عنوان الأمم المتقدمة – النظافة

علي بن سعيد العلياني –

النظافة باب واسع من أبواب الخير والنماء والعطاء وهي متاحة للجميع لا تحتاج إلا إلى مزيد من الاهتمام والمثابرة وترسيخ القناعات التي تدعو إلى إعطائها المساحة الكافية حتى تكون قادرة على ضبط إيقاع البيئة نحو ما يجعل الإنسان يعيش في سعادة وتناغم وتنقذه من كل ما يتربص به من آفات أو عثرات.
والنظافة تجديد مستمر في كل مناحي الحياة فهي تجديد في الأفكار وفي الطرق في كيفية التعامل مع الواقع وتجديد في الهمة والنشاط عندما تجد نفسك أمام واقع جميل ومناظر تريح النفس وتزيح عن كاهلك ثقل الهموم وتجديد في الهواء الذي نتنفسه، فالنظافة تخلق هواء نقيا متجددا مما يبعث على الارتياح والبعد عن أمراض الجهاز التنفسي المتعبة وهي تجديد في الحلل التي تلبس المتنزهات والحدائق والساحات العامة تجدها كلما أشرقت صباحا تكسوها الروعة والحلال والجمال فكل يوم يتجدد المنظر البهي بسبب أبعاد كل ما من شأنه تعكير صفاء هذه المرافق العامة، والنظافة تحديد للمخبر قبل المظهر فالأشكال الخارجية الجميلة لا تغني عما يكون وراءها إذا كان غير نظيف، فالملابس النظيفة على سبيل المثال لا تغني عن نظافة البدن وبكل عناية وقس على ذلك واجهات الساحات والأماكن العامة، فالنظافة تشمل كل نقطة وكل جزئية فهي كل متكامل.
النظافة ليست شعارات ترفع ولا أقوال تخالف الواقع وهي ليست أماني نحلم بها بل هي الواقع المعاش بكل تفاصيله وهي تطبيق على الأرض وممارسة مستمرة، فالنظافة أن نغرق في التفاصيل حتى النخاع بحيث نكون قولا وفعلا، وعمل دؤوب نستطيع من خلاله الوصول إلى الهدف المنشود.
إن التغني بأمجاد الماضي وحضارة المسلمين الأوائل في الأزمان القديمة لن يحرك ساكنا، أيضا عرضنا للإسلام على أنه دين النظافة وهو يعتني بالنظافة أيما عناية لن يوصلنا إلى نتيجة ما لم يترجم عملا في الواقع فكل النظريات تصبح عديمة الجدوى إذا كانت في ملفات حبيسة الأدراج.
قيامنا بالواجب في جانب النظافة ليس منة ولا تفضلا بل هو إنقاذ لأنفسنا قبل غيرنا من براثن المرض والعلل والضيق والاكتئاب وبالمقابل محاولة لجلب السعادة والصحة والتمتع بجمال البيئة التي نعيش بها بسبب نظافتها.
النظافة تدل دلالة واضحة على مستوانا الثقافي والأخلاقي والفكري وبالتالي، فالنظافة إما أن تمنحنا وساما على صدورنا نفتخر به في حال أننا بذلنا وعملنا وأعطينا في هذا الجانب أو أن تنزل بنا إلى درجات الانحطاط والتخلف والوضع المزري من خلال رؤية الآخرين وتقييمهم لما يرونه ماثلا أمام أعينهم وفوق ذلك تخسر في هذه الحالة التقدير والاحترام بسبب وضعنا غير المريح لنا ولغيرنا من حولنا.
النظافة أنقذت دولا من بطش الأمراض الفتاكة، فأوروبا الغارقة في وحل الخوف من أن يلامس الماء الأجساد فتك الطاعون بالملايين دونما رحمة أو شفقة كما أنها بعثت الأمل وأعطت الدافع لدول إلى أن تتبوأ الصدارة بعد أن تفرغ أبناؤها للعطاء بسبب تمتعهم بالصحة والقوة لتزداد عندهم العزيمة ويلبسوا ثوب الإصرار على قبول التجديد مهما كانت نتائجه.
