تداعيات رحيل السبسي على الانتخابات التونسية

توفيق المديني*

شَيَّعَ التونسيّون وأعني الشعب التونسي بكلّ فئاته غير المسيَّسة، وغير المتحزِّبة، وغير المُنتمية إلّا إلى راية الجمهوريّة، ظهر السبت في 27 (يوليو) الفائت، الرئيسَ التونسيّ محمّد الباجي قايد السبسي الذي وافته المنيّة في عيد الجمهوريّة يوم 25 (يوليو) 2019، عن عمر يناهز 92 عاماً، إلى مثواه الأخير في مقبرة الجلاز في العاصمة التونسيّة، في جَّوٍ من الخُشُوعِ والحِدَادِ والْحُزْنِ والتَرَّحُمِ على روحه الطاهرة أمام مصيبة الموت.
بسبب خذلانهم من طرف السياسيّين الفاعلين، وصراعاتهم وجدالاتهم وانقساماتهم التي لم تنتهِ ولم تفضِ إلى شيء يُذكر، أَثبت التونسيّون أنّهم شعب يعرف كيف يتّحد ويُظهِر رباطة جأش في الأزمات والكوارث الوطنيّة الكبيرة التي تحلّ بالبلاد، وهو ما أظهرته الجنازة الوطنيّة الاستثنائية للرئيس الراحل.
وفيما كانت بعض الدول العربيّة متخوّفة من أن تَدخل تونس في عالَم المجهول والانحدار إلى درك الدولة الفاشلة، تفرّدت تونس بعمليّة الانتقال السلس للسلطة من داخل مؤسّسات الدولة، ووفق منصوصات الدستور. فغياب رئيس الجمهوريّة رحمه الله، بما يعنيه من فراغٍ دستوري، لم يحل دون تمكُّن مؤسّسات الدولة وقوانينها من سدّ هذا الفراغ بسلاسة لافتة في ظرف ساعات قليلة.

هكذا، وعقب الإعلان الرسمي عن وفاة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، بدأت مؤسّسات الدولة الدستوريّة النّظر في الإجراءات القانونيّة اللّازمة لعمليّة الانتقال إلى السلطة، إِذْ يَنُصُّ الفصل 84 من الدستور التونسي الْمُقرّ في سنة 2014،على أنَّه «في حالة تقديم رئيس الجمهوريّة استقالته أو الوفاة أو العجز الدائم، فَإِنَّ على المَحكمة الدستوريّة أنْ تَجْتَمِعَ فَوْراً، وتُقِرَّ الشغور النهائي في منصب رئيس الجمهوريّة، وتُبَلِّغَ ذلك إلى رئيس مجلس نوّاب الشعب الذي يتولّى فوراً مهامّ رئيس الجمهوريّة بصفة مؤقّتة لمدّة أدناها 45 يوماً وأقصاها 90 يوماً». ويَنُصُّ الفصل 85 على أنّه « في حالة الشغور النهائي يُؤَدِي القائم بمَهامّ رئيس الجمهوريّة اليمين الدستوريّة أمام مجلس نوّاب الشعب وعند الاقتضاء أمام مَكتبه، أو أمام المَحكمة الدستوريّة في حالة حلّ المجلس».
أمّا الفصل 86 فيَنُصُّ على أنّه « يُمَارِسُ القائم بمَهامّ رئيس الجمهوريّة، خلال الشغور الوقتي أو النهائي، المَهامّ الرئاسيّة. ولا يَحُقُّ لَهُ المبادرة باقْتِرَاحِ تَعْدِيلِ الدستور، أو اللُّجُوءِ إلى الاستفتاء، أَوْ حَلِّ مجلس نوّاب الشعب». وخلال المدّة الرئاسيّة الوقتيّة يُنْتَخَبُ رئيس جمهوريّة جديد لمدّة رئاسيّة كاملة، كما لا يُمْكِنُ تقديم لائحة لوم ضدّ الحكومة.
