بعد الإنجاز السوداني .. السلام أولا والاقتصاد ثانيا

عوض بن سعيد باقوير  –
صحفي ومحلل سياسي  –

يحتاج السودان إلى صفاء الذهن في العمل والإنتاجية ولعل إنهاء المشكلات الداخلية المسلحة وإنهاء معاناة المواطنين في مخيمات الإيواء هو أمر مهم في إطار المصالحة الوطنية التي انطلقت بشكل جعل العالم شرقه وغربه يشيد بتلك الخطوة السودانية المدهشة رغم الصعوبات والتعقيدات والتي تلت سقوط النظام السابق وعلى ضوء ذلك فالكل في السودان وخارجه يتطلع ويتابع التطورات في السودان.

بعد مخاض سياسي صعب ومعقد وفي ظل إرادة شعبية ووطنية تم التوقيع علي الوثيقة الدستورية بين تجمع الحرية والتغيير والمجلس العسكري حيث بدأت المرحلة الانتقالية بقيام مجلس السيادة ورئاسة الوزراء والحكومة والمنظومة القضائية والمفوضيات المختلفة ليبدأ السودان مرحلة مفصلية في تاريخه الحديث ولا شك أن المرحلة الانتقالية تعد على جانب كبير من الأهمية والحساسية والتي عبر عنها رئيس الحكومة السودانية الانتقالية الدكتور عبدالله حمدوك والذي أشار إلى أهمية عنصرين مهمين للتقدم للأمام وهما السلام وإنهاء الإشكال المسلح في بعض الولايات السودانية وبناء الاقتصاد السوداني والذي يعاني عددا من المشاكل من أهمها ضعف الإنتاجية والاعتماد علي الهبات والمعونات والفساد والبيروقراطية مشيرا إلى إن السودان لديه إمكانات كبيرة تجعله من الدول المتقدمة في العالم.

الانطلاقة الأهم

يعاني السودان منذ سنوات طويلة من النزاعات العسكرية المحلية وكان أشدها ضراوة هي الحرب الأهلية في جنوب السودان قبل الانفصال وكان السبب الأساسي لذلك الصراع هو التنوع العرقي والديني وانتهى ذلك الصراع العسكري المسلح بانفصال جنوب السودان ليصبح دولة مستقلة بعد استفتاء كانت نتيجته كاسحة لصالح الانفصال وهو أمر كان متوقعا وكان الصراع المحلي الآخر هو في دارفور حيث اندلع هذا الصراع في عام 2003 حيث أدى ذلك الصراع المرير إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين وأيضا المقاتلين وحدث انفراج في السنوات الأخيرة بعد وساطة قطرية نجحت جزئيا، ولا تزال الخلافات موجودة بين الفرقاء وهناك النزاع العسكري في كردفان ومنطقة النيل الأزرق وهي نزاعات تحتاج الى أولوية قصوى من الحكومة الانتقالية ولعل ذلك يتمثل في إنشاء لجنة للحوار مع تلك القوى المسلحة حيث هناك الجبهة الثورية وحركة العدل والمساواة وجيش تحرير السودان وهناك حركة التحرير والعدل والتي وقعت اتفاق الدوحة للسلام في دارفور عام 2011 وعلى ضوء التطورات الإيجابية في السودان فان رئيس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك كان محقا عندما تحدث عن ضرورة إيجاد السلام أولا في كل أنحاء السودان وبعد ذلك الانطلاق نحو تنمية الاقتصاد السوداني ومن هنا فان الانطلاقة الأهم تبدأ بحوار وطني شامل مع كل تلك التجمعات العسكرية والالتفاف حول المرحلة الجديدة والتي كانت بمثابة فرح سوداني عبر عنه الشعب السوداني الشقيق في ساحات الخرطوم وكل الولايات السودانية.
السودان منذ عهد الاستقلال عام 1956 يعاني جملة من المشكلات البيروقراطية والانقلابات العسكرية وإهمال بناء الدولة المدنية ووجود قوى سياسية وأحزاب تتطلع الى مصالحها الشخصية ومن هنا فإن المرحلة الانتقالية تحتاج الى تضافر الجهود الوطنية حتى يعبر السودان هذه المرحلة الحرجة.

