هل إسرائيل تريد التسوية حقا؟

ماجد كيالي –

منذ حرب يونيو (1967)، أي منذ أكثر من نصف قرن، والنظام العربي السائد يعيش على فرضية أن إسرائيل تريد تسوية معه، طارحاً فكرة إزالة آثار العدوان التي تتضمن الاعتراف بوجود إسرائيل، وحصر الصراع معها بالأراضي التي احتلتها في تلك الحرب، بيد أن تلك الفرضية لم تثبت إذ دخلت المنطقة في تلك الآونة في إطار صراعات «الحرب الباردة» بين القطبين الكبيرين وقتها، أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (السابق)، وفي حينه كانت إسرائيل في خندق، والعالم العربي أو معظمه في الخندق المقابل.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وحرب الخليج الثانية، وظهور الولايات المتحدة كقطب أوحد، في مطلع التسعينات، تم عقد «مؤتمر مدريد للسلام» وقد تجاوب النظام العربي مع ذلك المسعى، إذ أن فكرة الصراع على الوجود مع إسرائيل كانت قد أزيحت تماما، بل إن معظم الدول العربية شاركت في ما عرف وقتها بالمفاوضات «متعددة الطرف»، وكان موضوعها التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط (بما يشمل إسرائيل) في قضايا الاقتصاد والبيئة والمياه والبنى الأساسية واللاجئين والأمن، كما شاركت في مؤتمرات «القمة للتنمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» الأربعة، التي عقدت (في التسعينات)، والتي حضرتها إسرائيل، بل إن النظام العربي ذهب في مؤتمر القمة العربية في بيروت إلى حد طرح مبادرة للسلام (2002)، كان شعارها التطبيع مقابل السلام (أي الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، وهي باتت حصرا الضفة وغزة الفلسطينيتين والجولان السورية، بعد أن استعادت مصر أراضيها (شبه جزيرة سيناء) وفقا لمفاوضات كامب ديفيد أواخر السبعينات.
إلا أن كل تلك الجهود العربية باءت بالفشل، كما شهدنا، بل إن إسرائيل تذهب اليوم، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، لفك أي ارتباط عربي بالقضية الفلسطينية، وإلى فصل قضية السلام، أي الانسحاب من أراض محتلة، عن قضية التعاون الاقتصادي والتطبيع المتبادل، وإلى حصر حقوق الفلسطينيين بمجرد كيان حكم ذاتي.
وفي الواقع فإن هذه هي التسوية التي تريدها إسرائيل مع العالم العربي، وسبب ذلك واضح، أي إنه لا يكمن في شعورها بالتفوق في عامل القوة العسكرية، ولا إلى شعورها بالتفوق الناجم عن مساندة الدول الكبرى لها، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، فهي فوق هذين، تشعر بعدم حاجتها للعالم، العربي، بل إنها تتحداه في السياسة والاقتصاد، في العلوم والتكنولوجيا، في حالة الحرب واللا حرب، في إدارة المجتمع والدولة، في طريقة تعاطيها مع تحدياتها الداخلية كما الخارجية.
هكذا، فإن هذه الدولة التي يقال بأنها مصطنعة (وهذا صحيح نسبة الى عوامل نشوئها) تبدو أكثر استقراراً ورسوخاً وقدرة على التكيّف والتطور، من غيرها من دول المنطقة، وعلى صعيدي المجتمع والدولة. فإسرائيل تلك التي تشكل جزءاً صغيراً بالقياس للعالم العربي، على الصعد السكانية والجغرافية والموارد الطبيعية والمساحة (3 في المائة في التعداد البشري)، تبدو أكبر بكثير من حجمها، وأكثر قدرة على تعظيم مواردها، وأكثر قوة بالقياس لعدد سكانها، أو بالنسبة لقدرتها على استثمار مواردها البشرية، بل إنها باتت أحد مراكز تصدير التكنولوجيا العليا في العالم.
طبعاً ثمة من يحيل تفوّق إسرائيل في كل تلك المجالات إلى مجرد دعم الغرب (وخاصة الولايات المتحدة)، ودعم يهود العالم لها، لكن هذا الاستنتاج لا يفيد في إدراك عوامل قوة إسرائيل الذاتية، والأهم انه يحجب العوامل التي تكرّس تخلّف الواقع العربي في مواجهتها. والحقيقة أن بضعة بلايين من المساعدات الخارجية لإسرائيل سنوياً لا تشكل سوى جزء بسيط من العائدات النفطية، التي تحظى بها بعض دول العالم العربي.
والحاصل فإن إسرائيل تستقر وتتطور بسبب طبيعة نظامها السياسي (الديمقراطي بالنسبة الى مواطنيها اليهود)، والقائم على الإدارة الحديثة، وفصل السلطات، وحكم القانون، وحرية الأحزاب، وتداول السلطة، والاستثمار بالفرد. وكذلك بسبب احترامها الحريات الفردية والتعددية (اليهودية) فيها، واهتمامها بأحوال مواطنيها (التعليم والصحة والضمانات والخدمات الاجتماعية)، وخضوع حكوماتها للمساءلة والمحاسبة.
لكل هذه الأسباب تتفوق إسرائيل على العالم العربي (وليس فقط لأسباب عسكرية أو بسبب الدعم الأمريكي لها)، ولهذه الأسباب أيضاً يعجز العالم العربي عن اللحاق بها، أو تحديها، في المجالات المذكورة.
والخلاصة فإنه إذا كان الواقع العربي على هذا النحو، فليس ثمة ما يضطر إسرائيل الى الحرب، وليس ثمة ما يضطرها للسلام أيضاً، أي أن إسرائيل تحاول من خلال كل ذلك الحفاظ على استثنائيتها، وضمن ذلك لا مبالاتها بمحيطها، كما تحاول الاستثمار بحال الاضطراب والوهن في طبيعة الأنظمة المحيطة بها، أو في طبيعة إدارة الأنظمة لدولها ومجتمعاتها. والمعنى أن إسرائيل تتفوق بسبب ضعف العالم العربي، وتقوى بسبب اختلافاته وتدني مستوى قدرته على استثمار إمكانياته المادية والبشرية.