الزواج أهم وأقدس العلاقات التي حث عليها الدين الإسلامي ورغّب فيها وجعلها من سنّة المرسلين

تكاليف الأعراس.. أهم العقبات التي تواجه الشباب –

لقد راعى الإسلام الفطرة والحاجة الإنسانية للزواج، وجعله من الضرورات الاجتماعية لبناء الأسرة والمجتمع، وأطر له أحكاما وآدابا ومقاصد، والزواج آية من آيات الله تبارك وتعالى حيث يقول سبحانه وتعالى: (وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، ولعظمته وأهميته جعل النبي صلى الله عليه وسلم الزواج اقتداء بسنته صلوات ربي وسلامه عليه، والإعراض عنه إعراض عن سنته صلوات ربي وسلامه عليه، فالنصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام كثيرة بين نصوص مبينة لأحكام الزواج والآداب والمشروعية والمقاصد والحث عليه، غير أن حديثنا في هذا المقال سنتناول بعض العادات السيئة إن لم تكن ظواهر تصاحب الزواج، وهي تكاليف الأعراس بين الغالي والجافي، والأسباب الداعية لذلك، فلا يخفى على أحد أن الإسلام دين يسر، ولم يأت الشرع الحنيف بشيء، أو يرّغب له فيكون صعبا على النفس البشرية أو لا يطيقه أحد، إلا أن هناك أفكارا دخيلة، وعادات سيئة إن لم تكن ظواهر في كثير من المجتمعات وهي التكاليف المصاحبة للأعراس من تجهيز للقاعات وغيرها من الأمور الكمالية، وكذلك تجهيز العروس وما يترتب على أهل العروس من تكاليف قبل العريس، وذلك بحجج واهية وأفكار شيطانية تدفع الناس إلى التبذير، والحجج هي أنها فرحة العمر، وأنه يوم واحد في العمر، وغيرها من الأعذار التي يصدق عليها عذر أقبح من ذنب، فهل يعقل من أجل يوم واحد أن يتحمل رب أسرة، أو العريس تكاليف وديون لا يطيقونها؟!، ويبدأ العريسان حياتهما بديون وأثار مترتبة على تكاليف الزواج، وكذلك هل من المعقول أن يدفع أهالي العروس مبالغ تصل إلى أضعاف مهر البنت من أجل لباس تلبسه العروس لساعات قليلة؟ والكل يعلم موقف الشرع الحنيف من لبس الشهرة، أو لبس المباهاة والتي جاءت نصوص كثيرة في عدة مواطن على تحريمه، وفي أخرى على كراهيته، وكذلك تحريم الشرع الحنيف للتبذير في كل شؤون المسلم، أليس من الأجدر أن تكون هذه المبالغ معينة للعريسين لبداية حياة المودة والألفة والسعادة؟! بل من المضحك والمبكي أن أحد المختصين بالقضايا الاجتماعية يتحدث على أن أكثر من يبالغون في تكاليف الزواج، ويتحملون فوق طاقتهم هم الطبقة المتوسطة وما دونها، وعلى العكس تماما من عنده القدرة والذي متوسط تكاليفه للعرس قد تكون عند من هو غيره مبالغة؛ إلا أن هذه الفئة تحرص على تمام الأعراس بأقل التكاليف وبأسهل الطرق.
