حرائق الغابات والدبلوماسية الجديدة

تشكل مشكلة حرائق الغابات التي يتحدث عنها العالم اليوم، قضية حيوية وذات تأثير مباشر على مناخ الأرض، بل مستقبل الإنسان على الكوكب، إذ إن هذه المساحات الخضراء الشاسعة التي تعرف بـ «رئة الأرض» بضخها الأوكسجين، تعمل على إحداث نوع من التوازن البيئي المطلوب، الذي قامت عليه الطبيعة منذ بواكير التاريخ.
وما يحصل الآن من حرائق متفرقة من بلدان متباعدة، وأوضحها حريق غابات الأمازون بأمريكا الجنوبية، يشكل معضلة كبرى، لاسيما في ظل عدم اتضاح الأسباب الأساسية لذلك، وعدم القدرة على ملاحقة هذا الخطر الكبير والمتصاعد، في هذه المساحات الشاسعة التي تقدر بحوالي 5.5 مليون كيلومتر مربع، تشكل مصدة طبيعية لمواجهة الاحتباس الحراري القوي الذي ينتج عن آثار الصناعات والتلوث في البيئة وارتفاع كميات الغازات السامة.
على مدار التاريخ البشري فقد عمل الإنسان على تغيير الكثير من منظومات الطبيعة والطريقة التي تتفاعل بها مكونات كوكب الأرض، ففي فترات مبكرة عمل الإنسان على إزالة الغابات لكي يزرع الحبوب في مواقعها أو يبني المساكن أو يستخدم أخشاب الأشجار في صناعة الأثاث وغيرها من الأسباب.
ومع قيام الثورة الصناعية في أوروبا ثم انتشارها في كل العالم فقد رأينا كيف أن هذا الخطر المحدق بالغابات صار يتوسع، ويأخذ معطيات غير مسبوقة لاسيما في ظل ارتفاع مشكلة المناخ وعدم قدرة المجتمع الدولي على إدارة علاقات متوازنة في هذا الإطار تخدم مستقبل الكوكب.
ومعلوم أن أي أثر بيئي على مكان معين من الأرض، حتى لو بدا هذا المكان أو الموقع بعيداً فهو يؤثر على المناطق الأخرى، لهذا فمثل هذه المخاطر تعبر عن أزمة إنسانية تهم الجميع، وليست أزمات عابرة، فهي ليست مثل الحروب التي تكون في مواقع لعينها أو بعض التأثيرات الطبيعية والكوارث التي تقع في أمكنة محددة، فالنظام البيئي في كوكب الأرض متصل وتؤثر عناصره في بعضها البعض بشكل تفاعلي دقيق، ما يعني أن العمل الدولي وتكاتف الجهود ضرورة لابد منها في هذا المجال.
كذلك يجب الوعي بأن عالم اليوم تتقاطع فيه المجالات، فلا يمكن الحديث عن المشاكل الاقتصادية أو الاجتماعية أو البيئية بمعزل عن بعضها، فهي تؤثر بطريقة أو أخرى بشكل متداخل، وهنا يمكن القول بشكل صريح بأن السياسات الاقتصادية وقبلها السياسية لها أثر جلي في هذا المنظور، إذ إنها تدخل في صميم الخلل الموجود في إدارة قضايا المناخ.
فعلي سبيل المثال فإن بعض السياسات التنموية الخاطئة قد تؤثر في مسائل كحرائق الغابات المختلف في المسببات الرئيسية لها، وهنا مثلاً يتحدث مسؤولون عن أن إزالة الغابات والحرائق قد يكون لها أسباب متعلقة بتقاعس المنظمات الحكومية في القيام بأدوارها، وربما تتباعد الأسباب وتقترب من ذلك، لكن تظل هناك قضية تؤثر على المجتمع الإنساني وتتطلب من الجميع العمل على حلها بأسرع ما يمكن عبر الدبلوماسية الجديدة التي تعني بمناظير البيئة وصناعة السلام عبر التكامل الاقتصادي وحل القضايا العميقة كقضية المناخ.