الحرب التجارية ودورها في الكساد الاقتصادي

د. عبدالقادر ورسمه –
Email: AWARSAMA@WARSAMALC.COM –

أمريكا ومع بداية عهد ترامب، انتهجت ما يعرف بسياسة «الحمائية»، أي الحماية الأمريكية لأمريكا. وعبر هذه السياسة، يتم التركيز المفرط على المصالح الأمريكية الاقتصادية وغيرها، حتى مع أقرب الحلفاء والجيران. وبدأت مع كندا والمكسيك ثم تراجعت. وبسبب هذه التوجهات الذاتية، فرضت أمريكا الضرائب على معظم المنتجات الواردة لها حتى ترتفع أسعارها وبالتالي لا يتناولها المستهلك الأمريكي. من هذا مثلا، النقاش الحاد جدا هذه الأيام بين ترامب والرئيس الفرنسي عن المشروبات الكحولية الفرنسية والرسوم الأمريكية التي فرضت عليها وسط الدهشة الفرنسية ومن الأمريكان أنفسهم لحبهم القديم لهذه المشروبات المعتقة ذائعة الصيت.
ولم يسلم بلد من رسوم ترامب الحمائية التي تتأتي بغتة عبر اليوتيوب، ولكن الوضع مع الصين أخذ اتجاها متصاعدا من الجانبين ومتجاوز مليارات الدولارات من الضرائب المتبادلة، وهذا الوضع المتأزم، شكل «حربا تجارية» شعواء بين العملاقين التجاريين. وفي كل يوم تصدر أمريكا ضرائب على المنتجات الصينية، ونجد في اليوم التالي قرارا صينيا لا يخلو من الانتقام والتفشي مما يحرم البضائع الأمريكية من أكبر سوق مستهلك في العالم. وهكذا يستمر الموقف متأزما ومنذرا، حتى وصل للدرجة التي أمر فيها ترامب الشركات الأمريكية بمغادرة الصين، وفي هذا ضرر كبير للاقتصاد الأمريكي نفسه وللشركات الأمريكية التي أقامت مصانع عملاقة في الصين للاستفادة من انخفاض سعر العمالة وغيرها.
ومن مخاطر هذه الحرب الدائرة الآن أن ترامب يتهم الصين، جهارا نهارا، باتباع ممارسات تجارية غير عادلة غير سليمة وسرقة حقوق الملكية الفكرية لبعض المنتجات التقنية الأمريكية المتطورة. وهذه اتهامات خطيرة لبلد كبير وآثارها عميقة لشعب يفوق المليارات من البشر يعمل ليل نهار دون توقف. وفي المقابل تضرب الصين على «وتر» أن أمريكا المنغمسة في الرأسمالية الجشعة، تعمل كل هذه الادعاءات لكبح ثورتها التجارية ونموها الاقتصادي المتصاعد دون توقف.
وبتدخل عدة دول وعدة جهات أممية، تظل المفاوضات بين الجانبين جارية لكنها لا تزال متقلبة ومتصارعة. وتزداد شقة الخلاف بينهما بشأن قضايا فنية عديدة، من بينها كيفية التراجع عن التعريفات الجديدة والتوصل إلى اتفاق بشأنها، ومما يفاقم الأمور انعدام الثقة بين الجانبين بسبب المرارات التي تعرضوا لها.
النزاع الصيني الأمريكي الذي وصل لمرحلة الحرب التجارية بين البلدين الكبيرين، له انعكاسات سلبية حادة على التجارة العالمية وبصورة مباشرة. واتضح من البيانات والإحصائيات مدى الأثر السلبي لهذا النزاع على الاقتصاد العالمي والأضرار بالأعمال التجارية في جميع أنحاء العالم. ومن المخاطر الواضحة، أن هذا الوضع المتأزم بين العملاقين التجاريين سيقود إلى ظهور كساد تجاري عالمي وذلك نظرا لأن التجارة العالمية مربوطة ببعضها البعض. وإذا تعطلت أو تدهورت التجارة بين أكبر العمالقة التجاريين فإن بقية العالم سيتضرر وينكمش وهذا قطعا سيأتي بالكساد والخسران المبين ويتضرر الصغار ومن يدور معهم.
نظرا لأن التجارة العالمية مرتبطة تماما مع بعضها البعض تم إنشاء «منظمة التجارة العالمية» لرعاية كل الأمور المتعلقة بالتجارة العالمية ورعايتها وتنميتها وزيادتها، بين كل أطراف ودول العالم. ولقد قامت هذه المنظمة العالمية بإصدار أحدث القوانين والأنظمة الخاصة بتقنين وتنظم المسائل المرتبطة بالتجارة العالمية حتى تستمر الأمور التجارية لمصلحة الجميع وبرغبة ودعم الجميع. ومن أهم قوانين منظمة التجارة العالمية العمل على فتح كل الحدود للتجارة وعدم التمييز لأي جهة أو فئة، والعمل على وقف المنافسة التجارية غير الشريفة التي يجب أن يعمل الجميع لتثبيت أركانها. وظلت منظمة التجارة الدولية تعمل في كل الاتجاهات لتأصيل مبادئ التجارة الشريفة في كل أركان العالم، إضافة لمنع الممارسات التجارية غير السليمة كالحروب التجارية وكل ما يقود إليها.
ولكن، نجد أمريكا والصين يمارسان ما يرغبان فيه دون الرجوع لمنظمة التجارة العالمية أو انتظار توجيهاتها، ودون الرجوع للقوانين والأنظمة القانونية الحديثة التي أصدرتها منظمة التجارة، بل إنهما يحتربان دون التفكير في آثر ما يقومان به على التجارة العالمية وعلى الدول الصغيرة الفقيرة.. ولهذا نجد عدم قبول عالمي بما يحدث، بل هناك صدمة عالمية من هذه التصرفات غير القانونية غير المهنية غير المقبولة. وبسبب هذه الصدمة وغيرها أصبح الوضع العالمي مهيأ لحدوث كساد كبير في الاقتصاد العالمي، وهذا الطوفان القادم، سيؤثر على كل فرد في العالم في أي مكان كان وتحت أي سقف كان. والسؤال، أين العالم وأين منظمة التجارة الدولية وأين عقلاء العالم؟.