وعرفت تونس انتقالاً سلسًا للسلطة، حين تولّى رئيس البرلمان التونسي محمّد الناصر رئاسة الجمهوريّة في عيدها الـ62، وفق أحكام الفصلَين84 و85 من الدستور، وأدّى اليمين الدستوريّة سويعات فحسب بعد إعلان رئاسة الجمهوريّة خبر الوفاة، ليكون الرئيس السادس للجمهوريّة التونسيّة لمدّة أقصاها 90 يوماً، وهو ما يُقِيمُ الدليل، دونما أيّ شكّ، على صلابة المَسار الديمقراطي في تونس، وتماسُك مؤسّسات الدولة الدستوريّة، التي باتت ترفض الانقلابات والتوريث والمُغامرات للاستيلاء على الحُكم بأيّ طريقة غير الطريق الدستوريّة، وهو ما أَبْهَرَ العالَم بهذه التجربة الديمقراطيّة الفتيّة.
وكان رئيس الجمهوريّة المؤقّت محمّد الناصر قريباً أيضًا ممّن أسْهَمُوا في بناء دولة الاستقلال، ولاسيّما الزعيم الحبيب بورقيبة والرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، وكانوا حينها يُسَمُّونَه «مُهندس النظام الاجتماعي في تونس»، نظراً لتقلّده في مُناسبات عديدة مَنصب وزير الشؤون الاجتماعيّة ولخبرته وصَولاته وجَولاته في هذا المجال. ويتميّز رئيس الجمهوريّة المؤقّت الحالي بالرصانة والحنكة في التفاوض وإدارة المسائل الخلافيّة، وعرف طيلة فترته كرئيس للبرلمان كيف يُدير الأزمات ويدير الحوار وهو محلّ احترام من جميع النوّاب والسياسيّين.
الوجه الديمقراطي للبورقيبيّة
رحلَ الباجي قايد السبسي، أوّل رئيس جمهوريّة مُنتخَب مباشرة من الشعب بشكل ديمقراطي ونزيه، في انتخابات نهاية خريف 2014، وشكَّل فَوزه انتصاراً تاريخيّاً للمشروع الوطني الحداثي الذي قاده الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة منذ تأسيسه الجمهوريّة التونسيّة الأولى عقب حصول تونس على استقلالها عام 1956، حيث شَيَّدَ بورقيبة الدولة المدنيّة الوحيدة في العالَم العربي، فيما أَخفقت الإيديولوجيّات الأخرى، فضلاً عن إقامة بورقيبة مشروعاً اجتماعيّاً حداثيّاً وتنمويّاً، يقوم على تَحْرِيرِ المرأة التونسيّة، ونَشْرِ التعليم الديمقراطي، ومُحَارَبَةِ الفقر، وتَحْقِيق ِالضمان الصحّي.
وقاد هذا التطوّر المُفرط لدولة الوصاية البورقيبيّة في الوقت عينه إلى غياب فَضَاءٍ عَامّ مُحَدَّدٍ تحديداً مُتَمَيّزاً، ومُجَهَّزاً بقواعده الخاصّة وممثّليه. ولمّا كانت دولة الوصاية هذه تشكِّل وحدة مع جهازها وبيروقراطيّتها وغير مفصولة عن المجتمع، فقد عجزت عن أن تكون التعبير المباشر عن الكليّة العينيّة، كليّة المجتمع والشعب، لأنَّ قوام هذه الدولة والسلطة المتمسّكة بزمامها لم يَكُنْ القانون الذي لا يَقُومُ إلَّا على قاعدة الحقوق. ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الدولة خَارِجَةً عَنِ الْمَحْكُومِينَ، وهذا التَخَارُجُ بين السلطة والشعب، وَجَدَ التعبير عنه في مَرْكَبِ الدولة – الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكِم، الذي أَنْتَجَ نَسَقاً سِيَاسِيّاً مُغْلَقاً، أَفْضَى في النهاية، إلى تقلُّص الدولة في شكل عمليّة تحرّر نسبيّ لها.