وعند التطرق إلى هذا الأمر دائما تحضرني قصتان الأولى هي لشاب من دولة شقيقة يخبرني ابن عمه بأن تكاليف زواجه تجاوزت ما يعادل بالعماني مائة ألف ريال عماني ويزيد، إلا أنهما لم يبقيا مع بعض شهر واحد! وفي المقابل يخبرني كذلك زميل أن أخته تزوجت بمهر ميسر على العريس، إلا أنه يقول لو اخذنا عشرة آلاف لمهرها لما استطعنا أن نوفر لها الذي وصلها من هدايا وعطايا، وفي يوم عرسها كان عرسا محل إشادة وإعجاب من الناس، فهاتين القصتين من الواقع المعايش فدلالتهما أولا: مصداق لحديث النبي صلى الله عليه وسلم (أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة)، ثانيا: أن من يحرص على رضا الناس فلن يستطيع إليهم سبيلا، ومن سعى في رضا الله سبحانه وتعالى فإن الله يرضى عنه ويجعل الناس كذلك ترضى عنه، فلهذا نجد عزوف كثير من الشباب عن الزواج، ولا يخفى على ذي عقل المخاطر الاجتماعية والفطرية والأخلاقية والأمنية والاقتصادية المترتبة على المجتمع من العزوف عن الزواج، وكذلك المخاطر المترتبة على الزواج الذي يكلف الشباب والأهالي الكثير مما لايطيقونه، وانعكاس ذلك بالسلب على حياة العريسين وعلاقتهما ببعضهما، والتي أدت إلى كثير من الأحيان إلى الطلاق-العياذ بالله- وذلك بسبب الأعباء والتكاليف التي بُنيت عليها حياة هذه الأسرة الناشئة، أو في أحسن الأحوال تستمر حياتهما في ضيق من العيش، ويستمرون لدفع هذه الضريبة لسنوات، فللأسف ساهم البعض في جعل الزواج قطعة من جهنم بدلا من أنه مودة ورحمة وسعادة مثلما أراد الشرع الحنيف من الزواج، ومن المخزي والمؤسف بأن يتعدى الأمر إلى الأهالي سواء أهل العريس أو العروس، بالاشتراطات والترتيبات التي أغلبها كماليات فتكلف العريس أو أهالي العروس مالا يطيقون، بل يصل الأمر بأن يقترضوا من أجل توفير هذه الكماليات المصاحبة للعرس، وكذلك من العادات السيئة بأن يأخذ أبو العروس المهر، أو جزء منه، وعلى العريس أن يقوم بتوفير كافة مستلزمات العروس فضلا عن تكاليف العرس والتي مثلما ذكرنا يغلب عليها الكماليات، فبأي منطق هذا الأب يأخذ مهر البنت الذي هو حقها، فقد يقول البعض عن طيب نفس اعطته؛ لكن حديثنا عن هذا الأمر بأنه أصبح عادة في بعض المجتمعات فالأغلب يعلم، أو معايش لهذه العادة السيئة وغيرها من العادات السيئة التي لم يأت بها ديننا الحنيف بل رغّب الإسلام على التخفيف في تكاليف الزواج، وحث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وقام بتزويج بناته رضي الله عنهن، وبنات أصحابه رضي الله عنهم بأقل المهور، وأقل التكاليف فهذا لايعني أن لا يقام عرس ولا يكون هناك فرح فهذا منافي لمقصد الشريعة الإسلامية، فعلى المسلم أن لا يكون غاليا في التكاليف للزواج، وأن لا يكون كذلك جافيا، ويكون مقتصدا وبالمعقول وفق الإمكانية، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم يرشدنا إلى أن الاحتفال مشروع، وإقامة العرس من تمام الزواج، وكذلك إرشاد على اليسر في المهور، فقد صح عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه زوّج رجلاً بما معه من القرآن، وقال صلوات ربي وسلامه عليه لآخر: ((التمس ولو خاتمًا من حديد)، وكذلك تزوج عبد الرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب، بل أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على من يبالغون في المهور، فالأمثلة الرائعة التي ضربها لنا المصطفى صلى الله عليه سلم في هذا الشأن كثيرة، ولكن كلها من قبيل التخفيف والتيسير وفق الإمكانيات المتاحة، وكذلك سار على نهجه أصحابه الكرام رضي الله عنهم؛ فلهذا نناشد المؤسسات المجتمعية بمختلف أصنافها حكومية وخاصة وغير الربحية بأن يكون هناك تكثيف للجهود المبذولة في التوعية لهذا الشأن، والذي سينعكس بالإيجاب على المجتمع وأفراده، ونختم المقال بما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أن لا تبالغوا في مهور النساء، فإن المهر لو كانت مثل المكرمة للمرأة في الدنيا، أو تزيد من تقوى العبد عند ربه، لكان أولى بهذا الأمر هو النبي صلى الله عليه وسلم»، عبارة لابد أن تكتب بمداد من ذهب، وتعيها القلوب قبل العقول، والتي تعالج هذه الأفكار الدخيلة من المبالغة في المهور والأعراس، ويحدث هناك عزوف عن الزواج ولا يخفى عليكم ما يترتب على ذلك مثلما ذكرنا آنفا من آثار سلبية على المجتمع والفرد من مختلف النواحي الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والأمنية.