أولويات وتحديات ما بعد الاتفاق السياسي السوداني

د. أحمد سيد أحمد –

رغم عوامل التفاؤل التي تطغى على المشهد السوداني بعد توقيع الوثيقة الدستورية، إلا أن الطريق ما زال طويلا وصعبا ويحتاج إلى تكاتف كل أبناء السودان في العمل المشترك والاتفاق على هدف واحد هو مصلحة السودان العليا وتنحية أية اعتبارات حزبية أو جهوية أو سياسية ضيقة.
دشن السودان بعد التوقيع النهائي على الوثيقة الدستورية بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير في السابع عشر من أغسطس، مرحلة جديدة من تاريخه وطي صفحة قديمة استمرت ثلاثة عقود من حكم النظام السابق بقيادة البشير، وجاء توقيع الاتفاق بعد مرحلة مخاض عسير من المفاوضات الشاقة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير لأكثر من أربعة أشهر بعد سقوط النظام في أبريل الماضي.
اتفاق الوثيقة الدستورية وضع خريطة طريق جديدة للسودان للمرحلة الانتقالية التي تمتد لأكثر من ثلاث سنوات وربع، وتضمنت حل المجلس العسكري وتشكيل مجلس سيادة يضم 11 عضوا منهم خمسة من العسكريين وخمسة من المدنيين إضافة لمدني سادس هو الأستاذة رجاء عبد المسيح، وقد تولى الفريق عبد الفتاح البرهان رئاسة المجلس السيادي، كذلك تم تكليف الدكتور عبد الله حمدوك لرئاسة الوزراء والذي يتمتع بصلاحيات وسلطات تنفيذية كبيرة وفقا للوثيقة الدستورية التي نصت أيضا على تشكيل مجلس تشريعي خلال تسعين يوما كذلك التركيز على تحقيق الأمن والسلام في أنحاء ربوع السودان خلال الأشهر الستة الأولى من المرحلة الانتقالية. ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت توقيع اتفاق الوثيقة الدستورية بحضور عدد من القادة والزعماء وممثلي المنظمات الإقليمية والدولية، والفرحة التي عمت أنحاء الشوارع السودانية، إلا انه يمكن القول أن اتفاق الوثيقة الدستورية ما هو إلا خطوة وبداية لطريق طويل من العمل والاجتهاد حتى تتحقق مطالب وتطلعات الشعب السوداني، وبعبارة أخرى فإن نجاح الاتفاق يتطلب توافر العديد من المتطلبات المتعلقة بأولويات المرحلة المقبلة وسبل التغلب على التحديات المختلفة وتتمثل في السير على عدة مسارات متوازية ومتكاملة: أولها المسار السياسي: والذي يتمثل في استكمال تحقيق التوافق بين كل فئات الشعب السوداني وكل القوى السياسية فيه، في ظل تعدد تلك القوى وتعارض أجنداتها وأيديولوجياتها ووجود بعض القوى السياسية التي تحفظت أو اعترضت على الوثيقة الدستورية ومنها الجبهة الثورية التي تضم العديد من الحركات المسلحة والتي قاطعت حفل توقيع الاتفاق، حيث كانت تطالب بتضمين تفاهمات أديس أبابا والقاهرة بينها وبين بقية قوى إعلان الحرية والتغيير ضمن الوثيقة الدستورية، وبالتالي التحدي السياسي الأكبر هو تنفيذ بنود الوثيقة الدستورية واستكمال خطوات المرحلة الانتقالية وهذا يتطلب بدوره توافر الإرادة السياسية من الجميع خاصة الطرفين الأساسيين الموقعين على الوثيقة وهما المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، اللذين أصبحا شركاء في المجلس السيادي وتطوير آليات واضحة لتنفيذ بنود الاتفاق والتغلب على العقبات التي قد تطرأ أولا بأول، لأن أي انتكاسة أو اختلاف أو تأخير في تنفيذ خطوات المرحلة الانتقالية سوف يؤثر سلبا على مستقبل السودان.ثانيا: المسار الأمني: والذي يتمثل في أهمية بسط وتحقيق السلام والأمن في كل ربوع السودان خاصة مناطق الصراعات الملتهبة مثل دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وجبال النوبة والتي شكلت جرحا غائرا في جسد السودان واستنزاف موارده، وسقوط آلاف القتلى والجرحى وملايين اللاجئين والمهاجرين وإعاقة السودان عن تحقيق التنمية والأمن والاستقرار، ولاشك أن إعطاء الستة أشهر الأولى في المرحلة الانتقالية لتحقيق السلام في تلك المناطق يمثل أهمية كبيرة لكنه يتطلب بذل الجهود وتحقيق التوافق واستيعاب الجميع في السلطة والعمل على تحقيق الأمن والتنمية في تلك المناطق وتجفيف كل أسباب الصراع والتوتر، وهو تحد كبير في ظل تحفظ الجبهة الثورية على الوثيقة الدستورية وهو ما يتطلب إجراء مزيد من الحوار والتفاهم في إطار إعلاء مصلحة والسودان العليا على أية اعتبارات أخرى. ثالثا: المسار الاقتصادي والتنموي: وهو المسار الأصعب في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية