الدروس المستفادة من الركود العظيم

روبرت سامويلسون- واشنطن بوست –
ترجــــمة: قاســم مكــــــي –

إن القيادة الاقتصادية عملية من خطوتين كل واحدة منهما صعبة التنفيذ. الخطوة الأولى تتمثل في صياغة مفهوم لطبيعة الأزمة، ثم بعد ذلك يجب وضع وتطبيق المعالجات التي تحول دون اشتداد الأزمة.
اللافت في موجات الاضطراب المالي الأخيرة والمتمثلة في التأرجحات المنفلتة للأسعار في أسواق الأسهم والسندات العالمية أنها تذكير لنا بالأخطار المحتملة لعدم الاستقرار الاقتصادي. فهناك نظائر وتماثلات بين الوضع المضطرب الحالي وبين الاختلالات الاقتصادية التي حدثت في الماضي بما في ذلك الركود العظيم في أعوام الثلاثينات. (حسب قاموس أكسفورد، الركود أو الكساد العظيم هو الفترة التي شهدت اعتلالا اقتصاديا حادا في معظم بلدان العالم ابتداء من عام 1929 وحتى نشوب الحرب العالمية الثانية. بدأ الانهيار في الولايات المتحدة عندما هبط مؤشر بورصة نيويورك للأوراق المالية في 29 أكتوبر 1929 والمعروف بيوم الثلاثاء الأسود. انهارت في هذه الفترة عدة شركات وبنوك كما فقد الملايين وظائفهم- المترجم).
ابتداء أحب أن أنوه بأن هذا القول لا ينطوي على تنبؤ بحلول ركود آخر مثل الركود العظيم الذي بلغت فيه نسبة البطالة بالولايات المتحدة 25% عام 1933. نحن في الوقت الحاضر لسنا بأي حال قريبين من ذلك المستوى من الشقاء. لكن إذا حدث أن اندلعت أزمة حادة فستكون السياسات (القومية) الاقتصادية الصارخة التي ينتهجها ترامب مسؤولة جزئيا عن مثل هذه الأزمة لأنه تجاهل دروس التاريخ.
الاسم الذي يخطر في البال في هذا الصدد هو تشارلز كيندلبيرجر، المؤرخ الاقتصادي المرموق لحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية والذي مارس التدريس لعدة سنوات بمعهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا. لدى كينلدبيرجر عدد وافر من الكتب والمقالات من بينها الكتاب النفيس « العالم في ركود 1929-1939».
أهم نقطة في أطروحة كيندلبيرجر هي أن السبب الأساسي للركود هو «فراغ القيادة». كان يعني بهذا أن بريطانيا التي قدمت نفسها لقيادة العالم في القرن التاسع عشر أضعفتها الحرب العالمية الأولى إلى حد أنها لم يعد بمقدورها أداء تلك الوظيفة في أعوام العشرينات وأوائل الثلاثينات. ولم تكن الولايات المتحدة مستعدة للحلول محلها وتولي القيادة وهي التي ستشغل ذلك الدور بعد الحرب العالمية الثانية.
في هذا السياق (سياق قيادة العالم) يحرص البلد المهيمن على إبقاء أسواقه مفتوحة للواردات كي لا ينهار النظام التجاري تحت وطأة الحمائية المتصاعدة. كما يلزم أيضا أن تكون لدى البلد المهيمن القوة الاقتصادية الضرورية كي يكون بإمكانه إقراض البنوك والمقترضين الآخرين الذين تمس حاجتهم إلى المال في أثناء وقوع أزمة ما حتى لا يدمر النظام المالي(مستودع الثروة) نفسه.
