حادث الانفجار النووي الروسي: حدوده ودلالته السياسية

د.صلاح أبو نار –

في الثامن من أغسطس شهد أحد المواقع العسكرية الروسية الواقعة على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض شمال روسيا انفجارا نوويا. وبأي معيار موضوعي، لم يكن هذا الحادث شاذا إذا ما تم رده الى السياق المزدحم والمتواصل للحوادث النووية الروسية، ولا كان خطيراً إذا ما وضع رسميا وفورا وبشكل مباشر في حجمه الحقيقي. ولكن الارتباك الروسي الواضح الذي استمر لعدة أيام في التعامل مع الحادث، وما صاحبه من تضارب في التفسيرات الرسمية، والتاريخ السوفييتي ثم الروسي المؤكد والمعروف في التعتيم على حوادث مماثلة سابقة، منحوا الحادث درجة من الأهمية مستمدة أساساً من السياق السياسي الدولي، وتتخطى بدرجة كبيرة حجمه الحقيقي.
وقع الحادث في قاعدة عسكرية داخل مدينة صغيرة تدعى نيونوكسا يسكنها 2000 من السكان. وهي موقع عسكري حصين يقع على شاطئ خليج دفينا أحد خلجان البحر الأبيض الأربعة، الواقع أقصى شمال روسيا على مشارف القطب الشمالي. وعلى بعد أميال منها تقع مدينة سيفيرودفينسك، وتتركز فيها عدة صناعات عسكرية ويصل عدد سكانها إلى حوالي 289 ألف نسمة. وبصفة عامة من المعروف عن المنطقة كونها منطقة مخصصة لممارسة تجارب الأسلحة الجديدة وبالتحديد الصواريخ.
ولقد مر التعامل الرسمي مع الحادث بعدة مراحل. في البداية تم تجاهله بالكامل، وبعد يومين اعلن عن وفاة اثنين نتيجة تجربة فاشلة لإطلاق صاروخ بعمل بالوقود السائل، مع عدم وجود أي تسرب إشعاعي. وتحت تأثير تراكم المعلومات اضطرت السلطات بعد عدة أيام أخرى، للإعلان عن السبب وهو تجربة فاشلة لصاروخ يعمل بقوة دفع نووية، نتج عنها تسرب إشعاعي محدود تتراوح نسبته بين 4 و16 ضعف المعدل العادي استمر لأربعين دقيقة فقط، ومصرع خمسة علماء وصفتهم التصريحات الرسمية بكونهم «نخبة المركز النووي الروسي الفيدرالي».
واستقرت الرواية الروسية الرسمية على صيغتها الأخيرة، ومن الواضح أن موسكو لم تكن ترغب في الإعلان عنها، ولكن تراكم المعلومات المدعومة بصور الأقمار الصناعية للموقع أجبرها على الاعتراف بما حدث. ولم يكن هذا التردد مصدره حجم الإشعاع المتسرب. فهو فعليا محدود جدا، إذ لم تسجل الدول المجاورة مثل فنلندا والنرويج أي تغيرات في معدلات الإشعاع لديها، ولم يصدر عن الهيئات الدولية المختصة ما ينفي التقديرات الروسية، ولم يصدر عن أي مصدر إعلامي أو علمي دولي تقديرات نقيضة جذريا لتلك التقديرات. بل كان مصدره ببساطة أن الاعتراف بالفشل، يعني الاعتراف بأن روسيا لم تمتلك بعد السلاح الذي تباهى به بوتين، وأن أمامها تحديات جسيمة لكي تمتلكه، وبالتالي يحمل نوعا من الإضعاف المؤكد لوزنها الدولي في سباق التسلح النووي الجديد.