تَمَرَّدَ الرئيس السبسي على نِظام والده الروحي الحبيب بورقيبة، حين انشقّ رمزيّاً عنه في نصّ استقالة شهير سنة 1970 في جريدة « لوموند» الفرنسيّة،عندما كان سفيراً لتونس في باريس. وفي المؤتمر الثامن للحزب الاشتراكي الدستوري المُنعقد في مدينة المنستير عام 1971، حَقَّقَ الجناح الذي كان يُنَادِي باللّيبراليّة الاقتصاديّة واللّيبراليّة السياسيّة في آن واحدٍ، الأغلبيّة في المؤتمر، وتَمَثَّلَ هذا الجناح في أحمد المستيري والباهي الأدغم والباجي قايد السبسي، والحبيب بولعراس، فَتَدَّخَلَ بورقيبة شخصيّاً، وألغى انتخابات المؤتمر، وحسمَ الصراع لمصلحة الجناح المتصلّب الذي كان يقوده محمّد الصيّاح مدير الحزب سابقاً – وقاد ذلك إلى تصفية جناح المستيري- الباجي قايد السبسي المضروب على صعيد السلطة منذ مؤتمر1971.
ومع ذلك فإنّ عدداً كبيراً من المؤرّخين التونسيّين يتجاهلون أنَّ الباجي قايد السبسي كان قائد الجناح الديمقراطي داخل النظام البورقيبي عينه، والرجل الذي وضع كلّ إمكانيّاته الماليّة على ذمّة الحركة الديمقراطيّة الناشئة، فأسَّس مجلّة «ديمقراطيّة» الناطقة بالفرنسيّة، وكان قريباً من مجموعة «الرأي» ورابطة حقوق الإنسان وحركة الديمقراطيّين الاشتراكيّين.
ولم يعُد الباجي قايد السبسي إلى الحكومة إلّا بعد أكثر من عشر سنوات وبعد اعتراف الزعيم بورقيبة بالتعدديّة الحزبيّة عام 1981. وكان الرئيس الراحل وزيراً شبه دائم في حكومات الحبيب بورقيبة، وفي عهد حُكم زين العابدين بن علي، عُيّن في فترة أولى رئيساً للّجنة السّياسيّة والشّؤون الخارجيّة، ثمّ في (سبتمبر) 1990 رئيساً لمجلس النوّاب حتّى (أكتوبر) 1991. ومع سقوط النظام في 14 (يناير)2011، أجمع عليه «الثوّار» بتشكيلاتهم الإسلاميّة والمدنيّة واليساريّة ليكون رجل «المرحلة الانتقاليّة» من الثورة إلى «النظام الجديد» الذي اكتسب مع انتخابه رئيساً للجمهوريّة الثانية، صورته الكاملة.
انطلاقاً من هذا الإرث البورقيبي، عمل الباجي قائد السبسي على تأسيس حزب جديد بعدما سيطرت الترويكا الحاكِمة سابقاً بقيادة حركة النهضة الإسلاميّة على مقاليد السلطة في تونس عقب الانتخابات التي جرت في 23 (أكتوبر) 2011. ونجح الباجي قايد السبسي، الوزير السابق في عهد بورقيبة والرئيس الأوّل للبرلمان في عهد بن علي، وصاحب الكاريزما «البِلْدِيّة» العتيقة (كإبن برجوازيّة تونس العاصمة)، في أن يقدِّم نفسه كـ«أملٍ للخلاص والتغيير» لجزء مُهمّ من المجتمع التونسي، عبر تجميعه في «حزب نداء تونس»، في بداية سنة 2012، أطيافاً سياسيّة وفكريّة عديدة: شتات الجزء الأهمّ من كوادر نِظام بن علي وحزبه المنحلّ، «التجمّع الدستوري» ورجال أعماله، ممّن لم يختاروا الانضمام إلى «حزب النهضة الإسلامي»، وبقيّة الأحزاب «الدستوريّة»، ومن فئات الطبقة المتوسّطة المتضرّرة من الثورة، ومن النقابيّين واليساريّين اللّيبراليّين المتخوّفين من مشروع حزب النهضة المُفضي إلى «أخْوَنة الدولة التونسيّة» والقضاء على مَظاهر مدنيّتها وعلمانيّتها.