في السودان وتردي أحوال الشعب السوداني والتي أدت إلى تفجر الأوضاع واندلاع الاحتجاجات في ديسمبر 2018 والتي كانت شرارتها الأولى ارتفاع أسعار الخبز وخروج الشعب السوداني للمطالبة بحياة كريمة، ولذلك فإن اتفاق الوثيقة الدستورية قد أنهى مرحلة التفاوض لبدء مرحلة العمل وتحقيق التنمية في كافة أنحاء السودان ولكي يجني المواطن السوداني ثمرة التغيير. ولذا فإن تدهور الوضع الاقتصادي يمثل أكبر التحديات أمام الحكومة السودانية الانتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، في ظل ندرة الموارد المائية وتعطل قوى الإنتاج عن العمل خلال فترة الاحتجاجات التي استمرت لثمانية اشهر وأدت لشلل الحياة في بعض المناطق بسبب غلق الطرق ووضع الحواجز وإغلاق المدارس والجامعات، ولاشك أن السودان يمتلك موارد طبيعية وبشرية ضخمة تحتاج إلى توظيفها التوظيف الأمثل من اجل الانطلاق وهذا يتطلب بدوره تحقيق الاستقرار السياسي والبدء في التنمية، وكذلك أهمية المساعدات الخارجية لمساعدة السودان على عبور تلك المرحلة الانتقالية، وقد برز هنا الدعم العربي المالي والاقتصادي والسياسي للسودان، كما تتطلب التنمية أيضا مواجهة الفساد المنتشر في بعض الأجهزة السودانية، ولا شك أن اختيار الدكتور حمدوك كرئيس للوزراء يعطي قدرا من التفاؤل في ظل علاقاته القوية الخارجية حيث عمل في الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، كما يتمتع بصفات قيادية، لكن تحقيق التنمية يتطلب تكاتف جهود وسواعد جميع السودانيين للبدء في عملية التنمية وإعادة الإعمار وعودة السودانيين الموجودين في الخارج الذين يحظون بمهارات عالية في كافة المجالات لمساعدة بلدهم في تحقيق النهضة والتنمية.رابعا: مسار السياسة الخارجية: حيث تتطلب المرحلة المقبلة إعادة ترتيب السياسة الخارجية السودانية من خلال بناء شراكات سياسية واقتصادية مع كافة دول العالم في إطار من الاستقلالية والتنويع في دوائر السياسة الخارجية والابتعاد عن سياسات التحالفات والاستقطاب التي ميزت سياسة النظام السابق وأدت لتأثيرات سلبية على تحقيق الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية في السودان، ولا شك أن الدور الخارجي سيشكل أهمية كبيرة في المرحلة المقبلة حيث ساهم الحضور الدولي والإقليمي في توقيع الوثيقة الدستورية في حشد الدعم الاقتصادي الخارجي للسودان وإنهاء عزلته الدولية، وهنا تبرز أهمية التحرك العربي وتحرك مجلس السيادة في السودان برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان من أجل رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب والذي شكل عائقا كبيرا أمام إقامة علاقات خارجية طبيعية مع كافة دول العالم، كذلك إعاقة جذب الاستثمارات الأجنبية والتي يحتاجها السودان بشدة خلال الفترة المقبلة للبدء في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، كما تبرز أهمية تفعيل العلاقات السودانية العربية وكذلك العلاقات السودانية الأفريقية خاصة بعد إنهاء تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، وهو ما يعني أن السودان في اتجاه مرحلة جديدة من السياسة الخارجية في ظل الدعم الإقليمي والدولي الكبير للوثيقة الدستورية وللمجلس السيادي.
وبالتالي فمن المهم أن يقوم المجلس السيادي ومجلس الوزراء بإعادة ترتيب أولويات المرحلة المقبلة وان تسير كل المسارات بالتوازي وفي إطار منظومة متكاملة من العمل الذي يضمن الانتقال والتحرك دائما إلى الأمام وقطع خطوات جديدة بعد خطوة توقيع الوثيقة الدستورية في اتجاه تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، وإعادة الحياة لطبيعتها خاصة إعادة فتح المدارس والجامعات وأماكن العمل واستئناف أجهزة الدولة لأنشطتها وتنظيف الشوارع من الحواجز وغيرها من المظاهر التي انتشرت خلال الاحتجاجات. ورغم عوامل التفاؤل التي تطغى على المشهد السوداني بعد توقيع الوثيقة الدستورية، إلا ان الطريق ما زال طويلا وصعبا ويحتاج إلى تكاتف كل أبناء السودان في العمل المشترك والاتفاق على هدف واحد هو مصلحة السودان العليا وتنحية أية اعتبارات حزبية أو جهوية أو سياسية ضيقة، حتى يكون التغيير الذي حدث عاملا في تحول السودان نحو الأمام ونحو النهضة الشاملة على كافة المستويات.