والآن أصبح من المسلم به أن الحادث نتج عن تجربة فاشلة لإطلاق صاروخ كروز يدعوه الروس بيوريفيستنيك، لا يحمل فقط الرؤوس النووية بل يحمل أيضا مفاعلا نوويا صغير الحجم يقوم بمهمة توفير الطاقة النووية لمحرك الصاروخ. ويعني ذلك إننا أمام نمط جديد من الصواريخ ، مصدر اختلافه الأساسي في كون كل الأنماط السابقة كانت تعمل بالوقود السائل وليس بالوقود النووي. ولم يكن الأمر يحمل أي مفاجأة للدوائر السياسية العالمية المختصة، وعلى الأخص الدوائر الأمريكية الضالعة في أمور التسلح من البيت الأبيض حتى وزارة الدفاع مرورا بالمخابرات الأمريكية. فلم تكن مشاريع التطوير الروسي فقط قيد التتبع الغربي عامة والأمريكي خاصة، بل أن روسيا نفسها أعفت الجميع من جهود البحث والتتبع عندما أعلن بوتين في مارس 2018، عن هذا السلاح الجديد في خطاب رسمي أمام البرلمان الروسي. ومن هنا يمكن أن نضع فرضية مضمونها انه إذا كانت ثمة مفاجأة للغرب فيما حدث، فهي ليست في السلاح نفسه بل فيما كشفه الحادث وحسمه بشأن درجة التطور التي وصلت إليها الجهود الروسية في تطويره وحجم المشاكل التي تواجهه فعليا.
وتبعا لوجود مصدر الطاقة النووي يتسم الصاروخ بقدرة غير محدودة المدى على الطيران، لأن مصدر طاقة المحرك غير محدد الكم وقابل للاستهلاك بعد مسافة معينة، بل مفتوح ومتجدد طالما استمر المفاعل الذي يحمله الصاروخ في العمل. ولكن الصاروخ يحمل مزايا أخرى هامة، ووفقا للمنشور يتميز بالقدرة على الطيران المنخفض الذي يجنبه احتمال اكتشافه عن طريق شبكات رادار الدفاع الجوي الأمريكي المصممة لاكتشاف الصواريخ المحلقة على الارتفاعات العالية، والقدرة الهائلة على المناورة وبالتالي صعوبة توقع أو اكتشاف وجهته الأصلية في حال انطلاقته، واحتمال تمتعه بالقدرة على حمل اكثر من رأس نووي يلقيها بالتتابع على عدة مواقع من خلال مسار طيرانه القابل للتعرج والمناورة قبل أن يصل لهدفة النهائي ويدمره. ويترتب على ذلك نتيجة واضحة أن إمكانيات الصاروخ ستسمح بإلغاء نهائي للحد الفاصل بين الصواريخ متوسطة ووسيطة وطويلة المدى ، الأمر الذي لن يقلب فقط موازين القوى النووية بين روسيا والولايات المتحدة، بل سوف يضع أيضا مشاكل ضخمة أمام المفاهيم والتقاليد الراهنة المستخدمة في مفاوضات ومعاهدات ضبط التسلح النووي، وسيحيل فئة كاملة من تلك المعاهدات إلى الاستيداع.
جاء رد الفعل الرسمي الأمريكي لكي يفتح الباب أمام الإعلام لاستكمال أبعاد الصورة. فور وقوع الحادث أسرع ترامب بالتغريد، منتهزا فرصة الفشل الروسي معلنا أن أمريكا تمتلك نفس السلاح، ومتباهيا انه اكثر تقدما من نظيره الروسي. والأمر المؤكد أن أمريكا تخوض نفس مسار التجارب الروسية، ولكن من المستبعد أن تكون قد وصلت إلى نتائج نهائية، وأقصى ما يمكن افتراضه أنها مضت أشواطا أطول في حل مشاكل الصاروخ الجديد. وفي هذا السياق استعاد المعلقون السياسيون قصة مشروع بلوتو الأمريكي في خمسينات القرن الماضي. استهدف المشروع تطوير نظام صاروخي جديد يحمل اسم «صاروخ منخفض التحليق اسرع من سرعة الصوت» ، ويقوم على فكرة نظام مصمم على قاعدة تفاعلات نووية تؤدي إلى تحريكه بسرعة فائقة، ولمسافات غير محددة وعلى ارتفاعات منخفضة، أي نفس المواصفات المذكورة أعلاه لمشروع الصاروخ الروسي. ولكن واشنطن وجدت نفسها بعد مرحلة من العمل في مواجهة مشاكل كبيرة أجبرتها على إيقافه. فالصاروخ الذي كان يتخطى سرعة الصوت في تحليقه المنخفض، كان ينتح جلبة شديدة تصيب من يسمعها بالصمم الكامل. وكان يخلف في طيرانه إشعاعات نووية قاتلة إذا أخدنا في اعتبارنا انخفاض مستوى طيرانه. ولكن الصعوبة الأهم تبدت في العجز عن تطوير مفاعل نووي صغير وخفيف الوزن، يمكن للصاروخ أن يحمله دون أن يؤثر على سرعته المفترضة. ولكن من الواضح من تصريحات ترامب الأخيرة ومؤشرات أخرى، أن الولايات المتحدة استأنفت مشروع الخمسينات القديم في توقيت مقارب لانطلاق المشروع الروسي.
