توقعات أكثر عقلانية

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

من غير المستحب أن يقتنص الكاتب فرصة ، أي فرصة ، لكي يقول لقرائه : ها ! ، لقد أثبتت الأحداث صحة ما ذهبت إليه أو توقعته أو قلته ، فمثل تلك الأساليب تنطوى على تعظيم مرفوض للذات كما أنها تشي من باب خفي بأن الكاتب من أولئك الذين لا يخطئون ولا تخيب آراؤهم أو توقعاتهم. بيد أني سألجأ إلى هذا المكروه توا، فقد قلت الخميس الماضي ( مقال مخاوف اقتصادية ) ، إن انعكاس معدلات العائد على السندات الأمريكية ليس بالضرورة مقدمة لركود مقبل. وقد حدث أن تغيرا بالفعل الحديث عن الركود العالمي المخيف المقبل بشكل سريع على الرغم من أن العوامل التي قد تؤدي إلى التباطؤ الاقتصادي – ولا أقول الركود – لا تزال قائمة ومنها العامل نفسه الذي اعترضت على اعتباره دليلا على مقدم الركود ألا وهو انعكاس معدل العائد على السندات
الأمريكية. أحدث ما ظهر هو آراء خبراء تقول إن انعكاس منحنى العائد للسندات الأمريكية لا يعني أن ركودا سيحدث ولا يعد دليلا على قدومه مع أن نفس الخبراء قالوا منذ أيام إن انعكاس العائد تزامل مع ركود في كل مرة حدث فيها منذ أكثر من نصف قرن ما عدا مرة واحدة. تغيير الرأي سببه – من وجهة نظرهم – أنه تبين لهم أن السندات كانت قبل ذلك أداة مفضلة للباحثين عن عوائد عالية أما الآن فهي استثمار ملاذي أي للنجاة من مخاطر أخرى وبالتالي فإن الانعكاس ( أي ارتفاع معدل العائد على السندات القصيرة عن الطويلة ) لا يعني أن الركود مقبل.
ولقد قلت أيضا في الأسبوع الماضي إن انعكاس العائد هو أزمة « وول ستريت» العالمية قبل أن يؤشر على الوضع الاقتصادي العالمي، وأشرت إلى أن « وول ستريت» تنجح في كثير من الأحيان في فرض أجندتها ومخاوفها هي على الجميع وبمعنى آخر تنجح في جعل الركود بمثابة النبوءة إلى تحقق ذاتها من كثرة الحديث عنه والتحذير منه وإثارة الهلع بشأنه ، لكن يبدو أن لعبتها التقليدية أصبحت مكشوفة إلى حد بعيد ولذا لم تنجح هذه المرة ولهذا تغير «التون». لقد أفلت العالم من المصيدة أو بات يعرف أن هناك فرقا بين أن تعاني « وول ستريت» وأن يعاني الاقتصاد
الحقيقي وبالطبع فإن مشاكل التمويل والاستثمار المالي غير منفصلة عن الاقتصاد الحقيقي . تنبه قسم من الرأي العام بل وتنبه أصحاب الشأن إلى أنه يجب الحذر على الأقل من السير في طريق آلام « وول ستريت» الراهنة ، وان من الضروري إجراء مزيد من التحليل المعمق لطبيعة المخاطر الاقتصادية العالمية قبل الحكم على موعد ومستوى « الركود المحدق» وكيفية التعامل معه.
ويحاول الجميع الآن إيجاد أرضية صلبة أو واقعية لإدراك الدوافع إلى ذلك الركود أو التباطؤ الاقتصادي الذي سيحل حتما أو هو قد بدأ الحلول ودور كل عامل من العوامل المعروفة في صنعه مثل الحرب التجارية والبريكست وتراجع التصنيع وتفاقم والديون العالمية وانكماش الطلب… إلخ. من أجل ذلك قد يحسن أن أعرض على القراء خلاصة مقال « تشريح الركود القادم» للكاتب الأمريكي المخضرم « نورييل روبيني» وهو أستاذ في كلية « ستيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك والرئيس التنفيذي لشركة روبيني ماكرو أسوشيتس ، وكان كبير خبراء الشؤون الدولية في مجلس المستشارين الاقتصاديين بالبيت الأبيض أثناء إدارة كلينتون وعمل في صندوق النقد الدولي ، والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ، والبنك الدولي.
يقول إنه على عكس الأزمة المالية العالمية في عام 2008 ، التي كانت في معظمها صدمة كبيرة في إجمالي الطلب السلبي ، من المحتمل أن يكون سبب الركود القادم هو صدمات العرض السلبية الناتجة عن حرب التجارة والتكنولوجيا الصينية الأمريكية ، ويضيف أن محاولة التصدي للضرر من خلال التحفيز النقدي والمالي الذي لا ينتهي لن يكون خيارًا مقبولا.