رحيل الباجي وتداعياته على الانتخابات
بعد وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي، أعلنت «الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات» في اجتماعها الذي عُقد يوم الخميس في 25 (يوليو2019)، عن تعديل موعد الانتخابات الرئاسيّة، إذ قرّرت إجراء الانتخابات الرئاسيّة في 15 (سبتمبر) 2019 بدلاً من 17(نوفمبر)، وذلك وفق ما أعلنته الناطقة باسم الهيئة حسناء بن سليمان لوكالة الأنباء التونسيّة. وأضافت بن سليمان، أنّ «مجلس الهيئة قرَّر كذلك، فتْح باب الترشُّح للانتخابات الرئاسيّة في2 (أغسطس)، على أن تنطلق الحملة الانتخابيّة يوم 2 (سبتمبر)، مُبيِّنة أنّه «نظراً لضيق الآجال المنصوص عليها بالفصل 84 من الدستور، تمّ اختصار فترة الحملة الانتخابيّة إلى 12 يوماً فقط عوضاً عن 21 يوماً». وأكّدت في المقابل أنّه لا وجود لأيّ تغيير في مواعيد الانتخابات التشريعيّة في الوقت الحالي، التي ستُجرى في موعدها المقرَّر سلفًا يوم 6 (أكتوبر) المُقبل.
لا شكّ أنّ تقديم موعد الانتخابات الرئاسيّة على موعد الانتخابات التشريعيّة، ربّما يمثّل إشكالاً إذا عرفنا أنّ النّظام السياسي الجديد، الذي أسّسه الباجي قايد السبسي وراشد الغنّوشي وكرَّسه دستور2014، تتوزَّع فيه السلطة التنفيذيّة بين طرفَين، رئيسي الجمهوريّة والحكومة، مع صلاحيّات أوسع للثاني، وهو المُتسبِّب الرئيسي في الأزمة التي تعيشها تونس في الوقت الحاضر.
فالنظام التونسي الجديد ليس نظاماً برلمانيّاً قائماً على الفصل بين السلطات، كما هي حال الأنظمة البرلمانيّة التي تقوم على الفصل المَرِن بين السلطتَين، التنفيذيّة والتشريعيّة، ولا نظاماً رئاسيّاً، مثل الأنظمة الرئاسيّة التي تعرَّف بأنّها تقوم على الفصل الصارم بين السلطتَين.
من هذا المنطلق، فإنّ إجراء الانتخابات الرئاسيّة قبل الانتخابات التشريعيّة سيغيِّر العديد من المُعطيات، والحسابات الحزبيّة التي كانت مبنيَّة على استشراف مَنْ سَتُرَّشِحَهُ للرئاسيّات في ضوء نتائج التشريعيّات، ولاسيّما بالنسبة إلى أحزاب الائتلاف الحاكِم، المُكوَّن من حزب «تحيا تونس» بزعامة رئيس الحكومة التونسيّة يوسف الشاهد، وحزب النهضة بزعامة الشيخ راشد الغنّوشي.
قبل وفاة الرئيس الباجي، كانت أغلبيّة الكتل الانتخابيّة الكبيرة في البرلمان (كتلة حزب النهضة، وكتلة حزب تحيا تونس، وكتلة حزب نداء تونس، وكتلة حركة مشروع تونس، والكتلة الديمقراطيّة) تُصِرُّ على ألّا تُعْلِنَ عن اسم مُرَشَّحِهَا للانتخابات الرئاسيّة على أساس أَنْ تَخْتَبِرَ قوّتها في الانتخابات التشريعيّة، وتَعرف حجمها بالضبط، وتتدارَس مع مَن ستتحالف ومع مَن ستقف، ومن ستدعم في الانتخابات الرئاسيّة التي كانت ستجرى دورتها الأولى في 17 (نوفمبر) المقبل، حتّى يكون «رئيسها»، ويكون بالتالي متطابقاً مع توجّهاتها، سواء كان منها حليفا «مضمونا» أم حتّى حليف حسابات.
الآن تغيرت المعطيات، وتغيّرت معها حسابات كل الأحزاب تقريبا بلا استثناء، ومنذ يوم الثاني من (أغسطس) 2019، أفصحت كلّ الأحزاب عن مرشّحها للانتخابات الرئاسيّة، لأنّه لم يعد هناك مجال لإخفاء النوايا، ولم يعد بالإمكان التخفّي وراء نوع من «التعفّف» الذي جعل من أهمّ الأحزاب التونسيّة، ولاسيّما أحزاب «النهضة» و«تحيا تونس» و«النداء» لا تعلن عن أسماء مرشّحيها، ولا تبيح بأوراقها التي تخشى عليها ربّما الاحتراق قبل وصول المواعيد القديمة التي كانت محدّدة للسابع عشر من (نوفمبر) المُقبل.