ما الذي يمكن لنا أن نقرأه داخل وقائع الحادث النووي الروسي؟ يمكننا رصد دلالتين أساسيتين.
تخبرنا الدلالة الأولى أن الحادث جزء من سباق التسلح النووي الجديد، الذي انطلق من عقاله قبل رئاسة ترامب، ثم جاء ترامب ليمنحه دفعة جديدة. هذا السباق سنجد وقائعه ودوافعه الأساسية في ظاهرتين. الأولى التخلي الأمريكي المتكرر عن معاهدات ضبط التسلح، والذي كان يتلوه عودة أمريكية إلى المفاوضات وتوقيع معاهدات جديدة. وهو ما نجد نموذجا له بالمقارنة بين رئاسة بوش الابن الجمهوري الذي قرر في يونيو 2002 الانسحاب من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية الموقعة 1972 وبعد 30 عاما من الالتزام الأمريكي بها، ورئاسة باراك أوباما الديموقراطي الذي توصل مع ديمتري ميدفيديف إلى توقيع معاهدة ستارت الجديدة للأسلحة الاستراتيجية في أبريل 2010 والتي نصت على تخفيض للأسلحة الاستراتيجية بنسبة 30%. والثانية هي الانتهاك الروسي متعدد الأشكال لمعاهدات الموقعة مع الولايات المتحدة، تحت تأثير سياسة بوتين الرامية إلى عودة روسيا إلى النظام الدولي كقوة كبرى، ورؤيته لمخاطر توسع الناتو في شرق أوروبا ومعه السلاح النووي الأمريكي .وهي انتهاكات متعددة الأشكال وسنجد خلافات حادة حول جسامتها، ولكن ثمة توافقا دوليا عاما على وجودها، كما إنها شكلت الحجة الظاهرية لقرار ترامب الانسحاب من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى الموقعة عام 1987، والتي شكلت على مدى تلك السنوات العمود الفقري لجهود ضبط التسلح النووي.
وتخبرنا الدلالة الثانية أن التكنولوجيا الروسية ورغم قدرتها على تحقيق توازن كمي في مجال التسلح النووي مع الولايات المتحدة، ما زالت تعاني قدرا من التخلف النسبي بالمقارنة مع نظيرتها الأمريكية. ويبدو هذا التخلف النسبي في معدلات حوادث الخلل في المفاعلات النووية النووية وما ينتج عنها. وسنجد اقرب الوقائع تلك الحوادث في عام 2017. ففي أواخر سبتمبر اكتشف خبراء الدول الأوروبية سحابة واسعة من الإشعاع النووي منتشرة فوق أوروبا، ورجح الجميع أن مصدرها حادث نووي شهدته منشأة نووية في إقليم شيليابنسك بجبال الأورال الروسية، وقعت في 26 و27 سبتمبر.
وفي قائمة أعدتها مؤخرا جريدة الجارديان البريطانية عن اكثر أحدات المفاعلات النووية خطورة، رصدت القائمة 33 حادثا فيما بين 1952 و2011 موزعة على سبع درجات متصاعدة للخطورة. وبتحليل القائمة سنجد أن اكثر الدول التي شهدت أحداثا نووية هي روسيا وأمريكا واليابان. شهدت روسيا ثلاثة أحداث فقط، لكنها الوحيدة التي شهدت حادثين من الدرجتين السادسة والسابعة، أي أعلى درجات الخطورة، وكان الثالث من الدرجة الرابعة. بينما شهدت أمريكا ستة أحداث، أي ضعف الأحداث الروسية، ولكن خمسة منها كان من الدرجة الأولى أي أقل الدرجات خطورة، والسادس من الدرجة الخامسة. وشهدت اليابان خمسة أحداث أي اقل من روسيا بحادث واحد، ولكن واحدا منها من الأولى واثنين من الثانية، والرابع من الرابعة والخامس من الخامسة. وثمة مؤشر آخر لهذا التخلف النسبي الروسي نجده في عدد الغواصات النووية التي تعرضت لحوادث قادت إلى غرقها. بلغ عدد الغواصات الأمريكية الغارقة غواصتين فقط، بينما بلغ عدد الغواصات السوفيتية والروسية الغارقة أربعة غواصات، أي ضعف المعدل الأمريكي.