الاتفاق السوداني.. بين الآمال الكبيرة والمخاطر الجسيمة

صلاح أبو نار –

الخلاصة أن المجلس الموزع مناصفة بين المدنيين والعسكريين، معزول قانونيا عن الأمور المدنية، وسلطته الحقيقية مركزة في الإقرار الدستوري بسيطرته على قوة الدولة المادية: مؤسستي الأمن والدفاع.
في الرابع من أغسطس الجاري شهدت السودان التوقيع بالأحرف الأولى، على ما دعي رسميا «مشروع الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019»، وفي السابع عشر من أغسطس اتجهت أنظار العالم صوب الخرطوم لترصد وقائع التوقيع النهائي، في حضور دولي وإقليمي مرموق. وبتوقيع الاتفاق يكون الحراك السياسي السوداني الواسع والجذري، الذي انطلق في 19 ديسمبر 2018 متواصلا على امتداد الشهور التالية، قد سجل نهاية مرحلة يمكن دعوتها توسيع حدود النظام القديم، مطلقا لمرحلة الانتقال الى نظام آخر جديد. وهنا تجد قوى الحراك السوداني نفسها في مواجهة مزيج متداخل من الآمال الكبيرة والمخاطر الجسيمة.
انطلق الحراك الشعبي السوداني في التاسع عشر من ديسمبر 2018، في أعقاب سلسلة من الاجراءات الاقتصادية التقشفية، رافقها ارتفاع حاد في الأسعار وندرة المعروض من الخبز والوقود والدواء. ولكن ما حدث في ديسمبر كان مجرد المثير اللحظي للأزمة، التي سنجد عواملها ومقدماتها الأعمق في السنوات السابقة. تشكلت تلك المقدمات في إطار عدة سياقات. انفصال جنوب السودان عن شماله ومعه موارد النفط المالية، والتطور المتسارع لأزمة دارفور ومعها العزلة الدولية للنظام السوداني وتورط السلطة في تحالفات داخلية انتقصت بعمق من قدراتها الإدارية وشرعيتها السياسية. والإخفاق السياسي الذي مني به التحالف العسكري – الأصولي الحاكم، والذي حمل معه الكثير من سوء الإدارة والفساد والسياسي والتناقضات الداخلية. وتصاعد التناقضات والصراعات داخل النخب الحاكمة، ومعها أضعاف شبكات الولاء والهيمنة السياسية العامة .
وفيما بين 19 ديسمبر و17 أغسطس مر الحراك السوداني بعدة مراحل. مرحلة أولى شهدت انتشار وتصاعد الاحتجاج المدني، وتشكيل تحالف الحرية والتغيير واعتماد الإعلان السياسي للتحالف في أول يناير. ثم قرار التحالف في السادس من أبريل الاعتصام في الميدان المواجه لقيادة الجيش، الذي تلاه قرار القيادة العامة في 11 أبريل عزل البشير وتكوين المجلس العسكري الانتقالي برئاسة الفريق عوض بن عوف الئائب الأول للبشير، ثم قرار استقالة بن عوف في 12 أبريل بفعل الرفض العام لوجوده على رأس المجلس. وقاد عزل البشير الى مرحلة ثانية اتسمت بعدة سمات. تجذر الحراك العام ووصوله الى مرحلة العصيان المدني العام في 14 يونيو. وانطلاق المفاوضات بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير عبر عملية مزجت بين التقدم الجذري والتراجع والتجميد. واتباع المجلس لتكتيك يمزج بين التفاوض المصحوب بتقديم تنازلات، واستخدام العنف السياسي الواسع للحصول على تنازلات من قوى الحراك، ومحاولة إيجاد بدائل تفاوضية مدنية موالية سياسيا وقادرة على مزاحمة تحالف الحرية داخل المسار التفاوضي. وتصاعد الدور الخارجي في توجيه مسار الأزمة، عبر مزيج من الضغط السياسي والوساطة السياسية. الضغط القادم من قوى إقليمية في اتجاه تصليب موقف المجلس العسكري في مواجهة المطالب الشعبية، والضغط القادم من قوى دولية وإفريقية في اتجاه التخفيف من تشدد موقف المجلس، والوساطة القادمة من إثيوبيا والاتحاد الأفريقي في اتجاه التقريب بين مواقف المتفاوضين. وانتهت المرحلة الثانية في الخامس من يوليو بالوصول الى توافق عام على سمات المرحلة الانتقالية. ويمكن اعتبار المرحلة الثالثة والأخيرة مرحلة الصياغة النهائية للاتفاق. مرحلة تخللتها مشاكل وصراعات وأزمات جزئية، لكنها نجحت في حسمها، فإذا وصلنا لنهاية يوليو سنجد الوثيقة الدستورية جاهزة للتوقيع في 4 أغسطس.