في تقديم جديد لأحدث طبعة لكتاب كيندلبيرجر (العالم في ركود) وصف الاقتصاديان برادفورد ديلونغ وبيري آيكينجرين من جامعة «كاليفورنيا في بيركلي» المسألة على النحو التالي:
«كان جذر مشاكل أوروبا والعالم يتمثل في غياب الدولة المهيمنة الخيرة. أي قوة اقتصادية مسيطرة لديها القدرة والرغبة في وضع حساب لمصالح القوى الصغرى وإدارة نظام عالمي أكبر (وليس فقط نظامها الوطني- المترجم) وذلك عن طريق تثبيت تدفق الإنفاق المالي في أرجاء (الاقتصاد) الدولي…. وأداء دور مقرض ومستهلك الملاذ الأخير».
تفسير كيندلبيرجر مشابه لذلك، فهو يذكر أن « ركود العام 1929 كان واسعا وعميقا لأن النظام الاقتصادي العالمي فقد استقراره. فحين اتجه كل بلد لحماية مصلحته الوطنية الخاصة به ضاعت المصلحة العامة (المشتركة) للعالم وضاعت معها المصالح الوطنية الخاصة لكل البلدان. أما إذا عدنا إلى وقتنا الراهن ونظرنا حولنا سنجد أن أوضح شيء في قيادة العالم هو «غيابها». فالبلدان تسعى وراء مصالحها الخاصة التي تحددها هي بنفسها. والولايات المتحدة والصين وهما أكبر اقتصاديين في العالم منخرطتان في حرب تجارية مريرة تؤذيهما كليهما. كما يستعد البريطانيون لمغادرة الاتحاد الأوروبي (سياسة البريكست) مع ما يترتب على ذلك من نتائج لا يعلمها أحد.
وفي داخل الولايات المتحدة يتعرض بنك الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) إلى هجوم لا هوادة فيه من ترامب مما يضاعف من صعوبة أدائه لمهمته حتى مع التسليم بأن أفضل سياسة نقدية ل اينبغي ان تكون بمنأى عن الجدل واختلاف الآراء.
وماذا بشأن ألمانيا، القوة الاقتصادية الكبرى لأوروبا؟ في العام الماضي هبط إنتاجها الصناعي بحوالي 5%، حسبما يقول الاقتصادي ديزموند لاكمان بمعهد أميركان انتربرايز. ويرى أنه في حال لم تغير ألمانيا «سياستها المتصلبة بشأن الحاجة لضبط موازنتها (وموازنة الاتحاد الأوروبي) في كل الظروف سيكون على ألمانيا وأوروبا كلتيهما الاستعداد «لهبوط اقتصادي خشن».
إن القيادة الاقتصادية عملية من خطوتين كل واحدة منهما صعبة التنفيذ. الخطوة الأولى تتمثل في صياغة مفهوم لطبيعة الأزمة، ثم بعد ذلك يجب وضع وتطبيق المعالجات التي تحول دون اشتداد الأزمة.
ذلك ما كان قد حدث إبان الأزمة المالية في الفترة بين عام 2007 وعام 2009. فقد أدركت إدارتا جورج دبليو بوش وباراك أوباما أن النظام المالي قد ينهار مع سحب المودعين والمستثمرين المذعورين لأموالهم (من البنوك). وكان العلاج الذي تم ترتيبه على نطاق عالمي يتمثل في ضخ المال في النظام المصرفي حتى تعود إليه الثقة مجددا.
لكن يبدو أن مسؤولي إدارة ترامب لا يعتقدون بأهمية آراء كيندلبيرجر. وقد يتضح أن سعيهم وراء العظمة ( أي جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) ليس أكثر من تدمير للذات.
الخبر السار أن النظام المالي أقوى الآن وهذا يعني أن لديه رأسمال أكبر لامتصاص الخسائر مقارنة بما كان متوافرا له من أموال في عام 2008. أما الخبر المحزن فهو ارتفاع مستويات مديونية القطاع الخاص في بلدان عديدة بما في ذلك الولايات المتحدة والصين. وإذا تعثر عدد كبير جدا من المقترضين في سداد القروض قد تمنع الخسائر النظام المالي من أداء دوره.
هنالك كليشيه قديم وهو أن من لا يتذكرون التاريخ محكوم عليهم بتكراره. دعونا نأمل بألا يكون ذلك صحيحا هذه المرة.