«داعش».. في مرحلة ما بعد الهزيمة العسكرية

د. عبدالعاطى محمد –

بعد نحو 6 أشهر من هزيمته العسكرية في العراق عاد تنظيم «داعش» ليتصدر قائمة الأحداث اليومية مما فتح المجال مجددا للحديث عما إذا كان نشاطه الجديد يمثل عودة ثانية بنفس أيديولوجيته وأدواته، أم دليل على تحوله إلى نسخة جديدة من التنظيمات الإرهابية، أو اندماجه في تحالفات مع حركات مسلحة متطرفة قائمة؟ وتوازيا مع ذلك تجدد الجدل حول فاعلية النشاط ذاته فيما إذا كان يمثل خطرا مؤثرا أم يمثل تهديدا محتملا فقط.
وما أعاد توجيه بوصلة الاهتمام إلى التنظيم، بعد الابتهاج بسقوطه بنهاية مارس 2019، هو توالي التقارير الغربية التي رصدت مسؤولية التنظيم عن عدة عمليات إرهابية سواء في العراق وسوريا أو في أفغانستان، وشهادة من مسؤولي البنتاجون أمام الكونجرس حذرت بوضوح من أن النشاط الإرهابي للتنظيم لا يزال قائما وإن كان أقل خطورة من السابق، ومع أن وزير الخارجية الأمريكي بومبيو حاول التقليل من هذه الهواجس الأمنية، إلا أنه لم ينكر حقيقة ما جرى ويجري عقب سقوط التنظيم. وكان الرئيس ترامب أكثر رباطة جأش في رد فعله، عندما حرص على التأكيد للصحفيين بأن النصر كان حاسما، مشيرا إلى أنه تمت استعادة كل الأراضي التي كان سيطر عليها التنظيم في العراق وسوريا. وما ركزت عليه التقارير الغربية هو مسؤولية التنظيم عن عدة عمليات إرهابية في المناطق الهشة أمنيا على الحدود العراقية السورية وبادية الشام التي استهدفت مواقع أمنية واغتيال شخصيات اجتماعية وأمنية وسياسية في بعض المناطق العراقية، وعمليات خطف ونهب من جانب عناصر تابعة للتنظيم للمدنيين والممتلكات في الشمال السوري وتحديدا في مناطق تخضع لسيطرة الجماعات المسلحة. وتذكر التقارير الغربية أن هناك ما يصل إلى 15 ألف مقاتل من «داعش» موجودون في العراق وسوريا لديهم قدر كاف من السلاح والمال يمكنهم من تجديد النشاط. كما تم رصد عمليات إرهابية للتنظيم في الهند وشمال إفريقيا. إلا أن أبرز مواضع القلق جاءت من أفغانستان بوقوع تفجيرات راح ضحيتها العشرات من الأبرياء (وقع مؤخرا تفجير في حفل زفاف أدى لمقتل 63 شخصا وإصابة 190). وبعد أن كان التركيز موجها إلى العراق حيث كان التنظيم يهدف إلى إقامة دولة الخلافة، انتقل إلى ما يسمى بولاية «خراسان» التي أسسها التنظيم 2015 لتكون منطلقا لتحقيق نفس الغاية من مناطق أسيا الوسطى وأفغانستان وباكستان. ووفقا للتقارير الغربية فإنه بمرور الأيام يزداد عدد المقاتلين الذين يجندهم التنظيم من تلك المناطق ليصبح بالآلاف بدلا من المئات، وهناك تقارير تتحدث عن وجود نحو 5 آلاف مقاتل من «داعش» في ولاية «خراسان»، وأن التنظيم ينتشر في 25 ولاية بأفغانستان من أصل 34 ولاية.
ولا شك أن كل هذه الوقائع تبعث على القلق، ولكنها ليست مفاجئة لكل المعنيين بنشاط الجماعات الإرهابية، ولنا أن نتذكر أنه عندما أعلنت الولايات المتحدة على لسان الرئيس ترامب الانتصار العسكري على التنظيم ومن ثم سقوط ما كان يسمى بدولة الخلافة وذلك بنهاية مارس 2019، تحفظ هؤلاء على إعلان الانتصار وأكدوا أن مثل هذه التنظيمات لا تموت تماما ومن الوارد أن يعاود التنظيم نشاطه في أية لحظة عندما تحين الفرصة، وغالبا ما تكون لهذه التنظيمات خلاياها النائمة التي تعود العمل إما بتعليمات من القيادة أو تصبح ما يسمى بالذئاب المنفردة، تلك العناصر التي قامت بالفعل بعدة عمليات إرهابية في أكثر من بلد أوروبي. هذا فضلا عما تم التأكيد عليه بأن «داعش» بنى نشاطه على إقامة فروع عديدة في أكثر من مكان خارج موقعه الأصلي (العراق) سواء في شمال إفريقيا أو وسط آسيا وفي بلدان عربية غير العراق وسوريا، لأنه صاحب مشروع سياسي عالمي.
ومع ذلك وبرغم التأكيد على أهمية الوقائع السابقة، يبقى التساؤل قائما حول مدى خطورة نشاط التنظيم في مرحلة ما بعد سقوطه العسكري، وهل أدى ذلك إلى إحداث تغيير في طبيعة التنظيم واستراتيجياته. ولترجيح إجابة على أخرى يتعين التوقف مليا عند العناصر الحاكمة في أداء التنظيم للتعرف على إذا ما كان قد أصابها التغيير أم لا نتيجة الهزيمة العسكرية. والعناصر الحاكمة هي : الأيديولوجية، والتنظيم، والموارد. وقد يختلف المعنيون بشأن مثل هذه التنظيمات في ترتيب أهمية كل منها أو في ضرورة توافرها مجتمعة، ولكن الاختلاف يمكن أن يكون مقبولا في حالات التنظيمات الصغيرة محدودة الأهداف، وما العديد من الجماعات أو الحركات المسلحة المتطرفة المنتشرة في بيئات ملائمة لتصاعد التطرف إلا دليل على أنها تتأثر بشدة بظروفها المحلية أو الإقليمية المحيطة على أقصى تقدير، ولذلك فإنها دائمة التغير من حال إلى آخر بحثا عن هدف ضيق ومحدد. وأما في حالة تنظيم بقوة «داعش» فإن العناصر الثلاثة السالف الإشارة إليها تظل حاكمة فعلا في تحديد مصيرها.