النظافة أساسها العلم والإدراك والوعي وهي أساس الحضارة والتقدم والرقي فإن نصل إلى مستوى عال من التعليم والبعد عن الجهل عندها سيأتي دور النظافة في سبيل تمهيد الطريق أمام كل من يريد أن يبني ويعطي ويبذل فعلينا أولا أن ندرك قيمة النظافة ومساهمتها في إضاءة حياتنا بنور يزيح عن الظلمات ويبعد أشباح التخلف والجهل.
لم نسمع يوما عن أمة تقدمت وأكوام القمامة تملأ ساحاتها أو أن أبناءها غارقون في ملابس متسخة وأجساد قذرة لكننا سمعنا وسنسمع عن أمم تقدمت ووصلت إلى أعلى المراتب لأن النظافة كانت عنوانا يقرأه الجميع صباحا مساء في كل مكان وبقعة.
إذا كنا نتكلم كثيرا عن النظافة والتقدم فهذا ليس عبثا أو عك كلام بل إننا نجد مشاهد حية لهذا الواقع الذي نصفه، فعلى سبيل المثال كانت ماليزيا في مطلع الثمانينات عبارة عن أدغال فقيرة موحلة وقذرة وفقر منتشر وأناس يلف الجهل عقولهم ويضرب اليأس على قلوبهم حتى جاء الفرج بقيام أرباب السياسة في هذه الدولة الصغيرة بالقيام بنهضة علمية وعمرانية وصناعية في سنوات قليلة وكانت النظافة والمحافظة عليها العنوان الأبرز وها هي ماليزيا اليوم يضرب بها المثل في الروعة والبهاء والعمل والتقدم والرقي وها هي جامعاتها من أشهر الجامعات العالمية وتعليمها كل سنة يحصد مراكز متقدمة وغالبا المراكز الأولى على مستوى العالم وهذا كله بفضل الإدارة القوية التي قضت على كل العقبات بداية ومهدت الطريق بأن أزالت أسباب الجهل والتخلف والمرض، والشعب الماليزي اليوم من أسعد الشعوب على وجه الأرض.
هل سمعتم عن دولة رواندا؟ الدولة الأفريقية التي كانت مسرحا لإبادة جماعية وحروب وصراعات دامية والتي تصورنا أنها لن تقوم لها قائمة، لقد لفت نظري موضوع عنوانه رواندا من الإبادة الجماعية إلى عاصمة السياحة بالقارة السمراء، حيث يقول الكاتب: الأمن والنظافة أبهرا الوفود المشاركة في القمة الأفريقية بكيجالي والصورة الذهنية من المطار إلى فندق الإقامة لفت انتباهي نظافة الشوارع لطريقة مذهلة بالرغم من أننا نتذكر في 1994م قتل حوالي مليون شخص في صورة إبادة جماعية ومع ذلك نهضت رواندا لتصبح قبلة للسياحة والجمال الذي ألغى الصورة النمطية الكريهة ويقول كاتب المقال أيضا: إن رواندا تعتمد على السياحة بشكل رئيسي وهي أي السياحة القطاع الرائد ومصدر النقد الأجنبي في البلاد، ويقول: نجحت رواندا في النهوض سريعا بعد الإبادة الجماعية 1994م وها هي تمتلك أجمل مدينة أفريقية حققت السياحة وحدها نحو 43% من الدخل الإجمالي للبلاد ونجحت الحكومة الرواندية في تسويق العاصمة كيجالي كوجهة آمنة عن طريق تطبيق القوانين الصارمة الملزمة للمواطنين فصارت من أنظف وأرقى المدن في القارة السمراء، كما رأينا رواندا قفزت فوق الآلام والجراح المثخنة والحروب الطاحنة وحولت الصورة البشعة التي تتقزز منها النفوس إلى صورة جميلة إلى أن أصبحت مهوى أفئدة الكثيرين للاستمتاع بجوها وشوارعها النظيفة ومبانيها الراقية ونهارها المشرق وليلها المضيء الجميل.