الهجرة النبوية مصدر عز ونصر وتمكين للأمة الإسلامية

إبراهيم الحسيني: علينا أن نقف مع أحداثها لنأخذ الدروس والعبر

أحداثها استلهام للتخطيط السليم والأخذ بالأسباب –
الأمـة علـيها أن تعـي الدرس وتعـود للتمسـك بكتـاب الله العزيــــز واتبـاع الهــدي النبــوي –
حـب الرســول الكريم لوطنه يعلمـنا حــب الأوطان والعمل على نهضـتـها ورقـيها –
استطلاع : سالم الحسيني –

أوضح الاستطلاع التالي أن الهجرة النبوية الشريفة تحمل معها دروساً وعبراً تضيء للمسلم الطريق وتنير له السبيل، وعلى الأمة أن تعي الدرس وتوقن أنها إن أرادت العزة والنصر والتمكين عليها أن تعود للمصدر الحق وهو التمسك بهدي كتاب الله تعالى واتباع الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، مؤكدين أن التوكل على الله مطلب ديني وواجب شرعي. وأن حب الرسول الكريم لوطنه وتعلقه بمسقط رأسه مكة المكرمة يعلمنا حب الأوطان والعمل على نهضتها ورقيها، كما أن الهجرة النبوية وأحداثها تعلمنا أهمية التخطيط والأخذ بالأسباب، وعلينا نحن المسلمين أن نستفتح عامنا بمحاسبة جادة صادقة، وتوبة نصوح، وأن المداومة على الأعمال الصالحة، وكثرة التقرب من الله بشتى أنواع القربات والطاعات لنسجل في صحائف عامنا هذا ما يسرنا في دنيانا وآخرتنا.

بداية يقول الشيخ محمد الكريمي راشد ـإمام وخطيب في جامع أبو بكر الصديق بالوطية-: إن الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة حدث عظيم في تاريخ الإسلام، به تحول المسلمون من القلة إلى الكثرة، ومن الضعف إلى القوة والتمكين والهجرة النبوية تحمل معها دروساً وعبراً تضيء للمسلم الطريق وتنير له السبيل ومن هذه الدروس أن الله عز وجل ناصر ٌرسوله والذين آمنوا معه مهما حاول الأعداء النيل منهم قال الله تعالى: «إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد» وهذا ما رأيناه في الهجرة حين نجّى الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- من أيدي المشركين. ومن ذلك التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب فقد أخذ رسول الله بالأسباب مع الثقة المطلقة واليقين الكامل بنصر الله فخرج عليه الصلاة والسلام خفية مع غير ذلك من تجهيز الراحلة وتوزيع الأدوار على المشاركين في هذه الرحلة المباركة والمكث في غار ثور بضعة أيام وغيرها من الأسباب ليعلمنا رسولنا الكريم أن الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله مطلب ديني وواجب شرعي. كما أن حب رسول الله لوطنه مكة وتعلقه بمسقط رأسه حين وقف على مشارف مكة وودعها بكلمات رقيقة وعبارات حانية وهذا يعلمنا حب الأوطان والعمل على نهضتها ورقيها.
وأشار إلى أن التخطيط السليم المتقن والإعداد الجيد لما تتطلبه الرحلة من مستلزمات، فلم يترك رسول الله مجالاً للصدفة أو التخمين وهذا يرشدنا إلى أهمية التخطيط في حياتنا بعيداً عن التخبط والعشوائية. وهناك الكثير والكثير من الدروس التي نتعلمها من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا استحضرناها في قلوبنا وأذهاننا وجعلناها نصب أعيننا كان لها أثر بالغ في حياتنا ومختلف أمورنا، لأن رسول الله قدوة لنا في جميع حركات حياتنا. أما عن واجبنا نحن اليوم لمواصلة المسيرة التي بدأها أسلافنا في التمسك بشرع الله فهو واجب مقدس وأمانة عظمى يجب على كل مسلم القيام به، وأعظم ما يجب علينا الالتزام به ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
وأضاف قائلا: بهذه الذكرى العطرة نوجه رسالة للمرشدين والدعاة أن يبذلوا قصارى جهدهم في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلينا جميعاً أن نأخذ بالأسباب وألا نركن إلى اليأس وأن نتحمل الصعاب كما فعل أسلافنا حتى يبلغنا ربنا غايتنا، وأخيراً أخلاقنا هي عنواننا فلنكن مسلمين بالأخلاق الحسنة والشيم الطيبة.
دروس وعبر