عندما سئل بومبيو وزير الخارجية الأمريكي عن تفسيره لعودة نشاط «داعش» برغم الانتصار العسكري رد قائلا إن الأيديولوجية هي السبب، وهنا يتفق الرجل مع أصحاب النظرية التي ترى أن الإرهاب أو التطرف أصله فكرة تسيطر على المنتمين له بغض النظر عن تباين جذورهم الاجتماعية والاقتصادية. وهناك من يرجع المسألة للأبعاد النفسية، ولكنها نظرية ضعيفة. وحيث من الصعب إزالة الفكرة بسهولة أو ضمان فنائها أو حتى ذبولها، فمن الطبيعي أن تمتد على مدى الزمن وتجد أنصارها بين جيل وآخر دون الدخول في تفاصيل طويلة. فإن الفكرة الداعشية جوهرها استعادة الخلافة الإسلامية التي اختفت بسقوط الأندلس، ولا تعترف نظرية «داعش» بتباين الظروف ولا بتباين المجتمعات أو أية فروق بين المسلمين.
ولكن ما جرى هو انهيار الفكرة الداعشية عمليا ولا نقول زوالها إلى الأبد، لأنها قامت على تفعيل مشروع الخلافة، ومن داخل جزء مهم تاريخيا في المنطقة العربية، كان في الماضي البعيد مركزا للخلافة وهو العراق والشام (سوريا)، ومن الصعب أن تقوم الخلافة من خارج بيئتها التاريخية. وما حدث هو سقوط الدولة الإسلامية في العراق والشام (دولة الخلافة بقيادة «داعش»). فقدت بهزيمتها العسكرية عناصر الدولة وهى الأرض والشعب والسيادة. وعندما يحاول «داعش» إقامة بديل ممثلا فيما يسمى بولاية «خراسان فإنه يتخبط ويبتعد حتما عن الفكرة الجوهرية التي حصل من خلالها على النجاح بين السنوات 2014-2019، لأن الحاضنة الجديدة لا توفر القاعدة الاجتماعية (الأجناس متنوعة للغاية) ولا الإرث التاريخي، ولا الإدارة الموحدة في شكل دولة ما مقارنة بما جرى في العراق وسوريا.
وأما عن التنظيم فمن الواضح أنه تلقى ضربة موجعة، حيث فقد قيادات الصف الأول والثاني، وزعيمه اختفى عن الأنظار (أبو بكر البغدادي)، ومؤخرا أفادت تقارير غربية بأنه أوكل مهمة القيادة لأحد المقربين منه (قيادة عسكرية من حزب البعث) لكي يتفرغ لإعادة هيكلة التنظيم. ومن جهة أخرى لجأ التنظيم إلى بناء تحالفات مع حركات مسلحة متطرفة متنوعة المشارب والتكوين الاجتماعي من أفغانستان وباكستان ودول من آسيا الوسطى، ودخل في صراع على القيادة الإقليمية مع حركة طالبان (بينهما اختلافات فكرية جذرية). وهذا مؤشر عن وجود أزمة تنظيمية غالبا ما تؤدي إلى تفكك البنية الأصلية، وغالبا أيضا ما تؤدي إلى اهتزاز الفاعلية أو محدودية النتائج لأي نشاط مستقبلي.
يتبقى عامل الموارد، وهنا من الصعب الجزم بأن التنظيم عقب هزيمته العسكرية تتوافر لديه نفس الإمكانيات المالية والعسكرية وقت أن باشر سيطرته على مساحات شاسعة من العراق وسوريا. كان البلدان مصدر تمويل من حيث السيطرة على بعض مواقع النفط ومن ثم بيعه إلى الخارج ونهب منهما معادن وأثارا وغيرها مما يمكن بيعه. ووفقا لتقارير من الأمم المتحدة لا يزال بيد قيادة التنظيم قدر من المال والمعدات، ولكنها قطعا لن تكفي لاستمرار نشاطه وبنفس القوة السابقة، ومن الصعب تصور أن تمركزه في «ولاية خراسان» يتيح له مصادر تمويل بديلة لأن هناك من ينافسه بشدة في هذا المجال مثل طالبان والحركات المسلحة العاملة على الحدود مع باكستان.
يصعب الجزم بأن النشاط سيتوقف في مرحلة ما بعد الهزيمة العسكرية على الأقل من جانب ما يعرف بالخلايا النائمة أو بشكل شخصي في حالة ما يسمى بالذئاب المنفردة، ولكنه يظل أقل بكثير من نشاط «دولة» كانت تتحكم في مساحات شاسعة من الأراضي وتمتلك موارد كبيرة. وهناك نشاط مضاد تقوم به القوات العراقية سواء الحكومية أو من الحشد الشعبي أو قوات سوريا الديمقراطية (أكراد الشمال السوري) التي كان لها دور حاسم في إيقاع الهزيمة بالتنظيم. وهكذا يصبح مصير التنظيم ليس في يده، وإنما في يد غيره من الدول والجماعات المتطرفة الأخرى، كل يسعى إلى استغلال بقاياه لتحقيق أغراضه السياسية.