مشاهد راسخة من مكة المكرمة تعود بالحكايات والذكريات

ثلاثة أسابيع في أحضان البقاع الطاهرة .. –

كتب – عامر بن عبدالله الأنصاري –

تقتضي فريضة حج التمتع أن يعتمر الحاج ويطوف سبعا حول البيت العتيق، ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط وأن يحلق الحاج رأسه.
هكذا بدأت أولى خطوات تأدية العمل الإعلامي المرافق لبعثة الحج العمانية لعام 1440 هجريا، وتوليت فيها مهمة موفد جريدة عمان لأنقل جزءا من الصورة ومراحل ومهام بعثة الحج العمانية، ومرت تفاصيل 21 يوما وانتهت المهمة، وعسى أن تكون الرسالة وصلت للقارئ الكريم بشيء من التفاصيل التي حاولت جاهدا أن أغطي جميع تفاصيلها.
ومن زاوية أخرى من زوايا مناسك الحج، تبقى لمشاهد العين والتقاطاتها ذكريات لا تمحى، التقطت بعضها آلة التصوير، ولم يكن المجال حاضرا لالتقاط مشاهد كثيرة أخرى.
بعض تلك المشاهد أصابتني بالذهول، خاصة لشخص يؤدي فريضة الحج لأول مرة، ولم يتعد على هذا الزحام وأفواج الحجاج، بداية بتأدية العمرة، حيث كان التوقيت المناسب لنعتزم أنا وزميلي مصبح الحسني من وكالة الأنباء العمانية –زميل الوفد الإعلامي ببعثة الحج وزميل مهنة عمل وزميل دراسة سابقا- بعد صلاة العشاء مباشرة.
أوصلنا صاحب الأجرة الذي أخذ مبلغا لا يتجاوز 3 ريالات –ويتضاعف السعر كلما اقتربنا من أيام الحج حتى وصل إلى 30 ريالا لنفس المسافة- إلى مسابقة قريبة من الحرم المكي، لنجد أنفسنا كإبرة بين كومة قش، نحاول المرور بين آلاف مؤلفة من البشر الخارجين من الحرم المكي، لنصل إلى ساحة الكعبة ونطوف حولها سبعا. لم تكن السهولة نفسها قبل حوالي 8 سنوات حينما اعتمرت أول مرة، ولم تكن أهون من طواف الإفاضة بعد أن بتنا في مزدلفة ورمينا جمرة العقبة الكبرى، ولكل مرحلة منها مشاهد كذلك، وفي عرفة مشاهد لا تنسى ولا تمحى من الذاكرة.
تبقى مشاهد الحج بكل أشكالها وذكرياتها حكاية تجرنا الأيام إلى سردها بين الأصدقاء والأحباب، اليوم الثامن من ذي الحجة، استعدادا ورهبة نفسية للتوجه إلى مشعر منى، وقبل ذلك ننوي الإحرام ونرتدي الإزار والرداء، وننطلق في حافلات تلتحق بفوج من الحافلات الأخرى للوصول إلى مخيم منى، لم تكن هناك صعوبة أذكرها في منى، إلا أن التوجه في اليوم التالي، يوم التاسع إلى عرفة بدت هناك صعوبة ومشقة قليلة، بداية بالمشي محملين بأجهزة التصوير الخاصة بأفراد الوفد الإعلامي من موظفي الهيئة العامة الإذاعة والتلفزيون، فالتعاون واجب والمعدات كثيرة لا يكفي أن يحملها 5 شباب من الهيئة، فكان من نصيبي حمل حقيبة، لن أبالغ إذا قلت إنها تزن أكثر من 30 كيلوجراما، على ظهري والمسير بها نحو 3 كيلومترات.
وصلنا مخيم عرفة منهكين من طول المسافة وحجم الحمولة، لنستريح استراحة محارب في المخيمات، داعين الله ومتضرعين له، مشاهد الناس وهي تعتلي جبل الرحمة تتكرر في كل عام بمثل هذا الموسم، الشمس تلفحهم بأشعتها ، باقون وصامدون أملا بالمغفرة وإجابة الدعاء، ولم يمض وقت طويل حتى هلت سحابة كبيرة بدأت تفيض ظلالها على الحجاج المعتلين لجبل الرحمة، حتى غطت السحب وبنسيمها البارد مشعر عرفات، وتدرجت حتى هطلت أمطار غزيرة سقت الأرض ولمس الحجاج فيها رحمة الله. تلك الأمطار أصابت عددا من الخيام بتأثيرات بسيطة والممرات المظللة الخاصة بالمخيم العمانية، إلا أن أحدا لم يصب بأذى.
غابت الشمس، وحان الرحيل إلى مزدلفة، صعوبات معرفة موقع الحافلة جرتنا للمشي لحوالي 9 كيلومترات، بالبعض حمل المعدات حتى وصل إلى موقع الحافلة منهكا، والوقت يمضي، والحافلة تسير مسافة كيلومتر واحد بأكثر من ساعة كاملة، بين زحمة الحافلات، والوقت يؤذن باقتراب نهاية وقت صلاة العشاء، والحرب النفسية بدأت بين تمنيات الوصول والارتياح وأداء صلاتي المغرب والعشاء، وبين غروب الشمس والوصول إلى مزدلفة قرابة 5 ساعات، صلاة المغرب والعشاء في جماعات متفرقة وجدوا موطئ قدم لعدد بسيط من المصلين بين آلاف من الحجاج يتوسدون الأرض نساء ورجالا وبعض الأطفال.
ذكريات الحج كثيرة، وتفاصيلها لا تسع الأسطر لذكر مجملها، إلا أن ورطة الأمطار، التي أدت إلى تعطل هواتف عدد من الزملاء، كانت ورطة بشكل حقيقي، في المسير إلى رمي جمرات أول أيام التشريق، وبعد التحلل الأصغر، هطلت أمطار شديدة الغزارة، ولا ظل نستظل به، ولا مظلة تحتمي بها، فضاء واسع، ركض بشكل عشوائي، هروب إلى اللاظل، هنا كان كل همي أن تكون آلة التصوير الخاصة بجريدة عمان بخير، وأن لا يمسها عطل بسبب الماء الغزير الذي بللني وكأنني كنت في حوض من الماء.
فريضة الحج مليئة بالحكايات التي لا تمل، ولا تنتهي، سبقنا أهلنا وأصدقاؤنا بالحج، وعادوا بالحكايات، ونعود اليوم من الحج لنسرد الحكايات، وهكذا.
ولتفاصيل سوق الجعفرية بمكة المكرمة حكايات أخرى ومشاهد، واكتفي بعرض صور منها ومشاهد وثقتها بعدسة آلة التصوير.