رسـالة الســـلم والســلام

فوزي بن يونس بن حديد –
abuadam-ajim4135@hotmail.com –

«العلاقة الوطيدة بين مكة وعُمان جعلت من عُمان قبلة لكل من يحب السلام والأمن والأمان واستمر أثر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل عُمان إلى الآن يتنعم بآثارها العمانيون إلى اليوم، بل ويفتخرون بهذه الشهادة العظيمة من رسول كريم أرسله ربنا سبحانه وتعالى إلى العالم أجمع، وخص بهذه الدعوة الكريمة أهل عُمان لما رأى فيهم من لين الجانب والإنصات إضافة إلى احترام الرسول وتقديره وضيافته».
بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإرساء قواعد الدولة المدنية أراد النبي الكريم أن يرسي الأمن والسلام في كامل ربوع الأرض وهو النبي المرسل من ربه والمكلف بنشر الدعوة الإسلامية، حتى مع القوى الكبرى التي كانت مسيطرة على الحكم في فارس والحبشة وغيرهما من البلدان الأعجمية التي يحكمها حكام أقوياء لهم تاريخ طويل في الحكم المتوارث عبر الزمن كهرقل وكسرى والنجاشي، وباعتبار أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب حسب الروايات التي ذكرت ذلك، فإنه كان يستعين بالصحابة الكرام الذين لهم باع طويل في كتابة الرسائل واختيار الرسل الذين يرسلهم الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام إليهم.
ومن بين الأقطار التي اختارها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لكي يرسل إليها رسائل الدخول في الدين الجديد، عُمان ذلك البلد المترامي الأطراف، وعبر التاريخ كانت عُمان ولا تزال دولة من الطراز الرفيع ترفع شعار السلام والسلم والأمان لمن بادرها بالسلام ولا تبادر بالاعتداء لأنها تعتقد أن الاعتداء ظلم واستبداد لا يجوز ولا يمكن أن يحقق إلا الشقاق والخصام والنزاع، بينما تستقبل الدولة العمانية، الوفود من الخارج وتتعامل معها باحترام وتقدير دون فض أو رفض وتدرس بعناية كل رسالة تأتيها، وإذا رأت أن الأمر في صالحها فإنها لا تتأخر عن الاستجابة والتعاون مع الأطراف الأخرى بكافة تشكيلاتها وتوجهاتها.
وعندما قرر النبي صلى الله عليه وسلم تعيين رسول إلى عُمان، عمرو بن العاص الصحابي الداهية العربي الذي يعرف كيف يحاور الآخر، ويقنعه بالدين الجديد الذي جاء به سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد عليه الصلاة والسلام، وعندما نقرأ الرسالة بتعمق ندرك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتبنى سياسة الحوار مع حكام المناطق المجاورة دون تهديد أو وعيد، فمن كان له سبق الرد الإيجابي تفاعل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وتعامل معه بقدر ما جاء به الدين الحنيف وترك الحكم في يد أولئك الذين يحكمون البلاد ولا ينقص من حكمهم شيئا إلا بقدر ما أمر الله سبحانه وتعالى به.
فمن بين الرسائل التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم إلى عُمان الرسالة المشهورة إلى عبد وجيفر ابني الجلندى اللذين كانا يحكمان عُمان في تلك الفترة الذهبية من عمر الدولة الإسلامية، فقد بعث سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا – موفده عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد ابني الجلندي ملكى عُمان – في ذلك الحين – ليدعو العمانيين إلى الإسلام وكان ذلك حوالي عام 630 ميلادية، ومما جاء في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما. فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر مـن كان حيا ويحق القول على الكافرين وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تطأ ساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما».