وأعلن الكاتب أن هناك ثلاث صدمات سلبية في الإمدادات قد تؤدي إلى ركود عالمي بحلول عام 2020. وتعكس جميعها عوامل سياسية تؤثر على العلاقات الدولية ، اثنتان منها تشمل الصين ، والولايات المتحدة علاوة على ذلك ، فإن أيا من المؤثرات غير قابل للعلاج بالأدوات التقليدية في سياسة الاقتصاد الكلي . وتنبع أول صدمة محتملة من حرب التجارة والعملات الصينية الأمريكية ، التي تصاعدت في وقت سابق من هذا الشهر. والثاني يتعلق بالحرب الباردة البطيئة التخمير بين الولايات المتحدة والصين بشأن التكنولوجيا أي من أجل الهيمنة على صناعات المستقبل: الذكاء الاصطناعي والروبوتات وجي فايف وما إلى ذلك.
الخطر الرئيسي الثالث يتعلق بإمدادات النفط، إذ على الرغم من أن أسعار النفط انخفضت في الأسابيع الأخيرة، وأن الركود الناجم عن حرب التجارة والعملة والحرب التكنولوجية من شأنه أن يخفض الطلب على الطاقة ويخفض الأسعار إلا إذا انقلب التوتر مع إيران إلى نزاع عسكري.
كل هذه الصدمات المحتملة الثلاث سيكون لها تأثير تضخمي، حيث تزيد أسعار السلع الاستهلاكية المستوردة، والمدخلات الوسيطة، والمكونات التكنولوجية، والطاقة، مع تقليل الإنتاج عن طريق تعطيل سلاسل التوريد العالمية. والأسوأ من ذلك ، أن الصراع الصيني الأمريكي يؤجج بالفعل عملية أوسع نطاقا لتقليص العولمة؛ لأن البلدان والشركات لم تعد قادرة على الاعتماد على الاستقرار طويل الأجل لسلاسل القيمة المتكاملة نظرًا لأن التجارة في السلع والخدمات ورأس المال والعمالة والمعلومات والبيانات والتكنولوجيا أصبحت متقلبة بشكل متزايد ، ولذا سترتفع تكاليف الإنتاج العالمية في جميع الصناعات.
بمرور الوقت ، تميل صدمات العرض السلبية أيضًا إلى أن تصبح صدمات سلبية في الطلب تقلل من كل من النمو والتضخم ، من خلال خفض الاستهلاك والنفقات الرأسمالية. في الواقع ، في ظل الظروف الحالية ، فإن الإنفاق الرأسمالي للشركات الأمريكية والعالمية يعاني من الاكتئاب الشديد
بعد كل شيء ، فإن الصدمات السلبية للإمدادات من حرب التجارة والتكنولوجيا ستكون دائمة إلى حد ما ، وكذلك تخفيض النمو المحتمل. كما أن ترك الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى صدمة للمملكة المتحدة ، وبالتالي انخفاض النمو المحتمل بشكل دائم. وينتهى إلى التأكيد على انه في هذه المرة ، سيواجه العالم صدمات سلبية مستمرة في العرض تتطلب نوعًا مختلفًا جدًا من استجابة الساسة.
بغض النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع الكاتب إلا أننا إزاء تحليل لأكثر العناصر تأثيرا على الاقتصاد الحقيقي وهذا ما يجب أن يكون عليه حال النقاش طوال الوقت لتتراجع « وول ستريت» إلى الخلفية التي يجب أن تكون فيها ، ولابد أن نلاحظ إشارته الجديدة إلى أن الأزمات قبل ذلك كانت مرحلية ويتم التصدي لها بأدوات نقدية ومالية أما أزمة الزمن الحالي فإنها ستمتد وتطول وبالتالي تحتاج إلى أدوات وسياسات مختلفة. إن قيام ترامب بتغيير رأيه مرتين في اليوم مع الصين – أو غيرها – تصعيدا أو تهدئة يعكس أمرا مهما للغاية ألا وهو انه لا يوجد أحد قادر على فرض إرادته بالكامل وبالتالي لابد من حوار متوازن وتوزيع عادل للمنافع بيد أن المعضلة الكبرى التي يواجهها العالم بالفعل أن ترامب يسعى طوال الوقت وبإصرار لا يلين إلى تحطيم هياكل الحوار التعددي العالمي ومعنى ذلك أن التفاهمات ستكون ثنائية ولا ترتكز إلى قواعد عامة أي أنه سيكون على كل بلد أن يتخذ من القرارات الحمائية أو غير الحمائية ما يريد أو يستطيع وفي النهاية قد يحصل على – أو لا يحصل – صفقة رائعة بالتفاوض الثنائي أو المستتر …فإلى أين يقودنا ذلك الطريق؟