ومن تداعيات رحيل الباجي قايد السبسي على الانتخابات أنّ موضوع التعديلات التي طرحت على قانون الانتخابات، والتي تهدف إلى إقصاء عدد من الأطراف السياسيّة، إذ إنّ القانون الجديد يمنع ترشّح أيّ شخص عمل في جمعيّة أو منظّمة خيريّة لمدّة عام، إلى جانب أولئك الذين يمتلكون قنوات تلفزيونيّة تقوم بالدعاية السياسيّة، هذا القانون الجديد لم يصدر عن المحكمة الدستوريّة، بل عن الهيئة المؤقّتة لمراقبة دستوريّة مشروعات القوانين. فالمحكمة الدستوريّة لم تتشكّل في تونس، لأنّ الطبقة السياسيّة تعاملت معها بمنطق الغنيمة، فتجاهلت الكفاءات والمختصّين واعتمدت اختيار أشخاص على أساس الولاءات، ما عطَّل قيام هذه المَحكمة.
ولعلّ أكبر دليل على أهميّة هذه المحكمة أنّ القضيّة الحاليّة والإشكاليّات المطروحة حول عدم توقيع الرئيس الراحل السبسي على هذا القانون الجديد هي من المسائل التي لا بدّ أن تحسم فيها هذه المحكمة الدستوريّة. وكلّ ما يحدث اليوم من فوضى ومن ارتباكات بعد رفض الرئيس ختم القانون الانتخابي الجديد، إنّما هو بسبب غياب المحكمة الدستوريّة وهي الفيصل في مثل هذه «الإشكاليّات الدستوريّة» ولا أحد يقوم مَقامها في ذلك.
فالفصل 81 من الدستور ينصّ على أنّ مشروعات القوانين لا تصبح نافذة قانوناً ما لم يختمها رئيس الجمهوريّة وما لم يأذن بنشرها، وبالتالي فإنّ أيّ قراءة من خارج هذا الفصل إنّما هي من باب المغالطات المغرضة؛ علماً أنَّ الدستور لم ينصّ على إلزاميّة الختم بما أنّه لم يصدر في شكل أمر إلزامي. وفضلاً عن ذلك، فإنّ الهيئة المؤقّتة لمراقبة دستوريّة مشروعات القوانين هي التي تولَّت إحالة القانون الانتخابي الجديد إلى الرئيس السبسي بعد قبول الطعون شكلاً ورفضها أصلاً، وهو الدور الموكول- في الواقع وبحسب الدستور- إلى المَحكمة الدستوريّة، إذْ يَنُصُّ الفصل 120 على ما يلي: « تختصّ المحكمة الدستوريّة دون سواها بمراقبة مشاريع القوانين..» ما ينفي الصفة عن الهيئة الوقتيّة لمُراقبة دستوريّة مشروعات القوانين.
وطالما أنّ رئيس الجمهوريّة لم يختم النصّ، فإنّه لا يُمكن اعتباره قانوناً، وكلّ قراءة مخالفة لذلك تدخل في إطار العبث وخارجة عن أحكام الدستور.
لماذا ترشَّح الغنّوشي للانتخابات التشريعيّة؟
في ضوء احتدام الأزمة السياسيّة في تونس، أعلن الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي يوم 25 (سبتمبر) 2018، عن نهاية علاقة التوافق التي كانت تجمعه بحركة النهضة. وبعد نهاية التوافق بين الشيخَين السبسي والغنّوشي، أصبحت «حركة النهضة» مؤيّدة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد، في إطار توافقها مع حزبه الجديد «تحيا تونس».
وخلال السنتَين الأخيرتَين، غيَّر زعيم «حركة النهضة»، الشيخ راشد الغنّوشي من «اللّوك»، إذ أصبح يلبس اللّباس الافرنجيّ وربطة العنق، وعمل على إبعاد التهمة التي لاصقت حركة النهضة والمتمثِّلة بعلاقتها بحركة الإخوان المسلمين، المصنَّفة إقليميّاً حركة إرهابيّة في انتظار تعميم هذا الحكم عالَميّاً، وأن يدّعي أنّه مع نقْل الإسلام إلى عالَم الحداثة وميله إلى بناء الدولة المدنيّة عبر الفصل بين الدَعويّ والسياسيّ، وأن يقَدِّمَ نفسه داخليّاً وخارجيّاً أمام الدول الغربيّة على أنَّه يمثِّل حركة تحوَّلت من حزب عقائدي قائم على إيديولوجيا الإسلام السياسي إلى حزب سياسي مَدني محافظ، غايته استقطاب نصف الشعب التونسي أو أكثر .