الاقتصاد اولوية

التصريحات الأولى لرئيس الحكومة الانتقالية د عبدالله حمدوك تعبر عن فكر الرجل ذي الخبرة الاقتصادية الطويلة حيث ركز على أهمية السلام وبعد ذالك تحدث عن ضرورة بناء الاقتصاد السوداني على أسس سليمة بعيدا عن الهبات والمساعدات وأن هناك موارد كبيرة يمتلكها السودان تحتاج الى إدارة صحيحة، وأن الاقتصاد السوداني وفي ظل الانهاك المستمر الذي صاحبه لعشرات السنين يحتاج الى عشرة مليارات دولار لإعادة هيكلته الإنتاجية. فالسودان الشقيق يملك مقومات طبيعية كبيرة وموارد بشرية ممتازة ويحتاج الى الاستقرار الداخلي وإنهاء النزاعات المسلحة التي أنهكت السودان وموارده وبعد ذلك إدارة حكومية رشيدة تنطلق بالسودان نحو التنمية والإنتاجية العالية ورسم سياسة خارجية معتدلة لا تخضع لأي إملاءات خارجية وهذا أمر حيوي لاستقلالية القرار الوطني وبعد ذالك الانطلاق نحو بناء السودان الوطن والشعب.
هناك الآن زخم وطني وشعبي يمكن البناء عليه بعد توقيع الوثيقة الدستورية ومن هنا فإن أمام الحكومة السودانية مرحلة ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة مع ترقب الرأي العام في السودان لإعلان تشكيلة مجلس الوزراء والذي سوف تكون معظم كوادره من التكنوقراط المتخصصين في قضايا الاقتصاد والزراعة والتخطيط والموارد المالية وغيرها من التخصصات، والتي تحتاجها المرحلة الانتقالية الحساسة خاصة في المجال الاقتصادي وبالطبع المجال السياسي من خلال وجود وزير خارجية ذي خبرة ديبلوماسية واسعة يستطيع تقديم السودان بشكل مختلف وايضا يكون هناك الحوار الداخلي مع القوى المسلحة بشكل خاص ولعل تشكيل لجنة الحوار هي مقدمة أيجابية.
ان السودان بلد مترامي الأطراف مساحة وبه الأنهار والبحيرات والغابات المطيرة وبه من الموارد الكثير وبه عقول وطنية نجحت في إدارة المشاريع الكبري في الغرب والولايات المتحدة وحصل بعض العلماء السودانيين على جوائز علمية مرموقة، ومن هنا فان السودان يحتاج في المرحلة الانتقالية وما بعدها الى آليات جديدة وفكر متجدد للنهوض نحو دولة متطورة مدنية تكون المواطنة هي الأساس ويتم التركيز على الإنتاجية والتي سوف تشكل الانطلاقة نحو بناء السودان الجديد.

السياسة الخارجية

من المحاور الأساسية التي ركز عليها رئيس الحكومة الانتقالية الدكتور عبدالله حمدوك هي انتهاج سياسة خارجية معتدلة وأن يكون القرار الوطني مستقلا بعيدا عن التأثيرات الخارجية وقد ربط ذالك بأهمية أن يبتعد الاقتصاد الســـــوداني عن الاعتماد على المنح والهبات والتي تلعب دورا كبيرا في التأثير على القرار الوطني المستقل.
ويبدو لي أن السودان الجديد بحاجة الى الابتعاد عن سياسة المحاور وأن تكون سياسته الخارجية كما أشار الى ذلك رئيس الوزراء مبنية على مصالح السودان العليا، وهذا منهج صحيح وينطلق من فكر متقدم حيث إن السودان يحتاج إلى السلام الداخلي والانفتاح الخارجي بناء على أسس جديدة قوامها التعاون وتبادل المصالح المشتركة والندية في العلاقات الدولية.
والسودان هو جزء أصيل من العالم العربي وعضو في الجامعة العربية وهو أيضا عضو في الاتحاد الأفريقي وعضو في الأمم المتحدة ولديه كبار رجال القانون داخل السودان وخارجه خاصة في المنظمات الدولية وهو يحتاج إلى توازن دقيق في سياسته الخارجية، والتي ركز عليها رئيس الحكومة الانتقالية الدكتور عبدالله حمدوك والذي تبنى عليه الآمال في إخراج السودان من أزمته الاقتصادية ولو مرحليا خلال مدة الفترة الانتقالية المقدرة بثلاث سنوات.
إن السياسة الخارجية المتوازنة والموضوعية للدول تلعب دورا كبيرا في الاستقرار والبعد عن الصراعات الخارجية والتركيز على الشأن الداخلي للانطلاق منه الى بناء علاقات بناءة وإيجابية مع الدول الشقيقة والصديقة على أسس راسخة حيث ان السودان دولة مهمة ذات حضارة عريقة في التاريخ ولها إسهامها الأدبي والثقافي إقليميا ودوليا.
ويحتاج السودان إلي صفاء الذهن في العمل والإنتاجية ولعل إنهاء المشكلات الداخلية المسلحة وإنهاء معاناة المواطنين في مخيمات الإيواء هو أمر مهم في إطار المصالحة الوطنية التي انطلقت بشكل جعل العالم شرقه وغربه يشيد بتلك الخطوة السودانية المدهشة رغم الصعوبات والتعقيدات، والتي تلت سقوط النظام السابق وعلى ضوء ذلك فالكل في السودان وخارجه يتطلع ويتابع التطورات في السودان وترقب لإعلان الحكومة الانتقالية الجديدة والتي سوف يكون أمامها ملفات وطنية في غاية الصعوبة والتعقيد من خلال تراكمات ثلاثة عقود.
كما أن على المجتمع الدولي أن يكون عونا للسودان خلال تلك المرحلة لأن استقرار هذا البلد العربي والإفريقي يعد ضرورة لاستقرار المحيط الإفريقي بشكل خاص وأيضا ينطلق السودان كبلد له مقومات حيوية سوف تساهم في مجال التنمية المستدامة وفي مجال الاستقرار وخطوة نحو انطلاق السودان الجديد بعد تضحيات كبيرة من أبناء الشعب السوداني خلال العقود الماضية.