وتر: أحبك لو تكون حاضرا

شريفة بنت عـــلي التــوبية –

من يقول إن الغياب سبب من أسباب المحبة فهو كاذب، فلم يكن الغياب يوما سوى سببا من أسباب النسيان إلا في حالات مستثناة، ولا أصدّق المثل الذي يقول: (إذا بغيت يحبوك تغرّب ولا موت)، فالغربة والموت لا يقترنان بالحب، إنه التعلّق بالذكرى، فالشعور الذي تشعر به تجاه الغائب ليس سوى الصورة المتخيّلة التي ترسمها لمن تحب حينما يخذلك الواقع في غيابه، فتبقى صورته جميلة نقية بلا تشوّه، مثالية بلا نقائص، فأنت لا تحب الشخص في حقيقته الكاملة بل تحب الصورة التي رسمتها له، فتراه في البعد أجمل، وتظل وفيًا لتلك الصورة المعلّقة في جدار قلبك له والمؤطرة بإطار الشوق، لكن لا يمكن أن يكون البعد مقياسًا لصدق العاطفة أو مدى عمقها، فلن تستطيع أن تدرك صدق محبّتك للشخص وصدق عاطفة الآخر إلا وأنت بالقرب منه، وملتصق به، حتى تكاد نرى الندوب الغائرة في روحه والتي قد لا يراها غيرك، ورغم ذلك لا تتغير مشاعرك تجاهه.
لذلك يبقى الزواج مختبرًا لصدق العاطفة، فحكاية ما قبل الزواج لا تشبه الحكاية بعده، لأنك ستكتشف بعد ذلك أن تلك العاطفة التي خلقت منك شاعرا يوما ما وذلك الحنين الذي جعل منك عاشقا مشتاقا، والليالي التي قضيتها ساهرا تعاني أرق الشوق في انتظار لحظة اللقاء، ليس سوى قليلا من حب وكثيرا من وهم، فأنت في تلك اللحظات لم تقف على أعتاب الحقيقة، وكل ما سبق لم يكن أكثر من رغبة في الحصول على ما ليس في يدك، وفقًا للطبيعة الإنسانية التي تتعلق بما يصعب عليها الوصول إليه، ولكن الحقيقة تكشف عن وجهها حينما تعيش مع من أحببت تحت سقف واحد، فتتأكد من صدق عاطفتك مع أول عقبة تجتازانها في طريق الحياة معًا، ومع أول اختلاف بينكما، ربما ستخذلك التوقعات ويصدمك الواقع وتتأكد أن الحب الحاضر كحقيقة لا يشبه الحب الغائب ولا ما قاله الشعراء في قصائدهم، وما ذلك سوى حكاية تتخيل أن تكون بطلها، ولكن البطولة أن تكون حاضرا، فلست مضطرًا لأن تغيب أو تموت لتعرف مقدار محبتك في قلوبهم، فمن يحبك، سيحبك حاضرا وغائبا، حيا وميتا، نقيا ومشوها، والحب الصادق تثبته الأيام والعشرة الطيبة الحنونة، وما غير ذلك تعرّيه المواقف ويذهب هباء، لذلك أكتفي بالمقطع الأول من أغنية طلال مداح (أحبك لو تكون حاضرا) والتي كتب كلماتها لطيفي الزيني لتكون عنوان مقالي لهذا اليوم.

جريدة عمان

مجانى
عرض