من جانبه تحدث إلينا إبراهيم بن مبارك الحسيني عن هذه الذكرى العطرة قائلا: مع مرور ذكرى انتهاء السنة الهجرية واستقبال سنة جديدة نتذكر الحادثة التي جاء فيها أن رجلا قام إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فترة خلافته وقال له: أرخوا، فقال عمر: ما أرخوا؟ قال الرجل: شيء تفعله الأعاجم، يكتبون: في شهر كذا من سنة كذا. فقال عمر: حسنا، أرخوا. وبدأوا بمناقشة السنة التي يبدؤون بها التاريخ فأقترح البدء بمولد النبي صلى الله عليه وسلم أو من مبعثه أو من وفاته ثم أجمعوا على الهجرة لتكون بداية لتاريخ هذه الأمة. ونقف في هذه الحادثة ليظهر لنا أولا أهمية الهجرة النبوية وكيف كان الصحابة يعدونها من أهم الأحداث التي مرت على هذه الأمة، لأن من هذه الحادثة بدأ يكون للأمة الإسلامية كيان مستقل وتكون لها دولة تحتضنها وتمكنها من تحقيق ذاتها وتطبيق مبادئها وما جاءت بها الشريعة التي تجاهد من أجلها، فكأن هذه الحادثة هي الميلاد الحقيقي لهذه الأمة لذلك ينبغي للمسلم أن يقف مع أحداثها لينظر فيها ويأخذ منها الدروس والعبر، خاصة وأن الأمة تعيش في أسوأ حالاتها من تفرّق وتشرذم أدى إلى الضعف والذلة والخضوع لأعداء هذا الدين حتى وصل الأمر إلى أن دمها صار أرخص الدماء، يقتل منها الأعداء لا يحصى وتقتل جماعة منها الجماعة الأخرى التي يربطها بهم دم ووطن واحد إضافة إلى انتمائهم لهذه الأمة، فعليها أن تراجع هذه الذكرى لتقف على أسباب عزتها وما يعيد إليها قوتها ويوقظها من سباتها.
وأضاف: علينا أن نقف مع قصة عمر رضى الله عنه الآنفة الذكر لترى كيف كان الرعيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم يرون أسباب عزة هذه الأمة ومصدر رفعتها ونصرتها، فنحن نرى أن المقترحات المقدمة لبدء تاريخ هذه الأمة كلها تدور حول حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند ربه فهو الذي أحيا هذه الأمة وجعلها أمة خير وصلاح وهداية تسلك طريق الرشد والاستقامة وعدم الخضوع لغير الله وانطلقت بعد ذلك في أصقاع الأرض لتقود بقية الأمم إلى هذا الطريق وتحررها من العبودية لغير الله وتنشر فيها الفضائل والأخلاق الرفيعة، فعلى الأمة أن تعي هذا الدرس وتوقن أنها إن أرادت العزة والنصر والتمكين فعليها أن تعود للمصدر الحق وهو التمسك بهدي كتاب الله تعالى واتباع الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم حيث يقول الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) وقد جاء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله).