لقد تفاجأت «حركة النهضة» في الآونة الأخيرة بتصاعُد الخطابات المُناهضة لها من قبل قيادات بارزة في مشروع الشاهد الجديد، ولاحظت أنّ خطاب التنصّل من فكرة التوافُق والتحالُف معها هو الطّاغي أيضاً على خطاب المشروع الجديد، فالشراكة في الحُكم مع النهضة بالنسبة إلى قيادات مشروع الشاهد سببها إكراهات سياسيّة لا قناعات وتوجّهات استراتيجيّة.
هذا الإخفاق هو الذي دعا الشيخ راشد الغنّوشي وفريقه المقرَّب إلى تغيير استراتيجيّة التقدّم إلى التونسيّين. فبدلاً من الترشّح إلى الانتخابات الرئاسيّة التي تبدو نتائجها غير مضمونة، حرصت حركة النهضة على الدفع برئيسها راشد الغنّوشي إلى الترشّح للانتخابات التشريعيّة على رأس قائمة تونس الأولى لحركة النهضة، ليُحقِّق الأهداف التالية:
-1 التحوّل من زعيمٍ لم يُنتخب إلّا داخل التنظيم الإسلامي إلى قائد له مشروعيّة الانتخاب الشعبي.
2- إبقاء سيطرة «حركة النهضة» على مجلس نوّاب الشعب والسلطة التشريعيّة صاحبة الصلاحيّات الأوسع في النّظام السياسي التونسي الجديد بعد الثورة، ولاسيّما أنّ حركة النهضة بدأت تستشعر خطورة أزمة النظام السياسي الحالي الذي باتت تَصِفه قوى سياسيّة ديمقراطيّة عدّة بالهجين والشاذّ، وتجري المُطالَبة بتغييره إلى نظامٍ سياسي رئاسي معدَّل.
-3 وصول الغنّوشي إلى رئاسة البرلمان التونسي لكي يتمتّع بالحصانة البرلمانيّة ( ولاسيّما أنّ حركة النهضة أصبحت مُحاصَرة بقضايا عدّة، أبرزها قضيّة «الجهاز السرّي» وعلاقته بالاغتيالات السياسيّة، وقضيّة تسفير المتطرفين التونسيّين إلى بؤر التوتّر)، عبر التفاوُض مع حزب الشاهد، لكي نُساند مرشّحكم للانتخابات الرئاسيّة، عليكم أن تصوّتوا للشيخ كرئيسٍ للمجلس الجديد.
4- في ضوء المؤتمر القادم لحركة النهضة، لن يستطيع راشد الغنّوشي أن يبقى رئيساً للحزب، بحُكم عامل السنّ، والقانون الأساسي للحزب الذي يؤمن بالتداول على قيادته. لذا حرصت «حركة النهضة» على الزجّ بزعيمها راشد الغنّوشي للبرلمان كي يتبوّأ منصب رئاسته، ويُمارس من خلاله حياته السياسيّة، بدلاً من إحالته على التقاعد.
5- إنّ وصول الغنّوشي إلى البرلمان، وترؤّسه المتوقَّع للمجلس النيابي، يشير إلى استمرار سياسة التوافُق التي باتت تكرِّس نِظام الحُكم المُعولَم في تونس، من خلال هَيمنة القوى الإقليميّة والدوليّة على القرار السيادي التونسي، إذ تتولّى النهضة بمُقتضاها رئاسة المجلس النيابي، وتترك رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة لمرشّحين من النواة الصلبة للدولة العميقة (أي لشخصيّتَين من بورجوازيّة «بِلْدِيّة العاصمة» المُتحالِفة مع أهل «عصبيّة الساحل»/‏‏ الوسط الشرقي التونسي).

*كاتب من تونس
ينشر التقرير بترتيب مع مؤسسة الفكر العربي