الى أي درجة يشكل الاتفاق الذي تم الوصول إليه تعبيرا أمينا عن موقف الحراك الشعبي السوداني كما عبرت عنه قوى تحالف الحرية ؟ سنجد الإجابة عبر مقارنة بنود إعلان الحرية والتغيير ببنود « الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية». طالب الإعلان بثلاثة مطالب أساسية. الأول: التنحي الفوري للبشير ونظامه بلا قيد أو شرط. والثاني: تشكيل حكومة وطنية ومن كفاءات وطنية يتوافق عليها الشعب السوداني وتسعى لتحقيق عدة أهداف حددها الإعلان بالترتيب. والثالث: وقف كافة الانتهاكات للحق في الحياة وإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات وتقديم الجناة لمحاكمة عادلة. وعندما نقارن تلك البنود ببنود الوثيقة الدستورية، سنجد أن الوثيقة قد حققت مساحة أساسية منها لكنها لم تحققها بالكامل. الأمر المؤكد أنها بالشروط التي حددتها لتشكيل مجلس الوزراء الانتقالي والمجلس التشريعي الانتقالي والسلطة القضائية، قد وضعت أساسا مؤسسيا صلب لتحقيق الهدف الثاني الخاص بتحقيق حكومة وطنية والأهداف المحددة لها. والأمر المؤكد أنها بتحديدها لعناصر وثيقة الحقوق والحريات في الفصل 14، وقضايا السلام الشامل في الفصل 15، قد تبنت إطارا حقوقيا صلبا لتحقيق الهدف الثالث الخاص بالحق في الحياة والقوانين المقيدة للحريات. والأمر المؤكد أنها بتبنيها لآليات تشكيل دستور جديد، عبر سن القوانين وتدوين الدستور وتشكيل المؤتمر القومي الدستوري في نهاية المرحلة الانتقالية، أطلقت عملية سياسية ومؤسسية لتشكيل نظام سياسي جديد وبديل. ولكن من جهة أخرى حافظت الوثيقة على عناصر أساسية من الوضع القديم. فهي عمليا لم تتمكن من الاقتراب من مصادر القوة المادية للدولة، وهي قانونيا أقرت بحق الجيش في عضوية مجلس السيادة بالمناصفة وحق مجلس السيادة في تسمية وزيري الدفاع والداخلية داخل مجلس الوزراء الانتقالي، وقصرت التعامل مع قضايا إصلاح المؤسسات السيادية على القائمين بأمر تلك المؤسسات، وحافظت على وضع قوات الدعم السريع رغم كل ما يثار حولها كأحد عناصر القوى الثلاث المشكلة للقوة المادية للدولة. ولكن هنا ينبغي أن نتوقف لنبدي ملاحظة هامة. واقع الأمر أننا يجب أن نحدد بدقة طبيعة اختصاصات مجلس السيادة حتى نفهم حدودها بدقة. ماهو جوهري في هذه الاختصاصات هو حقه في تعيين وزيري الداخلية والدفاع وبالتالي وقوع المؤسستين بالكامل تحت سيطرته. ومن جهة أخرى تتوزع عضوية مجلس السيادة مناصفة، بمعدل خمسة أعضاء لقوى الحرية وخمسة أعضاء للقوات المسلحة، والعضو الحادي عشر يسمى بالعضو التوافقي، أي يتم اختياره بالتوافق بين الجهتين. كما أن نظام التصويت داخله بالتوافق، وان تعذر التوافق بأغلبية الثلثين، وهو أمر يعني مباشرة أنه ليس في إمكان الأعضاء المدنيين عرقلة تعيين وزيري الداخلية والدفاع. ولكن سلطات مجلس السيادة ترد عليها أيضا قيود جذرية. فكل اختصاصاته في الأمور المدنية تتعلق باعتماد قوانين تتخذها السلطتان التشريعية والتنفيذية، ولا ترقى الى وضع القوانين أو عرقلتها. وهو حتى لا يمتلك الحق في إعلان حالة الطوارئ، فمن يقترح حالة الطوارئ ويحسم مسار إقرارها هو مجلس الوزراء. وتحتوي الوثيقة على نص شديد الأهمية والدلالة، يفيد أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة من يونيو 1989 لا تسقط بالتقادم. والأخطر أن أعضاءه محرومون بعد الفترة الانتقالية من الترشح في الانتخابات العامة.