فقد لبّى عبد وجيفر ابنا الجلندى الدعوة المحمدية ودخلا في الإسلام طواعية، ومال قلباهما إلى الدين الجديد، الذي جاء ليرسي العدل ويحارب الظلم، ويقضي على الفوارق البشرية التي لطالما كان الحكام الآخرون يرسون قواعدها دون خوف أو وجل أو احترام للإنسانية، لذلك كثر الاستعباد والتجارة بالبشر والإذلال والعبودية والرق، واستجاب العمانيون بعدها إلى حكم النبي صلى الله عليه وسلم لداعي الحق عن قناعة ورضا، وبعدها تم التواصل المباشر مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وكانت تشد إليه الرحال، ومن أبرز من سافر إليه الصحابي الجليل مازن بن غضوبة -رحمه الله- ونتيجة لاتصال بعض أهل عُمان المباشر بالرسول صلى الله عليه وسلم أفرادا وجماعات انتشر الإسلام في وطنهم انتشارا واسعا، وقد أثنى الرسول الكريم على أهل عُمان لأنهم آمنوا بدعوته مخلصين دون تردد أو خوف أو ضعف. كما دعا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لهم بالخير والبركة قائلا : رحم الله أهل الغبيراء آمنوا بي ولم يروني .
هذه العلاقة الوطيدة بين مكة وعُمان جعلت من عُمان قبلة لكل من يحب السلام والأمن والأمان واستمر أثر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل عُمان إلى الآن يتنعم بآثارها العمانيون إلى اليوم، بل ويفتخرون بهذه الشهادة العظيمة من رسول كريم أرسله ربنا سبحانه وتعالى إلى العالم أجمع، وخص بهذه الدعوة الكريمة أهل عُمان لما رأى فيهم من لين الجانب والإنصات إضافة إلى احترام الرسول وتقديره وضيافته ومن ثم استطاع العمانيون أن يأسروا لب عمرو بن العاص الذي خرج من عُمان وفي قلبه أريحية تامة مما رأى وسمع، وكانت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بمثابة التأشيرة الروحية للعبور إلى الآخرة، فقد منحت العمانيين مكانة مرموقة سجلها الكتاب النبوي والسيرة العطرة وتحدث عنها المؤرخون في أصقاع الأرض كافة.
وقد تمكن العمانيون بعدها من التمسك بالعقيدة الصافية للدين الحنيف لقربهم من النبوة العادلة وأسسوا حضارة وتاريخا مجيدا وامبراطورية عظمى كان لها أثر كبير في التوازن التاريخي للحضارة الإسلامية، وشغل العمانيون مناصب كبيرة جدا وعلى أعلى المستويات للتعبير عن قدرتهم على تحمل المسؤولية التاريخية التي ما فتئ الرسول صلى الله عليه وسلم يغرسها في أصحابه من كل بقاع الأرض، فقد غرسها في العربي والأعجمي والحبشي، فمنهم بلال الحبشي وسليمان الفارسي ومصعب بن عمير الرومي وغيرهم من الصحابة الكرام الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ومن أجل الآخر وهو مفهوم إسلامي بحت، له آثاره التاريخية على مدى أربعة عشر قرنا من الزمن.
وباعتبار أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم جاء رحمة للعالمين بنص الآية الكريمة ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) فإنه من خلال هذه الرسالة التاريخية التي جعلتها عُمان شعارا أساسيا في السياحة الدينية لهذا البلد استقطبت الوفود من كل أصقاع الأرض فما يكاد تزور المنطقة إلا وترى هذه الرسالة تشع نورا من خلال أخلاق العمانيين في كل زمن ومنذ زمن النبوة الكريمة، إنها الحضارة بعينها ومن خلال هذه الرسالة أظهر الرسول – صلى الله عليه وسلم – دراية وحكمة في سياسته الخارجية، وأصبحت مثالا لمن جاء بعده من الخلفاء، كما أظهر – صلى الله عليه وسلم – قوة وشجاعة فائقتين، فلو كان غير رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لخشي عاقبة ذلك الأمر، لاسيما وأن بعض هذه الرسائل قد أرسلت إلى دولة كبيرة وملكين قويين، ولكن حرص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعزيمته على إبلاغ دعوة الله، وإيمانه المطلق بتأييد الله سبحانه وتعالى له، كل ذلك دفعه لأن يقدم على ما أقدم عليه دون خوف أو وجل لأنه يعلم علم اليقين أن الله تبارك وتعالى لن يخذله عندما قال: (ولينصرن الله من ينصره).