نوافذ: يقال: الصراخ حجة الضعيف

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

في عصرنا الذي نعيشه لم نعد نسمع كثيرا حالات الصراخ المزعجة، لأن الجميع منكس رأسه على شاشة هاتفه، حيث هو مسافر إلى عوالم أخرى غير عالمه المادي القريب، ولذلك فحتى لو رفعت صوتك تستجديه أن يعيرك اهتماما، أو نظرة قربى، فلا يستبعد أن تذهب نداءاتك أدراج الرياح، حيث يعيش في استغراق كامل، ومن هنا بدأت الأصوات تنخفض رويدا رويدا، حتى في الحالات التي عادة توصف ببيئات الصراخ العلني، كحالات الأسر بمجاميع أفرادها قلوا أو كثروا، حيث الجميع يعيش حالة مهادنة – طبيعية أو مفتعلة – المهم الجميع يعيش في هدوء، ويبدو أن المسألة مرشحة لتعميق هذه الحالة الإنسانية، وهي بقدر ما هي مهمة إلا أننا نحتاج أن نصرخ في مواقف أخرى، فالنداءات القديمة كانت تدعو إلى الهدوء، وعدم الصراخ لأنه يقال: «ما بين العقل واللسان علاقة عكسية فكلما كان العقل صغيرا كان اللسان طويلا» إلا أن الخوف أن تستمر الحالة حتى تنتهي كل الـ «الصراخات» من عالمنا الملموس، وعندها حتى أولئك أصحاب الحقوق ستموت صراخاتهم، وبالتالي ضياع حقوقهم، إنها حالة مذهلة بحق.
ما أتوقعه؛ أن البعض من حالات الصراخ ستبقى؛ خاصة عند البرلمانيين، عندما يتنازعون فيما بينهم، حتى يصل الأمر إلى تشابك الأيدي، إيمانا من البعض أن إيصال الرأي لن يكون إلا بالصراخ، وربما أيضا في قاعات المحاكم، عندما تعلو أصوات المحامين وهم يدافعون عن موكليهم، ولا ننسى صراخ العسكري عند دخول القضاة حيث تتصدع جوانب القاعة بكلمة «محكمة» وكأن كل من في القاعة من الذين يعانون من الإعاقة السمعية، ولعل في ذلك تمهيدا لحكم قاسي على طرف ما سوف يتلوه قاضي المحكمة.
شنت التربية الحديثة هجوما كاسحا على الذين «يصرخون» في وجه الأطفال، وعد هذا السلوك جارحا بقوة السيف، ولا يستبعد أن يتسبب في إعاقات ذهنية وتربوية، لدى الأطفال، وكان البديل المطروح لحالات التشنج هذه، هو الحوار الهادئ واللطيف، حتى إذا رفع هذا الطفل عقيرته وأهداك كفا ساخنا على وجهك، وأنت (الأب/‏‏ الأم) عليك أن تأخذه بالأحضان، وتبين له بكل هدوء أن هذا السلوك خاطئ، وتعزز ذلك بـ «يا حبيبي» حتى يأتي موقف صادم بينك وبينه في المرة القادمة، ويهديك «كفين ساخنين» بدلا من كف واحد.
ظلمت بعض التقييمات السلوكية المرأة، فألصقت بها حالة «الصراخ» وعد ذلك ضعفا في شخصيتها، ولم يدر من وضع هذا التقييم أن هناك رجال يصرخون «ضعفا» أمام نسائهم حتى الرمق الأخير من شعور مكبوت، فالصراخ؛ هو أيضا انعكاس لشعور مكبوت، وليس خيار خلقي يفاضل فيه أحدنا بينه وبين عدم الصراخ، وخاصة في الحالات التي نفتقد فيها التحكم في مشاعرنا؛ بين أن نصرخ، وبين أن نهدي محدثنا كلمة هامسة رقيقة.
بينما؛ في المقابل؛ يدعو متخصصو الطب السلوكي أن من يعاني من «كبت مشاعره» قاس؛ عليه أن يذهب إلى فضاء ناء فسيح ويصرخ بكل ما أوتي من قوة، حتى يضمحل هذا الشعور القاسي، ويعود الفرد إلى طبيعته الإنسانية السوية، وقد قرأت منذ زمن بعيد، أن هناك شركات متخصصة، توفر لمن يعاني من آلام نفسية غرفا مملؤة بالأواني، وعلى هذا الفرد أن يدخل الغرفة ويكسر كل الأواني، أو على قدر حاجته، بحيث يخرج من الغرفة، وقد تخلص من كل شعور الكبت الذي يعانيه.
وخلاصة هذه الحالة الشعورية التي يكون مأساتها «الصراخ» وعلاجاتها «الصراخ» نصل إلى نتيجة مفادها؛ أن الصراخ حالة شعورية طبيعية، وجدت في النفس البشرية، ليست مفتعلة، وليست حالة مرضية، وأن من يبالغ في إبدائها عليه مراجعة نفسه، ومن يبالغ في إخفائها عليه كذلك مراجعة نفسه، فـ «الفضيلة بين طرفين؛ كلاهما رذيلة».