وأوضح قائلا: علينا أيضا أننا نتذكر بمرور هذه الذكرى ما عاناه النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغنا هذا الدين العظيم قبل الهجرة وأثناءها بل وبعدها من بداية أن تعرض له عمه أبو لهب ومرورا باتهامه بأنواع الاتهامات ووضع الشوك في طريقه وسلا الجزور على ظهره ورميه بالحجارة وحصاره وقومه في شعب عامر ثم التآمر عليه لطرده أو حبسه أو قتله، يقول تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) وكذلك تضحية أصحابه رضوان الله عليهم لنصرته، فالوقوف عند هذه الذكرى وتأمل هذه الأحداث يجعل المسلم يدرك أن هذا الدين وصل إلينا بدماء سفكت وأرواح أزهقت وتضحيات جليلة قدمت من أموال وأهل وأنفس فكان لزاما علينا أن نتمسك به ونعض عليه بالنواجذ ونحميه ممن يحاول الانتقاص منه ونقف في وجه من يسعى لنقض عراه ويتآمر مع أعداء الأمة لهدم أركانه، فتأمل ما يقول الله تعالى عن محمد وأصحابه الذين أخرجوا من مكة المكرمة بغير حق: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
وأشار إلى أن الهجرة النبوية وأحداثها تعلمنا أهمية التخطيط والأخذ بالأسباب في مواجهة العدو فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتحين الفرصة المناسبة للهجرة وكتم أمر هجرته واستأجر دليلا للطريق وسلك طريقا غير الطريق المعتاد إلى المدينة وجعل هو وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه من يمحو آثار أقدامهما ومن يأتيهما بالأخبار فترة بقائهما في الغار، ومع أخذه بكل هذه الأسباب كدرس وتعليم وتوجيه لأمته فإنه كان موقنا بمعية الله واثقا من نصره متوكلا عليه في كل أمره، يقول سبحانه وتعالى عنه وصاحبه: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، وهذا هو المطلوب من الأمة أن تأخذ بالأسباب وتعد العدة وتعمل كل ما يمكن أن يرفع شأنه ويقوي شوكتها مع ضرورة أن يكون الإيمان راسخا أن النصر بيد الله، فالله تعالى يقول: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) ويقول منبها إلى أهمية الإيمان بأن النصر من الله: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). وعودة إلى القصة التي بدأنا بها فإن فيها دروسا مهمة لهذه الأمة وهو أن عمر رضي الله عنه ومن معه من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لم يرفضوا فكرة وضع عام يؤرخون به مع أن الرجل نسب فعله إلى العجم بل سأل الفكرة وحين رأى جدواها أخذ بها ولكن أطراه بما يتناسب وهذه الأمة وبما يحفظ لها كيانها واستقلاليتها فكان التاريخ مرتبطا بهذه الأمة ورمزا لسبب حياتها وسموها، وهكذا ينبغي للمسلمين اليوم أن ينتفعوا بما عند الأمم خير وما فيه صلاح ولكن دون تنازل عن مبادئهم ودون أن يذوبوا في شخصية عدوهم وانقياد تام لفكرهم وأخلاقهم دون تمحيص للخير من الشر.

