننا أمام دروس لا حصر لها يجب أن نتعلم منها ونعيد التأمل فيها، عسى أن نعكس ذلك على واقعنا وحياتنا الشخصية بما يعود بالخير والنفع لنا.