والخلاصة أن المجلس الموزع مناصفة بين المدنيين والعسكريين، معزول قانونيا عن الأمور المدنية، وسلطته الحقيقية مركزة في الإقرار الدستوري بسيطرته على قوة الدولة المادية: مؤسستي الأمن والدفاع .
وفي المقابل سنجد أن قوى الحراك السياسي تتمتع بامتيازات هامة في السلطتين التنفيذية والتشريعية، تبدو في أمرين. الأول أن الوثيقة الدستورية حصرت حق عضوية مجلس الوزراء ومجلس السيادة والمجلس النيابي الانتقالي، في من ترشحهم قوى الحرية والتغيير أو من ينتمون الى قوائمها. والثاني أن الوثيقة وزعت تكوين عضوية المجلس التشريعي الانتقالي، الى نسبة 67% تختارهم قوى تحالف الحرية، على أن تذهب النسبة الباقية 33% الى القوى الأخرى غير الموقعة على بيان الحرية والتغيير، ويتم تسميتها وتحديد نسب مشاركتها عبر التشاور مع قوى التحالف، مع النص على حرمان أعضاء حزب المؤتمر الوطني من حق الترشيح. الأمر الذي يعني صعوبة تمرير أي قانون داخل المجلس دون موافقة الحرية والتغيير. ويعني هذان النصان أن المؤسسة النيابية المنوط بها هندسة مسار الفترة الانتقالية، سيكون في مقدورها تجنب أمرين: غزو قوى النظام القديم عبر انتخابات ستلعب فيها الولاءات المحلية والجهوية المحملة بمواريث دولة تسلطية دورا أكيدا، وتجنب الانقسام المدني – الأصولي الذي عرقل عمليات الانتقال الديمقراطي في بلدان عربية كثيرة.
ما الذي نخرج به من التحليل السابق؟ تمثل الوثيقة الدستورية في أساسياتها انتصارا لقوى الحراك الشعبي السوداني. وليس في أحكامها ما يهدد جذريا عملية الانتقال السياسي التي يتطلع إليها السودانيون. في كل عمليات الانتقال الناجحة لم تتمكن قوى التغيير من الإمساك بإدارة أمور الدفاع والأمن الا بعد فترة طويلة نسبيا، وعبر عمليات مساومة شاقة ومكلفة وتنطوي على تنازلات مؤلمة وانتكاسات غير هينة. ويظل الفيصل الأساسي في الدفع بالحراك السوداني صوب قطف ثماره هو عدة أمور. الأول: الحفاظ على مسيرة الحراك الاجتماعي العام ومواصلة تجذيره عبر مؤسسات المشاركة الجماعية والتنظيم المهني.
والثاني: الحفاظ على وحدة قوى التغيير الاجتماعي في مواجهة المنعطفات السياسية، والعمل الدائم على توسيع نطاقها وتجديد برامجها الحركية على ضوء احتياجات أوسع الفئات الشعبية. والثالث : الاعتدال السياسي ، فهذا الاعتدال هو وحدة الكفيل بإجراء فرز داخل مؤسسات النظام القديم يفصل المعتدلين عن المتشددين، ويخلق آليات تكيف داخل هذه المؤسسات مع التحولات الجديدة، ويدفعها نحو الإصلاح الداخلي. والرابع: التخلي عن منطق القطيعة الشاملة مع القوى المساندة للنظام القديم، بل الاعتراف بوجود مصالح لها ينبغي الاعتراف بمساحة منها ومنحها فرص التكيف مع السياقات الجديدة. والخامس والأخير: وعي أن النظم الاجتماعية الجديدة تنمو عبر التراكم البطيء والتناقض الجذري والتقدم والتراجع.