محاسبة النفس

وأوضحت مروة بنت مرهون السيابية – مرشدة دينية – عن هذه المناسبة قائلة: سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ترسّخ حبه في القلوب، وسيرته الشريفة ملكت الألباب، فهو الرحمة المهداة والنعمة المسداة كنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله تعالى به: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ)، فمحبته صلى الله عليه وسلم فرض لازم؛ لأن الله تعالى قال: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، ولأنه يحبنا أوذي وضرب وعُذب واتهم بالسحر والكهانة والجنون، قتلوا أصحابه بل حاولوا قتله، وصبر على كل ذلك؛ كي يستنقذنا من العذاب، ويهدينا من الضلال، ويعتق رقابنا من النار، لا لننفعه في شيء بل لننفع أنفسنا، فأين حياؤنا منه؟! وحبنا له؟! بأي وجه سنلقاه؟! وبعد كل هذا البذل والتعب نهجر سنته ونقتدي بغيره!!، مبينة: أن الرسول الكريم مثال لأرقى الأخلاق الإنسانية، ولهذا لم تجد عائشة وصفًا أدق في التعبير عن خلقه فقالت: «كان خلقه القرآن» أي كان نموذجًا عمليًا لتطبيق تعاليم القرآن وأخلاقه، وكان صلى الله عليه وسلم أشجع وأحلم وأعدل وأعف وأسخى الناس جميعًا، وكان أزهد الناس، وأبسطهم في العيش، كان أسمح الناس وأسهلهم، كان يُنكر كل منكر ويأمر بالمعروف، كان ولا يزال خير قدوة للناس أجمعين.
وأضافت: إن هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم حدث لو تعلمون عظيم، وإن ذكراها تزيد من الشوق إلى النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم، لقد كان حدث الهجرة النبوية أمرًا فارقًا في تاريخ البشرية جمعاء، لذا جعله الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بداية التأريخ الإسلامي، ومستند الوقائع والأحداث. وها هي الأمة الإسلامية قد ودعت عامًا هجريًا مضى وتولى، ولم يبق منه إلا ذكرى ماضية، ودَّعنا عامنا كما يودع أحدنا يومه عند انقضائه، لا يراه طويلًا ما بين صباحه ومسائه، وعلينا والمسلمين جميعًا أن نستفتح عامنا بمحاسبة جادة صادقة، وتوبة نصوح من الزلات والسيئات، والمداومة على الأعمال الصالحة، وكثرة التقرب من الله بشتى أنواع القربات والطاعات؛ لنسجل في صحائف عامنا هذا ما يسرنا في دنيانا وآخرتنا.. (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).. مبينة: أن أحداث الهجرة النبوية تضمنت الكثير من الدروس والعبر، منها: التضحية والصبر وأيضا التوكل على الله والأخذ بالأسباب وهذا كله لم يأت بالتواكل إنما أعد خطة محكمة ثم قام بتنفيذها بكل سرية وإتقان، وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير، وإتقان العمل، واتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب. ومن تلك الدروس أيضا التحول الإيجابي نحو البناء والتعمير: فالهجرة النبوية لم تكن فقط انتقال من مكان إلى آخر بل كانت تجسيدا للسلوك التعبدي الإيماني الذي ينتقل فيه العبد السالك إلى الله من العادة إلى العبادة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن البعد عن الله إلى مرتبة القرب منه سبحانه، وتهدف الهجرة إلى هجران واقع الظلم والاستضعاف والتكذيب والتشتت والعزلة والقلة نحو واقع القوة والعدل والحرية والوحدة. فالهجرة تخلية للتفرغ لعملية التحلية والبناء، بهجران الكسل والخمول والباطل والفساد إلى الجد والاجتهاد والصلاح والإصلاح.
وأشارت إلى أن عظم دور المرأة في البناء والتعمير يتجلى من خلال الدور الذي قامت به السيدة عائشة وأختها أسماء – رضي الله عنهما – حيث كانتا نعم المعين والناصر في أمر الهجرة، فحفظتا السر، وجهزتا ما تحتاجه الرحلة تجهيزًا كاملًا، وهذا فيه درس للمرأة المسلمة بأن تبذل وسعها في سبيل نشر الخير وأن تكون معينة لزوجها ووالدها وإخوانها وأبنائها على الدعوة إلى الله. كما أن دور الشباب في نصرة الحق يتجلى بما قام به الشاب علي بن أبي طالب عندما نام في مضجع رسول الله عندما هم بالهجرة، فضرب أروع الأمثلة في الشجاعة والبطولة، وهذا فيه درس يبين لنا أن الشباب هم عماد الأمة، وإذا وجهوا وجهة صحيحة على نهج الكتاب والسنة، وعلى ما كان عليه السلف، ترفعوا عن سفاسف الأمور، وأصبحوا مشاعل هدى لأنفسهم وأهليهم ووطنهم، فما أحوجنا اليوم وواقع الأمة كما هو جلي لنا أن نسلك سلوك الهجرة الإيمانية؛ رغبة في إصلاح ما فسد وجبر ما انكسر. فمعاني ودروس الهجرة النبوية تشحذ همم كل داع ومرشد للمضي لتوجيه السلوك وإنارة الطريق والأخذ بأيدي الآخرين معًا للنجاة والفوز في الدنيا والآخرة.